رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

سمعان الخليوى وعالم المطور العقارى


26-2-2026 | 15:50

.

طباعة
بقلـم: إيمان رسلان

«شعر سمعان بإهانة بالغة، وهو يمشى مقيدا بأساور حديدية تربطه بالشرطى، جرى سمعان فى حياته جرى الوحوش حتى أصبح هذا الشاب الريفى البسيط يوما من الأغنياء المعدودين، يسانده عِلية القوم».. هذه بعض من جمل السرد البديع فى رواية رحلة سمعان الخليوى، وهى الرواية الأحدث والأكثر من متميزة للدكتور أحمد جمال الدين موسى أستاذ القانون والمالية ووزير التعليم الأسبق، تحكى سيرة الانفتاح ودنيا البناء والمقاولات من الشقة حتى الكمبوند أو من الفرد إلى إمبراطور التطوير العقارى. 

 

لولا أنى أعرف د. أحمد جمال منذ سنوات طويلة كرئيس لجامعة المنصورة ثم وزيرا للتعليم مرتين؛ لتصورت أن مهنته هى الأدب، فهذه هى الرواية ربما السادسة للدكتور أحمد جمال، وقد كتبت عن بعضها سابقا وقلت إنه خلق ليكون أديبا وروائيا، فهذه الرواية وهى الأحدث بأعماله والتى صدرت مؤخرا عن دار الشروق.

الرواية واسمها رحلة سمعان الخليوى تحمل قراءة اجتماعية واقتصادية عميقة وتشريح المجتمع المصرى منذ سياسة الانفتاح.

بطل الرواية «سمعان» نتعرف على بدايات أحلامه بالمدرسة الإعدادية من خلال حوار مع زميله وصديقه حامد، فيروى كل منهما حلمه للمستقبل، فحامد يحلم بأن يكون مفكرا أو فيلسوفا، على حين سمعان تمنى أن يصبح مهندسا يبنى العمائر ويخطط المدن، أكمل حامد دراسته بالثانوي العام، على حين لم تكن موارد عائلة سمعان الشحيحة تسمح بالإنفاق عليه بعد الإعدادية - وهنا نلمح رؤية عميقة وصادقة وواقعية لحال تعليمنا؛ حيث يقف الفقر حائلا في تحقيق طموح الطلاب وربما حتى فى وجود المجانية، ولايستطيع بعض الفقراء مواصلة المشوار إلى التعليم العالى -ويذهب إلى التطوع بالجيش ويقبل فى اختبارات المدرسة العسكرية، ويتيح له بنيانه القوى والرياضى بأن يلتحق بفرقة الحراسات، ويظل دائما على علاقة بصديق المدرسة حامد الذى سيصبح لاحقا أستاذا بالجامعة.

ولكن النقلة أو التطور الدرامى حدث لسمعان بانتقاله إلى العمل بالخارجية ثم السفر لحراسة السفارة المصرية بالنمسا، وتوثقت علاقته بالسفير وعائلته، وعاد بعد انتهاء ندبه إلى القاهرة، ولكنه لم يسترح فى وظيفته الحكومية بالقاهرة فأقدم على الاستقالة، ولأنه كان مغرما بحياة التجارة والسمسرة، وعن طريق أقاربه ومعارفهم نصحوه بالتركيز على قطاع الإنشاءات والشقق لأن قطاع العقارات يشهد نشاطا مزدهرا وتوسعات غير مسبوقة، وأن يبدأ رحلته بالسمسرة من طرح الشقق من الشركات بالمعادى الجديدة، وعن طريق المعارف بدأت رحلته بالحصول على المساعدة والمعلومات، فالمعلومات الاقتصادية أو العقارية هى كنز ورأسمال خفى، وتبدأ رحلة الصعود مع عالم العقارات وبرأسمال صغير وبمساعدة منهم، كان يشترى الوحدات المتميزة من الشركة، ثم يعيد بيع الإيصالات ويحصل على الفارق أو العمولة، وبالإكراميات استطاع أن يحصل على شقق مميزة ويعيد طرح الإيصال لها، وهكذا اتسع نشاطه حتى استطاع أن يصبح لديه شركة ويبنى بنفسه العمارات ربما تحقيقا لحلمه القديم بالإعدادى، فيبنى على قطع الأراضى التى حصل عليها، وبدأ فى طرح شقق عماراته للبيع وحتى قبل بنائها، وكان أن عين معه مستشارا أمنيا سابقا لمساعدته، فهو لا يستطيع السير وحيدا منفردا بعيدا عن حماية الثعالب، وتحدث النقلة الأكبر لتحقيق حلمه، بأن تقدم للحصول على أرض بالمجتمعات العمرانية الجديدة؛ ليصبح مثل كبار أسماء المطورين العقاريين لبناء كمبوند أو مجتمع متكامل، وبالفعل بمساعدة جهات وعلاقات يتم تخصيص أرض ضخمة له بالقاهرة الجديدة بمشاركة منهم فى نسبة بالأرباح من هذه الجهات التى ستساعده للحصول على القروض اللازمة لبناء الكمبوند الضخم، أثناء مسيرته للصعود العقارى كان يتهرب من الضرائب بل ويتزوج للمرة الثانية من شابة جميلة، ويُعرض عليه الترشح بالانتخابات ولكنه لا يحب السياسة فيرفض بعد صراع طويل مع نفسه ومع الآخرين. 

وستكون هذه الزيجة ومن خلال أخيها الذى عمل معه هى الباب الذى سيؤدى إلى القبض عليه لتهربه الضريبي، وعدم الالتزام بالبناء بعد أخذ المقدمات، وهنا تقع الأزمات وتتوالى عليه المصائب حتى يسافر للعلاج بالخارج، فهو مريض كبد نتيجة أصوله القديمة الريفية؛ ليعود به ابنه الذى يتعلم فى الخارج أو ابنته التى تتعلم بالجامعة الأجنبية بالقاهرة أيضا والتى وقررت الهجرة لتتزوج زميلها.

هذه الرواية الواقعية تجسد مسيرة ورحلة لصعود ظاهرة الكمبوند أو المجمعات الإسكانية، وليست مسمى المجمعات الاستهلاكية الموضة القديمة، وأصبحت هذه المجمعات تشترط عقد مقابلة شخصية للزبون وغيرها من الاشتراطات - الطبقية - والتى نراها تجسيدا لعالم هذه المجمعات أو الكمبوند، فيجسدها ما حدث مؤخرا فى أحد أشهر هذه المجمعات السكانية المستحدثة من اعتداء لا إنسانى من أحد السكان على فرد عامل، ربما يذكرنا ببدايات رحلة سمعان نفسه، فهذه الأحداث والتغيرات الاجتماعية التى حدثت ونمط البناء والمعيشة داخل الأسوار انعكست كذلك على أسوار نفسية داخل الإنسان فى التعامل مع الآخر الإنسان مثله، لا سيما لو كان أقل منه اجتماعيا واقتصاديا.

إن ظاهرة المستوطنات السكانية ربما على غرار تسمية أطلقتها منذ سنوات على أنماط التعليم، وكتابة عنوان مستوطنات تعليمية فكلاهما انعكاس للآخر، أى ملك وكتابة بين الكمبوند السكنى أو التعليمى، إنها رواية رائعة أنصح بقراءتها لأنها ترصد أيضا واقعا نعيشه فى عالم المطورين العقاريين وربما التعليميون كذلك.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة