رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

ليالى الحلمية وذئاب الجبل.. كيف صنعت دراما رمضان تاريخ الفن العربى؟

21-2-2026 | 14:02

ليالى الحلمية وذئاب الجبل.. كيف صنعت دراما رمضان تاريخ الفن العربى؟

طباعة
نانيس جنيدي
فى تمام الثامنة مساءً عقب انطلاق أذان المغرب فى رمضان، كانت الشوارع تخلو من المارة، ويتوقف سير الحياة، وتصمت المقاهى إلا من صوت «تتر» المسلسل الذى يسبح فى البيوت كطقسٍ رمضانى يضاهى أهمية الإفطار والسحور، أو أغانى واستعراضات الفوازير التي كانت الإيقونة التي تجمل المائدة الفنية الرمضانية، لم تكن الشاشات مجرد شاشات مضيئة، بل كانت تنبع منها «حياة مختلفة» قد نفتقدها اليوم فى بعض أعمال العصر السريع.
فى هذا التحقيق، نفتح خزائن الأسرار لأربعة من المسلسلات التى تعد علامة فى تاريخ الدراما المصرية والعربية، ونكشف كواليس التصوير وأبرز المواقف التى شهدها تصويرها ولم يراها الجمهور. «ليالى الحلمية».. صراع العمالقة بين «الباشا» و«العمدة» عندما قرر الكاتب القدير أسامة أنور عكاشة والمخرج إسماعيل عبد الحافظ رصد بعض المراحل التاريخية في مصر من خلال مسلسل «ليالى الحلمية» لم يتوقعا أن العمل سيستمر لـ 5 أجزاء كاملة، أما عن كواليس اختيار الأبطال، فما لا يعرفه الكثيرون أن شخصية «سليم البدرى» كانت معروضة فى البداية على الفنان محمود ياسين، لكنه اعتذر بسبب انشغاله، لتذهب إلى يحيى الفخرانى الذى صنع بها مجداً مختلفاً.. أما «العمدة سليمان غانم»، فقد كان المرشح الأول لها هو الفنان سعيد صالح، لكنه انشغل بالمسرح، فاقتنصها صلاح السعدنى ليقدم دور عمره الذي لا ينساه الجمهور حتي الأن. وعندما نتحدث عن الكواليس يحكى أن «الكيمياء» بين الفخراني والسعدنى كانت فى أعلى درجاتها، لكن أمام الكاميرا كان هناك «مباراة قوية» فى التمثيل. لاسيما وانه فى أحد المشاهد المشهورة التى يتبادل فيها الاثنان المشاحنات، ارتجل صلاح السعدنى جملة «يا بدرى بيه» بطريقة ساخرة، مما جعل الفخرانى يخرج عن النص ويضحك، لكن المخرج قرر إبقاء المشهد لأنه عكس روح «المناقرة» المصرية الحقيقية. فى الأجزاء الأخيرة من المسلسل، كان رحيل بعض الأبطال (مثل صلاح قابيل) يمثل أزمة كبرى لعكاشة، مما اضطره لتغيير مسارات درامية كاملة فى ليلة وضحاها، وكان الاستوديو يتحول إلى «سرادق عزاء» حقيقى، ثم يمسح الممثلون دموعهم ليمثلوا مشاهد الفرح. «رأفت الهجان».. وملابس فترة الستينيات هذا المسلسل لم يكن مجرد عمل درامى، بل كان ملحمة وطنية هزت وجدان العرب.. لكن الطريق إليه لم يكن مفروشاً بالورود مسلسل «رأفت الهجان» كان بمثابة صراع الزعامة حيث تؤكد الكواليس أن الفنان عادل إمام كان هو المرشح الأول لدور «رأفت الهجان»، لكنه انسحب، وذهب الدور إلى محمود عبد العزيز ويقال إن محمود عبد العزيز بكى عندما قرأ السيناريو لأول مرة، حيث شعر بمسئولية ضخمة تجاه هذه الشخصية. وعن أسرار الماكياج والأزياء كان يجلس الساحر محمود عبد العزيز 5 ساعات يومياً مع خبير التجميل ليتحول إلى «ديفيد شارل سمحون»، أما الفنانة يسرا «هيلين»، فقد كانت ملابسها تُصمم بناءً على صور حقيقية من حقبة الستينيات، وكان هناك اهتمام كبير ليظهرالعمل بأقصى درجات الدقة لكن اللحظة المؤثرة واثناء تصوير المشاهد الأخيرة للمسلسل فى « استوديو 10» وبخاصة مشهد الوفاة فى الحلقة الأخيرة، ساد صمت رهيب فى الاستوديو، وبكى محمود عبد العزيز بصدق لدرجة أن المخرج يحيى العلمى لم يستطع قول «ستوب» وظل يراقب الانهيار الإنسانى للنجم الكبير خلف المونيتور. «لن أعيش في جلباب أبى».. عبقرية «عبد الغفورالبرعى» فى عام 1996، قدم الفنان نور الشريف درساً فى التمثيل من خلال شخصية «عبد الغفور البرعى»، وهو المسلسل الذى ميز مائدة رمضان لسنوات طويلة، والذى مازال يتابعه الملايين أمام شاشات التليفزيون حتى الأن، ومن كواليس هذا العمل الهامة رفض الفنان الكبير نور الشريف تماماً أن تقوم إدارة الملابس بالتليفزيون بتفصيل «جلاليب» شخصية