معجبوه
ولا شك فى ذلك فإن معظم تسجيلات الشيخ رفعت التى نسمعها اليوم حفظها لنا معجبوه وعلى رأسهم زكريا باشا مهران، وذلك على اسطوانات شمع قديمة، ومن جمعها وحفظها من الضياع هو مهندس صوت مسيحى كان بالإذاعة اسمه جورج يوسف؛ حيث ساعد ابنه الأصغر حسين رفعت فى استعادة عشرات التسجيلات وإعادة نسخها على اسطوانات حديثة.
افتتاح الإذاعة
هذا هو الشيخ محمد رفعت الذى اجتمع على حبه كل المصريين والأجانب وكانت إذاعات لندن وبرلين تتنافس على جذب المستمعين العرب بإذاعة تسجيلاته, وصار صوته علامة من علامات الجودة الفائقة, وكان افتتح بصوته الإذاعة المصرية فى 31 مايو سنة 1934، وكان قبل ذلك يرفض تسجيل القرآن حتى لا يذاع فى موضع لا يبجل فيه حتى أفتى العلماء بحل تسجيله, إنه «سيد القراء» وأشهرهم ورمز دولة التلاوة المصرية.
لم يكن للشيخ رفعت تسجلات كاملة للقرآن - كما حكت لى حفيدته هناء حسين رفعت - بل كانت متفرقة إما بالمساجد أو فى البيوت وجمعها معجبوه ثم استكمل والدها حسين المهمة سنة 1953، وقد نجحت هذه المهمة فى إنقاذ الكثير من تسجيلات الشيخ القديمة.
ولرداءة بعض التسجيلات قام نقيب القراء السابق الشيخ أبو العينين شعيشع، باستكمال بعض الآيات والحروف الضائعة لتشابه صوته مع صوت الشيخ رفعت، خاصة أنه لحق به وقرأ معه قبل رحيله، وكان الشيخ أبو العينين يقول لى إن «الشيخ رفعت هو جوهرة قراء القرآن فى مصر وهو سيدهم وتاج رءوسهم».
واليوم.. يوجد للشيخ رفعت بالإذاعة 40 تلاوة مدة كل منها 45 دقيقة و60 تلاوة مدة كل منها 30 دقيقة و80 تلاوة مدة كل منها 15 دقيقة و100تلاوة مدة كل منها 10 دقائق و110 تلاوات مدة كل منها خمس دقائق, فضلا عن عشرات الاسطوانات القديمة التى تحوى عشرات التلاوات والتى توجد لدى أحفاده وبحاجة لنقل وإنقاذ لتظهر للنور.
ومما ذكره الصحفى كامل الشناوى فى يومياته عن أسطورة رفعت فى زمانه أن عبد الوهاب اصطحبه معه للاستماع لصوته بمسجد فاضل باشا بالسيدة زينب صباح يوم الجمعه، ومما تندر به الشناوى كعادته: (هل نحن ذاهبون لصلاة الفجر أم الجمعة؟)؛ لأن عبد الوهاب اصطحبه مبكرا جدا كى يحجزا مكانهما قرب دكة الشيخ فى الصف الأول، ثم قال الشناوى بعدها: (ما إن بدأ الشيخ يتلو بصوته حتى شعرت أن كيانى كله اهتز ولم أشعر بنفسى)!.
كان الشيخ رفعت ممن تنبأوا للشيخ مصطفى إسماعيل بالظهور والنجومية حين استمع إليه فى طنطا، وكان الشيخ مصطفى من قرية (ميت غزال) المجاورة لطنطا، وقال لى ابنه عاطف: سألت والدى عن سر عظمة صوت الشيخ رفعت فقال لى (إن استهلاله لا يباريه فيه أحد من القراء).
وقال الشيخ الشعراوى فى وصف صوته: (إنه جمع كل أصوات المقرئين فى صوته، فهو جماع كل مدارس تلاوة القرآن). ووصفه الناقد كمال النجمى بأنه: (أعظم من تغنى بالقرآن), وقال فؤاد حلمى إن صوته قريب من طبقة (الألتو) الأوبرالية, وهذا ليس بغريب عن الشيخ رفعت الذى وجدوا فى مكتبة بيته اسطوانات مشاهير أهل الطرب والموسيقى من مصر والعالم بما فيها اسطوانات بيتهوفن وموزار، وكان بيته بالبغالة بالسيدة زينب مقصدا لكل مشاهير عصره وكانت شهرته تفوق شهرة أهل الطرب، فقد جعل من قراءة القرآن نجومية كما فعل أحمد ندا من قبل.
ولد هذا الصوت العبقرى فى حى المغربلين بالدرب الأحمر بالقاهرة فى 9 مايو سنة 1882 ورحل فى 9 مايو أيضا من سنة 1950 ولقى ربه عن 68 عاما وكان أتم حفظ القرآن قبل العاشرة بكتاب (بشتك) الملحق بمسجد فاضل باشا وكف بصره وعمره عامان.
كان يقول: (إن قارئ القرآن لا يمكن أن يُهان أو يُدان)، وافتتح الإذاعة المصرية بصوته بقراءة قوله تعالى: (إنا فتحنا لك فتحا مبينا) يوم 31 مايو سنة 1934 ثم تنافست إذاعات لندن وباريس وبرلين على إذاعة تسجيلاته لجذب المستمعين العرب إليها.
امتحنه الله عز وجل بحبس صوته لسبع سنوات، إذ كان يقرأ فأصابته ما يشبه (الزغطة) فلم يستطع أن يُكمل التلاوة وبكى، ولزم بيته، واختار بيع أثاثه وقطعة أرض كان يملكها لسد تكاليف العلاج، وألا يأخذ العشرين ألف جنيه التى جمعها له فكرى باشا أباظة لعلاجه من اكتتاب كان دعا إليه على صفحات مجلة (المصور)، ثم قرر له وزير الأوقاف آنذاك الدسوقى باشا أباظة معاشا شهريا بطلب من جموع القراء.
أنجب ثلاثة أولاد هم (محمد وأحمد وحسين) وابنة واحدة هى (بهية) وترك 26 حفيدا.
تقييم أدائه الصوتى
وفى وصف صوته يقول عازف العود نصير شمة: (صوته سر وجوده وهو مزيج لتكنيك شيوخ الطرب، ومغنى الأوبرا، وقراء القرآن، مع سلامة نطق، ووضوح نغم، وفتح ربانى لعقله وقلبه وصوته).
(أتاه الله الفتح الربانى فى التحكم والتلوين فى الأداء وتنغيمه وتفخيمه وهى علم وموهبة ودراسة، كيانه ملائكي، وصوته يُحدث حالة رفعة لمنْ يسمعه، وينفذ إلى الروح، مع تفرده بالتلاوة والتجويد، وما زال صوته يحير العارفين بالمقامات الموسيقية والانتقالات النغمية بكل ما فيه من عمق وجمال وخلود).