يُعد الشاعر الأمريكي والت ويتمان أحد أهم رواد الشعر الحر في العالم، كسر القيود التقليدية للقصيدة وأدخل فيها روح الحرية والتعبير الإنساني الكامل.
تجاوز تأثيره حدود الأدب الأمريكي ووصل إلى الأدب العربي الحديث، حيث ألهم عددًا من رواد التجديد في المهجر مثل أمين الريحاني وجبران خليل جبران، فتأثرت تجربتهما الشعرية بفكره وقيمه الإنسانية، وفتح الطريق أمام قصيدة النثر والشعر الحر في العالم العربي.
وُلد والت ويتمان في 31 مايو عام 1819، لعائلة أمريكية ذات أصول إنجليزية وهولندية، وعاش طفولته في بروكلين حيث تلقى تعليمه الأولي قبل أن يترك الدراسة مبكرًا ويتجه إلى العمل في المطابع.
ومن خلال هذا العمل، أتيح له الاطلاع على عدد كبير من الكتب الكلاسيكية والأدبية مثل الإنجيل وأعمال شعراء الهند وألمانيا، بالإضافة إلى أعمال شكسبير وسكوت وهوميروس ودانتي، وهو ما أثر بعمق في أسلوبه الشعري وإيقاعه، وجعله قادرًا على المزج بين التجربة الإنسانية اليومية والتأمل الفلسفي في قصائده.
وفي نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، كان العالم العربي يعيش مرحلة تحوّل ثقافي وفكري مهمة، انعكست على مسار الأدب، خاصة الشعر الذي بدأ يشهد محاولات جادة للخروج من أسر الصناعة اللفظية والقوالب التقليدية.
وفي هذا السياق، برز تأثير والت ويتمان في تجربة عدد من رواد أدب المهجر، وعلى رأسهم أمين الريحاني وجبران خليل جبران، اللذان أتاح لهما وجودهما في الولايات المتحدة وإتقانهما اللغة الإنجليزية الاطلاع المباشر على أعماله، وهو ما فتح أمامهما آفاقًا جديدة للتجريب والبحث عن شكل شعري أكثر حرية وارتباطًا بتجربة الإنسان.
وقد اتجه أمين الريحاني إلى ابتكار نمط شعري جديد أطلق عليه «الشعر الحر»، ساعيًا إلى تحرير القصيدة العربية من قيود الوزن والقافية الصارمة، وجمع نصوصه المتأثرة بهذه التجربة في كتابه «هتاف الأودية»، الذي يعده عدد من النقاد من أوائل دواوين الشعر المنثور في الأدب العربي الحديث، كما سار جبران خليل جبران على النهج ذاته، متأثرًا بروح التأمل الإنساني والحرية التعبيرية التي ميّزت شعر ويتمان.
وبهذا التأثير غير المباشر، أسهم والت ويتمان في فتح آفاق جديدة أمام تطور الشعر العربي الحديث، حيث شجّع رواد المهجر على كسر القوالب التقليدية والبحث عن أشكال تعبير أكثر تحررًا وعمقًا، وهو ما مهّد الطريق لاحقًا لظهور حركات التجديد الشعري في العالم العربي خلال القرن العشرين.