وقال مجدى عبدالغنى، عضو مجلس إدارة اتحاد الكرة الأسبق: إن كانت عودة القناة هدية لجماهير الإسماعيلية؛ فإن صعود بترول أسيوط كان شيئًا أكبر وأعمق، كان إنصافًا للصعيد كله، بعد غياب امتدّ ستة عشر عامًا متواصلة، منذ هبوطه فى موسم 2009-2010، عاد فريق «أسيوط» ليثبت أن المواهب لا تختزل فى القاهرة والإسكندرية، وأن الطموح لا تحكمه الجغرافيا، والمدير الفنى للفريق أحمد عبدالمقصود كتب اسمه بحروف من ذهب فى تاريخ النادى؛ إذ حوّل الفريق من مجموعة لاعبين إلى ماكينة تعمل بإيقاع واحد، معتمدًا على خلطة بسيطة لكنها فعالة، عبر الاستقرار فى التشكيلة، والاعتماد على أبناء الصعيد وشبابه، والإيمان بأن الإرادة قادرة على سدّ الفجوة أمام الإمكانات».
«عبدالغنى»، أضاف أن «بترول أسيوط حسم تأهله فى الجولة الثالثة والثلاثين بتعادل أمام المنصورة بهدف لكل منهما خارج الأرض، ليرفع رصيده إلى سبع وخمسين نقطة ويقطع التذكرة الثانية، وسيصبح من الفرق «المتعبة» بالدورى الموسم القادم، لأنه سيخوض مبارياته على ملعبه فى استاد أسيوط، وهذه إشارة تحمل فى طياتها رسالة واضحة، بترول أسيوط جاء للبقاء لا للزيارة العابرة بدورى الأضواء والشهرة، وهذا هو ظهوره الرابع فى تاريخه بالدورى الممتاز، لكنه فى الوقت ذاته الأكثر دلالة، كونه يأتى بعد أطول غياب وأشدّ اختبار».
من جانبه، أوضح أحمد الكأس، مدرب منتخب مصر للناشئين السابق، أن «الحدث الأكثر إثارة فى ثلاثى الصاعدين كان بلا شك قصة أبوقير للأسمدة، هذا النادى الإسكندرانى لم يطأ قط أرض الدورى الممتاز فى تاريخه، حتى هذا اليوم، والمدير الفنى أمير عزمى مجاهد قاد فريقه فى نهائى مشوار مشتعل انتهى بالفوز على فريق راية برباعية نظيفة فى الجولة الأخيرة، ليرتفع رصيد الفريق إلى ثمانٍ وخمسين نقطة، ويحسم المقعد الثالث بفارق ثلاث نقاط عن أقرب المنافسين، غير أن الطريق إلى الصعود لم يكن مفروشًا بالورود؛ إذ دخل أبو قير الجولة الأخيرة فى صراع حسابى محتدم مع لافيينا ومسار وبروكسى، ولم ينهِ الأمر إلا بفوز حاسم أخرج الفريق من دوامة التقديرات والاحتمالات، هكذا وُلد أبوقير للأسمدة من رحم الضغط، وكتب صفحته الأولى فى سجل النخبة».
وقال أحمد سمير فرج، لاعب منتخب مصر الأسبق: لم يكن صعود نادى القناة حدثًا مباغتًا، بل كان النتيجة المنطقية لموسم بدا فيه الفريق من عالم آخر مقارنة بمنافسيه، تربع أبناء الإسماعيلية على عرش الصدارة بفارق شاسع بلغ عشرين نقطة عن أقرب الملاحقين خارج المربع الذهبى، وهو فارق يعكس ليس فقط تفوقًا عارضًا، بل استراتيجية متكاملة قامت على بناء صحيح وإيقاع ثابت لم يتزعزع طوال الموسم، وقد حسم القناة بطاقة التأهل الأولى رسميًا فى أوائل أبريل الماضى، قبل ست جولات كاملة من نهاية المسابقة، بعد الفوز على منافسه مسار بهدفين نظيفين، ليرفع رصيده فى نهاية المطاف إلى خمس وسبعين نقطة فى صدارة الترتيب. أرقامه الموسمية تحكى قصة هيمنة نادرة، الأهم من الأرقام هو الدلالة التاريخية للعودة، فالقناة كان قد غاب عن الدورى الممتاز اثنى عشر عامًا متواصلة، ليعيش سنوات من التيه والانتظار قبل أن يقود المدير الفنى عبدالناصر محمد الفريق فى هذا الموسم نحو استرداد المكانة التى تليق باسمه وتاريخه».