عبد الغفور حيث نزل بنفسه مع المخرج أحمد توفيق إلى منطقة «وكالة البلح» واشترى أقمشة قديمة ومستهلكة لتبدو الشخصية واقعية كشخص بدأ من الصفر حتى «الطاقية» التى كان يرتديها، كانت ملكاً لأحد العمال، واشتراها منه نور الشريف ليضفى مصداقية على الدور. أما كواليس «فرح سنية» هذا المشهد الذي يُدرس الآن على «السوشيال ميديا» كأكثر مشهد واقعى، فقد تم تصويره في استوديو داخلى، وطلب المخرج من الفنانات عبلة كامل، منال سلامة، وفاء صادق، ناهد رشدى ألا يمثلن؛ بل أحضر المخرج لهم طعاماً حقيقياً (محشى، ديك رومى) وطلب منهن تناول الطعام كأنهن فى بيتهن، وكانت الفنانة الكبيرة عبلة كامل هى «الدينامو» الذى جعل المشهد يخرج بهذه التلقائية، حيث كانت تخبئ الطعام فى «شنطتها» كما تفعل بعض النساء أحياناً، وهو تصرف ارتجالى منها ومما لا يعرفه البعض أن عبلة كامل التي لعبت دور «الأم» كانت فى الحقيقة تقارب عمر بناتها فى المسلسل، ولكنها كانت تتعامل فى الكواليس كأمهن فعلاً، حيث تطهو لهن أحياناً وتحرص على راحتهن، مما صنع روحاً أسرية انتقلت للشاشة. «ذئاب الجبل»..ومفاجأت غير متوقعة أما مسلسل «ذئاب الجبل» الذى جعل الجميع يغنى «يا بوى يا بوى» مع على الحجار، فقد كان من أكثر المسلسلات التى واجهت صعوبات فى كواليسها، وكان من أبرز كواليسه رحيل الأبطال حيث واجه المسلسل «مشكلة» حقيقية، فقد توفى الفنان الكبير صلاح قابيل بعد تصوير مشاهد قليلة بدور «علوان البكرى»، فتم استبداله بالفنان عبد الله غيث، والمفارقة الحزينة أن الفنان الكبير عبدالله غيث قد توفى هو الآخر قبل استكمال تصوير المشاهد الأخيرة، مما اضطر المخرج مجدى أبو عميرة لتغيير النهاية وحذف المشاهد المتبقية لعلوان البكرى. وفى مكان آخر من المسلسل كان يقضى الفنان الكبير أحمد عبد العزيز بطل العمل من خلال دوره (بدرى بدار) ساعات مع «مصحح لهجة» صعيدى لضبط اللكنة الصعيدية وفى الكواليس، كان أحمد يرفض الخروج من الشخصية حتى فى أوقات الراحة، كان يظل مرتدياً «الجلابية» ويتحدث بالصعيدية مع العمال ليشعر بالاندماج الكامل. وهنا نأتى لسر شخصية «دبور» التى قدمها الفنان الكبير أحمد ماهر وأصبحت أيقونة ففى الكواليس، كان يقال إن أحمد ماهر كان يتدرب على «ضرب النار» واستخدام السلاح لتبدو مشاهد المطاردات فى الجبل حقيقية، رغم أن التصوير كان يتم فى ظروف جوية قاسية جداً. «عمر بن عبد العزيز».. وتصوير في ظروف شاقة فى عام 1994، قدم الفنان الكبير نور الشريف واحداً من أروع أدواره على الإطلاق فى مسلسل «عمر بن عبد العزيز» (خامس الخلفاء الراشدين).. هذا العمل لم يكن مجرد تمثيل، بل كان رحلة روحية لنور الشريف نفسه. حيث نجد أن أبرز كواليس المسلسل كانت مشهد «الوفاة» الشهير فى الحلقة الأخيرة ويقال إن نور الشريف طلب من المخرج أحمد توفيق إخلاء البلاتوه تماماً من أى شخص غير ضرورى.. أثناء تصوير المشهد، واندمج نور لدرجة أن عروق وجهه ظهرت وتغير لونه، وعندما نطق الشهادتين ساد صمت رهيب، وبكى المخرج والمصورون خلف الكاميرات. وكان نور الشريف مهتماً بشكل كبير بصحة اللغة العربية وكان يرفض البدء فى التصوير إذا وجد «فتحة» أو «ضمة» خاطئة فى التشكيل، بل وكان يراجع الحوار مع «مصحح لغوى» لساعات قبل الدخول للتصوير. كذلك نجد أن المسلسل قد صُور فى ظروف شاقة، حيث كانت الملابس ثقيلة جداً ومصنوعة من الصوف والكتان الخام لتناسب العصر القديم، وكان التصوير يتم تحت كشافات إضاءة حارقة، مما كان يسبب حالات إغماء بين البعض لكن نور الشريف كان يرفض خلع ردائه حتى فى أوقات الراحة ليظل محتفظاً بهيبة الشخصية. من هنا نجد أن داخل جدران استوديوهات تصوير الدراما الرمضانية التي عاشت بيننا حتي الأن، كان هناك عرق وتعب ومشادات فنية هدفها الوصول للكمال، ولم يكن هناك «تريند» يقاس عليه النجاح، بل كان النجاح يُقاس بهدوء الشوارع والبيوت وقت العرض، إننا اليوم ونحن نشاهد هذه الروائع للمرة الألف، لا نشاهد تمثيلاً، بل نسترجع «ريحة زمان» فى رمضان.

أخبار الساعة