رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

خيانة المعرفة


21-2-2026 | 13:11

.

طباعة
بقلم: د. مصطفى الضبع

منذ سنوات أُتابع ظاهرة بدأت على استحياء حتى أصبحت بحجم الكارثة (دون محاولة منى لتضخيم الأمر) أعنى مشكلة الجوائز الأدبية وخاصة فى الرواية، لن أقف عند الشلل والتربيطات والتوجيهات وغيرها مما لا ننكره، ولكن لا يمكننا تعميمه على كل الجوائز والمسابقات، فمن المؤكد أن معظم الجوائز نزيهة من هذا الجانب، ولكن ما أعنيه مختلف تماما عن كل ذلك.

 

فى كثير من الجوائز تفوز أعمال يراها البعض غير جديرة بما حصلت عليه، وعندها يميل البعض إلى إلقاء اللوم على الجهة المنظمة بتدخلها فى الجائزة، بالطبع لا أبرئ الجهة المنظمة، ولكن من زاوية أخرى خلاف التدخل، أعنى اختيار لجان التحكيم، ذلك الاختيار الذى بدأ يخضع لمعايير غير منطقية أو غير فنية، يعنينى منها نقطة واحدة أراها الأكثر تأثيرا، ضعف مستوى بعض أعضاء لجان التحكيم.

دون الدخول فى أسباب ضعف مستوى أحدهم فلهذا مجال آخر، فإن ضعف المستوى واضح جدا فيما يكتب الناقد أو الأستاذ، فكيف لا ندرك أن هذا الضعيف فيما يكتب لن يكون قادرا على أن يؤدى عملا تحكيميا أصيلا لافتقاده كثيرا من قدرات المحكم (الذائقة– الخبرة – المسئولية الأدبية- الموضوعية)، قلْ منْ المحكم أقل لك قدراته التحكيمية، والمعرفة هنا ليست مستحيلة يكفى أن تقرأ له مقالة واحدة لتدرك مستواه، فما بالك إن كنت قرأت له عشرات المقالات والبوستات والمؤلفات؟ فكل الأسماء المطروحة على الساحة معروفة ومعروف حجمها وقدراتها وحجم موهبتها فلماذا لا نعترف بذلك؟ ولا نقر بأن الساحة (أعنى ساحة المشاهير وأصحاب الوجوه الإعلامية تعانى من قلة الموهوبين وسطوة المصنوعين صناعة رديئة علميا ومعرفيا).

سأكتفى هنا بالإشارة إلى نوع واحد من المحكمين أعنى القائمين بالتحكيم فى مسابقات فن الرواية على وجه الخصوص.

علينا أولا أن نفرق بين علاقتنا بالشعر وعلاقتنا بالرواية، علاقتنا بالشعر طويلة وممتدة، وبغض النظر عن طريقة تدريسه فى مراحل التعليم المختلفة من المرحلة الأولى حتى المرحلة الجامعية فإن هناك علاقة بشكل ما، فالشعر مطروح على وعينا صغارا وكبارا فى المدرسة وفى الإذاعة وفى الأغانى وفى الندوات والأمسيات والمحاضرات صحيح كلها قد لا تغنى عن الدراسة المنهجية، ولكن قد يمر الأمر، إضافة إلى أن الباحث فى الشعر قد لا يحتاج توسيع دائرة وعيه بالشعر العالمى إضافة لوعيه بالشعر العربي.

خلافا لذلك الرواية تحديدا وليست القصة القصيرة، ففى مجال الرواية لا يمكنك أن تدعى علاقة بالرواية ما لم تكن قد أحطت بالروائية فى دوائرها الثلاثية: المحلية، القومية (العربية)، العالمية، فلا يمكنك أن تكون ذا خبرة سردية وتتشكل لديك ذائقة فى هذا الجانب ما لم تكن قد قرأت ألف ليلة وليلة
أولا، وقرأت الرواية العالمية عند كثير من كتابها المعروفين، وهناك قائمة من الروائيين العالميين، وقائمة من الروايات من العار عليك أن تدعى معرفة بالرواية وأنت لم تمر على جانب من هذه القائمة على أضعف الإيمان.