أما أحمد عيد عبدالملك، المدير الفنى لنادى الترسانة، فأشار إلى أنه «لا يمكن قراءة هذا الثلاثى بمعزل عن الظاهرة الأشمل التى تجسدها سيطرة أندية الشركات والقطاع الصناعى على خريطة الصعود، فبترول أسيوط ينتسب إلى قطاع البترول، وأبوقير للأسمدة يحمل اسم إحدى الشركات الصناعية الكبرى، بينما القناة يمثل تاريخًا جماهيريًا عريقًا لمدينة السويس، هذا النموذج ليس جديدًا فى الكرة المصرية، لكنه بات أكثر وضوحًا فى السنوات الأخيرة، فأندية الشركات تتمتع باستقرار مالى وهذه المعادلة الصارمة تفرز تدريجيًا نمطًا جديدًا من الأندية القادرة على بناء مشروعات رياضية مستدامة دون الاعتماد على مزاجية السوق، لكن هذا الواقع يطرح فى الوقت ذاته تساؤلات نقدية مشروعة: هل تهدد هذه المعادلة بعض جمهور الأندية الشعبية، وهل تكفى الإمكانات المالية لصنع قواعد جماهيرية حقيقية فى الدورى الممتاز؟
«عبدالملك»، لفت إلى أن «هناك جانبًا آخر مهمًا لا يمكن تجاهله، وهو طريقة تنظيم المسابقة نفسها، دورى المحترفين، الذى تأهلت منه الفرق الثلاثة المذكورة، يضم ثمانية عشر فريقًا فى مجموعة واحدة، يتأهل من هذه المجموعة ثلاثة فرق، بينما يهبط فريقان فقط، والفكرة فى حد ذاتها جيدة، لأنها تتيح للعديد من الأندية فرصة المنافسة، لكن الإشكالية الحقيقية تظهر حين تجد أندية بإمكانات متفاوتة جدا تتنافس تحت سقف واحد، فليس كل مَن يصعد يملك نفس الأدوات للبقاء، والسؤال الذى يطرح نفسه الآن: هل تستطيع هذه الأندية الثلاثة الصمود فى مواجهة عمالقة الكرة المصرية؟.. التاريخ لا يعطى إجابة مريحة دائمًا، فبترول أسيوط خاض تجربة الدورى الممتاز من قبل ولم ينجُ من الهبوط، لكن فى المقابل، أندية الشركات حين تدخل المنافسة بتخطيط حقيقى وإدارة رشيدة، كثيرا ما تفاجئ الجميع وتفرض نفسها بجدارة، والأمل موجود، شرط أن تكون الإدارة فى مستوى الحلم».
وتابع: على الصعيد الجغرافى، يعيد هذا الثلاثى التوازن النسبى لخريطة الكرة المصرية، فصعود بترول أسيوط يكسر هيمنة الشمال ويدخل الصعيد مرة أخرى فى دائرة النخبة. أما على صعيد التنوع الاقتصادى، فهذه الأندية لا تعبّر عن نفسها فقط بالميزانيات، بل عن فلسفة إدارية مختلفة تعتمد على الانضباط والتخطيط بعيدا عن صفقات اللحظة الأخيرة وتعاقدات البذخ، والأهم من كل ذلك هو ما تعنيه هذه العودة للجماهير المهمّشة، فجمهور القناة فى الإسماعيلية انتظر 12 عامًا، وجمهور بترول أسيوط فى صعيد مصر ظل يحلم ستة عشر عامًا، وجمهور أبوقير يعيش لحظته التاريخية الأولى، هذه ليست مجرد لافتات على نتائج كروية، بل هى قصص بشرية حقيقية تلهب الوجدان الجماهيرى، وتثبت أن للكرة وظيفة اجتماعية لا يمكن لأى عقد أو صفقة استيراد أن يعوض عنها، وبمجرد أن تنقلب صفحة الصعود، ستبدأ المرحلة الأصعب، الدورى الممتاز ليس مجرد منافسة شديدة الصعوبة على أرض الملعب، بل إنه أيضًا يمثل عبئًا ماليًا وإداريًا كبيرًا للغاية خارج أرض الملعب، ومستوى اللاعبين المطلوب، وهل ستبادر إلى التعاقد مع وجوه جديدة دون أن تفقد الفريق توازنه؟
وأكد «عبدالملك» أنه «لم يكن صعود القناة وبترول أسيوط وأبوقير للأسمدة مجرد نتيجة رياضية تُقرأ فى جدول الترتيب، بل كان رسالة مزدوجة للمؤسسة الرياضية المصرية بأن هناك قوة كامنة فى الأطراف لا فى المركز فحسب، وللأندية الكبرى بأن الساحة لن تبقى حكرًا على أصوات معروفة وأسماء متوارثة، والدورى الممتاز المقبل سيكون أكثر تنوعًا وأقل قابلية للتنبؤ، وهذا فى حد ذاته خبر جيد للكرة المصرية فى مرحلة تبحث عن هوية جديدة وطاقة متجددة، والسؤال الذى يظل معلقًا فى الهواء هو: هل يستطيعون البقاء؟.. والإجابة ستُكتب داخل المستطيل الأخضر وحده».