نجح الجدار الحديدي الذي أسس له (جابوتنسكي)فى تحول من حيز للأمان النسبي إلى عقيدة حياة وأزمة وجودية، وأصبح الكيان قلعة معزولة عالميًا وجيتو مسلحًا عسكريًا!
المظلومية الأخلاقية والترويج التاريخي للهولوكست واستثماره عالميًا سقط مع العدوان المستمر على الشعب الفلسطيني الأعزل، فلم يعد اليهودي (داوود) الضعيف في مواجهة (جالوت) العملاق العربي.
بعد أن تحدثنا عن رؤى منظرى انهيار المشروع الصهيونى من داخله ومن خارجه، نتوقف اليوم عند تجذر فكرة (الجدار الحديدي)، أو (سيكولوجية القلعة المحاصرة)، أو ما درجنا على تسميته (الجيتو اليهودي)، وهى فكرة متجذرة فى عقلية الفرد اليهودى أينما حل، وبدلًا من أن تصبح عنصر حماية، تحولت إلى خطر للزوال والفناء السريع، خاصة مع زراعة الكراهية فى كل من سكن حولهم بالعنف والإرهاب المسلح، والاستيطان اليهودى فى فلسطين العربية خير دليل ومثال على ذلك!
هناك مفارقة ساخرة تصل إلى حد المأساة، كما يقول كل من (دويتشر وأرندت)، فالصهيونية الغربية أرادت إخراج اليهود من (الجيتو) فى أوروبا، فأنشأت (جيتو مسلحًا) فى فلسطين العربية، وهنا يأتى (آفى شلايم)، أحد أبرز المؤرخين الجدد الذين ركزوا على السياسة الخارجية والعسكرية، ليقدم لنا إضافة بالغة الأهمية لفهم هذه الديناميكية، حيث يرى أن فكرة (الجدار الحديدي)، التى صاغها (زئيف جابوتنسكي) مؤسس الصهيونية التصحيحية والأب الروحى لليمين الإسرائيلى وأستاذ مناحم بيجن وملهمه، قد تحولت من وسيلة مؤقتة لفرض الوجود بالقوة إلى (عقيدة حياة) دائمة!
كان جابوتنسكى يرى أنه لا يمكن إقناع العرب بقبول الوجود الصهيونى على أرض فلسطين العربية، لذلك يجب بناء (جدار حديدي) من القوة العسكرية حول إسرائيل حتى ييأس العرب ويقبلوا بالأمر الواقع، بوجود إسرائيل قوة عسكرية ذات شأن، ولكن ما حدث كان العكس، إذ تحول هذا الجدار الحديدى إلى استراتيجية دائمة، ثم أصبح هوية لليهودى!
التشخيص الذى يقدمه (شلايم) هو أن المجتمع الصهيونى أصبح عاجزًا عن تخيل أى حل غير القوة العسكرية المفرطة، وهذا فى حد ذاته (انسداد سياسي)، وهو أيضًا (اعتلال وظيفي) خطير يجعل الكيان يفقد القدرة على المناورة الدبلوماسية الحقيقية، وبذلك تحول الكيان إلى (قلعة معزولة عالميًا)، لا تعرف إلا لغة القوة والردع، حتى عندما تتاح فرص السلام، يبدو المجتمع الإسرائيلى وكأنه غير قادر على اقتناصها، لأنه ببساطة أصبح عاجزًا عن التصرف خارج عقلية (الجدار الحديدي)!
وهذا ينسجم مع ما ذكرناه سابقًا باسم (البارانويا الوظيفية)، فهذا المجتمع يعانى من حاجة ماسة للعدو ليظل متماسكًا داخليًا، وبدون خطر وجودى يتهدد الكيان، تطفو تناقضاته الداخلية على السطح، وتهدد بتمزيق النسيج الاجتماعى الهش أصلًا، فالمجتمع الإسرائيلى ليس مجتمعًا متجانسًا على الإطلاق، بل إنه مزيج متفجر من العلمانيين والحريديم، ومن اليهود الشرقيين والغربيين، ومن القادمين من روسيا ومن إثيوبيا، مجتمع غير متجانس، تكمن تناقضاته تحت السطح، وتغفو بفضل الوحدة وقت مواجهة الخطر الخارجى، وهنا تكمن المفارقة القاتلة!