هنا تكمن أسس المشكلة التى تتجلى فى فريق ممكن لا يملكون أى خبرات بالرواية وسقفهم فيها شديد الانخفاض، مما ينعكس على قدراتهم التحكيمية.

فى البداية كنا نعانى من عضو هيئة تحكيم لا يقرأ (فى واحدة من الجوائز كنت عضوا فى لجنة تضم أستاذا وناقدا معروفا ومن أشهر أساتذة عصره، الحقيقة كانت أمور التحكيم تسير بصورة شديدة الانضباط، كانت الجائزة فى دورتها الأولى وكانت رئيسة اللجنة الأستاذة الجامعية القديرة حريصة كل الحرص على وضع نظام أصيل للجائزة يؤسس لقوانينها الخاصة، وكان الجميع على قدر كبير من المسئولية والمهنية والاحترافية، فقط الأستاذ الجامعى الشهير كانت درجاته للروايات ملفتة للانتباه بصورة مثيرة، ففى الوقت الذى منح فيه أعضاء اللجنة – دون اتفاق منهم وبسرية تامة – بعض الأعمال الروائية درجات عالية جاءت شديدة التقارب، هذه الأعمال نفسها كان الأستاذ الشهير قد منحها صفرا!، بالطبع كان الأمر مثيرا للانتباه، تغيب الأستاذ عن اجتماع اللجنة الأول، رئيسة اللجنة طرحت الأمر متعجبة، ولما كان الأستاذ لم يقدم تقريره النهائى وكان عليها أن تقدم التقرير مستوفيا درجات الجميع، اقترحت عليها أن تسدد درجاته من خلال متوسط درجات الباقين، وافق الجميع على المقترح وأخذت رئيسة اللجنة به، ولكن كان واضحا أن الأستاذ مشكلته تكمن كونه يفتقد واحدا من ثلاثة أو هى معا:

المسئولية الأدبية فلم يقرأ مطلقا.

الذائقة التى تجعله قادرا على التمييز والاكتشاف.

الخبرة بالفن الذى قبِل التحكيم فيه.

الحقيقة المسئولية هنا تقع على جانبين أو هما معا:

الجهة المنظمة لابد أن يكون لديها قدرة فنية على إدراك قيمة المحكم من خلال عمله ومنجزه السابق وليس بناء على مجرد معرفة أحدهم، أو صداقته أو شلته أو منصبه الإدارى حتى.

المحكم نفسه وقدرته على احترام تخصصه، فإن لم يكن تخصصه فليحترم خبراته، فإن لم يكن فليحترم قراءاته ودائرة اطلاعه، أعرف محكمين أتحداهم أن يكون أحدهم قد قرأ رواية واحدة قبل أن يحكم فى مسابقة للرواية، ومحكمين لم يقرأ أحدهم حتى عملا واحدا لنجيب محفوظ، والدائرة تتسع لأمثال هؤلاء ممن لا خبرة ولا ذائقة ولا ضمير علمى تجعله يعتذر عن عمل هو لا يملك أبسط مقوماته من الأساس.

أتعجب كثيرا من جرأة البعض ممن ينشر صورته ضمن لجنة تحكيم للرواية، أو ينشر شهادة مُنحت له نظير تحكيمه فى مسابقة للرواية أو ينشر خبرا عن مشاركته فى تحكيم جائزة للرواية رغم علمى وعلمه أن الرواية لم تكن يوما ضمن اهتماماته ولن أقول لكم عن أصحاب تخصصات الأدب القديم أو البلاغة القديمة أو غيرها من التخصصات البعيدة كل البعد عن الرواية.

 
 

أخبار الساعة