صوته يجعلك تذهب إليه رغمًا عنك، يسلب إرادتك ويجعل قلبك يخفق عند تلاوته لكلام الله (سبحانه وتعالى)، كان خلقه القرآن، وكان عطاؤه القرآن، وكان صوته القرآن. إنه الشيخ محمد صديق المنشاوى الذى وُلد عام 1920 بقرية البواريك بمدينة المنشأة التابعة لمحافظة سوهاج، زحفت إليه الإذاعة زحفا، فهو القارئ الوحيد الذى دخل الإذاعة دون اختبار قبول، وأجمع حينها خبراء لجنة الإذاعة على أن هذا الرجل من العيب أن يُختبر.
نشأ فى أسرة مُحبة للقرآن، وتأثر بوالده كثيرا فى حفظ القرآن، حفظ ربع القرآن فى القاهرة تقريبا عام 1927 مع عمه الشيخ أحمد السيد، كان عمره حينها تقريبا ست سنوات ونصف السنة، ثم رجع المنشأة وحفظ القرآن الكريم كاملا على يد مشايخ مثل محمد النبكى ومحمد أبو العلا، سجل القرآن الكريم كاملاً فى ختمة مرتلة، كما سجل ختمة قرآنية مجودة بالإذاعة المصرية، وله أيضا العديد من التسجيلات فى المسجد الأقصى والكويت وسوريا وليبيا.
قرأ القرآن فى المساجد الرئيسية فى العالم الإسلامى، مثل المسجد الحرام والمسجد النبوى والمسجد الأقصى، وزار عددًا من الدول الإسلامية كالعراق وإندونيسيا وسوريا والكويت وليبيا وفلسطين والمملكة العربية السعودية، وتوفى عام 1996، تاركا خلفه تراثا نحيا على عذوبة صوته إلى الآن.
الشعشاعى
بداية شهرته كانت فى السهرة التى قرأ فيها بالليلة الختامية لمولد الإمام الحسين رضى الله عنه، كانت تحوى أعظم قراء القرن العشرين أمثال الشيخ محمد رفعت والشيخ على محمود، وذاع صيته من هذا المساء، إنه الشيخ عبدالفتاح الشعشاعى الذى وُلد بالمنوفية بقرية شعشاع التى سُميت بهذا الاسم نسبة لجده (شعشاع) عام 1890. ولتفوق الشيخ وتميّز صوته؛ نصحه المشايخ بالسفر للقاهرة للدراسة بين جنبات الأزهر الشريف، وبالفعل التحق شيخنا الكريم بالأزهر الشريف، ودرس فيه على يد الشيخ بيومى والشيخ على سبيع، ومن ثم بدأ يذاع صيته فى القاهرة بين عمالقة تلاوة القرآن الكريم.
قرأ الشعشاعى فى مأتم سعد باشا زغلول وعدلى يكن وعبدالخالق ثروت باشا، والتحق بالإذاعة المصرية، وبهذا أصبح ثانى قارئ بالإذاعة عام 1934، حجّ الشعشاعى بيت الله الحرام، ويعتبر أول شيخ يقرأ بمكبرات صوت فى الحرم والمسجد النبوى الشريف، وعُين قارئا لمسجد السيدة نفيسة ثم السيدة زينب عام 1939. ورحل الشيخ عبدالفتاح الشعشاعى عام 1962، وترك وراءه تراثا من القرآن الكريم يحيا بيننا حتى الآن.
على محمود
حفظ كتاب الله صغيرا، ودرس علومه بإتقان على يد الشيخ أبى هاشم الشبراوى، ثم درس الفقه على يد الشيخ عبدالقادر المازنى، وعلا شأنه بين العامة والخاصة. إنه الشيخ على محمود الذى وُلد عام 1878 بكفر الزغارى بحى الحسين، وأُصيب بحادث أدى إلى فقدان بصره كاملا ولكنه رغم ذلك تحدى نفسه وأصبح بذلك قارئ مسجد الإمام الحسين الأساسي، وحكى عنه أنه كان يؤذن للجمعة فى الحسين كل أسبوع أذانًا على مقام موسيقى لا يكرره إلا بعد سنة وأنشأ مدرسة عريقة فى التلاوة والإنشاد، تتلمذ فيها كل مَن جاءوا بعده من القراء والمنشدين. ذهب شيخنا الجليل إلى جوار الرفيق الأعلى عام 1946 تاركا خلفه تراثا خالدا.