فالسلام الحقيقى يمثل تهديدًا لبنية المجتمع الصهيونى أكثر من الحرب ذاتها، ففى حالة السلام، ومع غياب العدو الخارجى الموحد، ستطفو كل هذه التناقضات الداخلية على السطح، وسيجد المجتمع نفسه مضطرًا لمواجهة أسئلة مؤلمة عن هويته واتجاهاته، هذا ما يجعل من (الجدار الحديدي) ليس فقط حاجة أمنية ملحة دائمًا، بل حاجة نفسية ووجودية أيضًا!
انهيار السوبرمان الأخلاقى، وتفكيك السردية المؤسسة للكيان، وانكشاف حالة الفصام البنيوى، وهذا هو المحور الثالث فى تحليلنا لأسباب الانهيار المرتقب للمشروع الصهيونى، وبالإشارة إلى (كانط ونيتشه) يمكننا أن نرى بؤرة أخرى من بؤر الاعتلال البنيوى العميق للمشروع الصهيونى، فقد بنى شرعيته الدولية ومبرره الأخلاقى على (المظلومية الأخلاقية المطلقة)، وهو ما اصطلح على تسميته (الهولوكوست) أو (المحرقة)، لقد استثمر اليهود بذكاء فى رأسمال رمزى كبير فى صورة اليهودى كضحية أبدية للتاريخ، وصورة إسرائيل كدولة (داوود) الصغير الضعيف الذى يواجه (جالوت) العرب!
واليوم يواجه المجتمع الصهيونى ما يسميه البعض بمصطلح (انفصال السردية)، أو (أزمة الرأسمال الرمزي)، فلم يعد العالم يرى (داوود) البريء الذى يواجه (جالوت) العملاق، بل يرى آلة عسكرية إسرائيلية تكنولوجية متطورة تسحق شعبًا أعزل إلى حد كبير، هذا الانهيار فى رأس المال الرمزى سبب حالة من الهياج والعدوانية المتزايدة تجاه المنظمات الدولية، والمثقفين الكونيين، وكل من يجرؤ على انتقاد إسرائيل، ورأينا فى الآونة الأخيرة كيف استخف (نتنياهو وسموتريتش وبن غفير) وغيرهم بقرارات الأمم المتحدة والمحكمة الجنائية الدولية، وردوا بوقاحة على تصريحات أوروبية، كما فى حالة إسبانيا، أو إقليمية كما فى حالة تركيا، وغيرهما!
وهنا يبرز دور (طلال أسد) عالم الأنثروبولوجيا البارز، ليضيف بعدًا آخر لهذا التشخيص، ويفكك كيف تستخدم إسرائيل خطابها المزيف: (واحة الديمقراطية الوحيدة فى الشرق الأوسط) كقناع لممارسات عنصرية إثنية وعرقية وقومية متطرفة، وهذا التناقض الحاد بين (الديمقراطية الشكلية) و(النظام العنصري)، خلق حالة من الفصام البنيوى فى مؤسسات الكيان، فكيف يمكن لمحكمة العدل العليا فى إسرائيل أن تدافع عن حقوق الإنسان داخل ما يسمى (الخط الأخضر)، وتشرعن فى نفس الوقت مصادرة الأراضى وهدم المنازل فى الضفة الغربية؟!..
كيف يمكن أن يكون الكيان دولة ديمقراطية لليهود، ودولة فصل عنصرى للرعايا الفلسطينيين؟!.. هذا الفصام البنيوى يخلق أزمة هوية وجودية فى العقل القانونى والسياسى الإسرائيلى، ويمتد ليطال الممارسة اليومية للمواطن اليهودى العادى الذى يعيش فى جزيرتين منفصلتين من الوعي: جزيرة الديمقراطية والحرية فى تل أبيب، وجزيرة الاحتلال والقمع فى الضفة الغربية، على بعد أمتار قليلة، هذا الفصام هو عرض كلاسيكى للاعتلال البنيوى!