طه الفشنى
يُقال إن صوته كُتم لأسابيع فى القاهرة، ولم ينطلق إلا فى الحرم يؤذن لصلاة العصر، إنه أشهر مَن قرأ سورة الكهف، وطوال سبعين عاما كان قارئا للقرآن الكريم ورائدا للإنشاد الدينى، إنه الشيخ طه الفشنى الذى وُلد بالفشن إحدى مدن محافظة بنى سويف عام 1900م، نشأ فى أحضان أسرة متدينة فألحقه والده بكُتاب القرية، وحفظ به القرآن الكريم وتميز بعذوبة صوته كان محبا للعلم والدراسة فالتحق بمدرسة المعلمين بالمنيا، وحصل فيها على دبلوم المعلمين، ولم يكتفِ بذلك بل ذهب للقاهرة للدراسة فى مدرسة دار العلوم، ولكن ظروف البلد وقتها كانت عائقا أمامه بسبب ظروف ثورة 1919م، فالتحق بالأزهر الشريف للدراسة ثم التحق بالإذاعة المصرية عن طريق المصادفة، حيث كان يحيى إحدى الليالى الرمضانية بالإمام الحسين، واستمع إليه بالمصادفة سعيد لطفى مدير الإذاعة المصرية فى ذلك الوقت، فعرض عليه الالتحاق بها، وبالفعل سرعان ما اجتاز كل الاختبارات وذاع صيته ولمع نجمه، وعندما بدأ البث المباشر للتليفزيون المصرى كان الشيخ الفشنى أول مَن أذاع فيه وهو يتلو بضع آيات من سورة مريم. وبعد حياة حافلة مع القرآن الكريم والإنشاد الدينى رحل الشيخ طه الفشنى عام 1971م، تاركا خلفه كثيرا من التسجيلات القرآنية والإنشاد الديني.
البهتيمى
نشأ بين عائلة حافظة لكتاب الله، فأرسله والداه إلى كُتاب القرية لحفظ القرآن الكريم، وبالفعل أتمّ حفظ القرآن قبل بلوغه سن العاشرة، وكان منذ صغره شغوفا بالأضواء واثقا من نفسه ومتميزا. ويُحكى عنه إنه كان دائما ما يطلب من إمام الجامع أن يؤذن مكانه للصلاة، ولكنه كان يرفض لصغر سنه فأخذ يتلو القرآن بصوت مرتفع حتى ينتبه إليه المصلون، وبسبب صوته المميز؛ التفّ المصلون حوله يتساءلون عنه، وبالفعل استجاب إليه إمام الجامع فجعله يؤذن للصلاة كى يشجعه، إنه الشيخ كامل يوسف البهتيمى الذى وُلد 1922م، بحى بهتيم بشبرا الخيمة، ورغم أنه لم يلتحق بأى معهد من معاهد القرآن ولم يدخل أية مدرسة لتعليم العلوم، لكن بالممارسة والخبرة والاستماع الجيد إلى القراء مثل المشايخ محمد رفعت ومحمد سلامة بزغ نجمه والتحق بالإذاعة المصرية عام 1953، ورحل عام 1969 تاركا قرآنا من نور بصوته المميز.
عبدالعظيم زاهر
نشأ فى أسرة مُحبة للقرآن الكريم؛ فحفظ القرآن فى الكُتاب، وكان عمره لم يتجاوز الثامنة، ثم ذهب إلى القاهرة والتحق بمعهد القراءات، وتعلم على يد الشيخ خليل الجناينى ثم التحق بالإذاعة المصرية، ويُقال إن رجلاً استأجر أرضه، وفى موسم القطن أتلفت دودة القطن الزرع، فسعى المستأجر لبيع جاموسته لسداد ما عليه من ديون، فعرف الشيخ بذلك، فأسقط الدين عن الرجل.
قرأ القرآن الكريم فى مسجد صلاح الدين، وظل به حتى ذهب إلى جوار ربه عام 1971م، وفى عام 1991 منح رئيس الجمهورية اسم الشيخ عبدالعظيم زاهر وسام الجمهورية من الطبقة الأولى فى الاحتفالية التى أُقيمت فى ليلة القدر.