رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

خبراء يحددون «التوقيت».. «جيوب المصريين» تنتظر مكاسب «تعافى الاقتصاد»


21-2-2026 | 13:13

.

طباعة
تقرير: محمد زيدان

شهد الاقتصاد المصرى خلال الفترة الماضية، مجموعة من التطورات الإيجابية، التى اعتبرها محللون مؤشرات أولية على الدخول فى مرحلة استقرار نسبى بعد سنوات من الضغوط الحادة، فقد سجل معدل النمو تحسنًا تدريجيًا مدعومًا بانتعاش بعض القطاعات الإنتاجية والخدمية، وفى مقدمتها التصدير والسياحة والصناعات التحويلية، وتكنولوجيا المعلومات، إلى جانب استمرار تنفيذ مشروعات قومية أسهمت فى تنشيط حركة التشغيل والاستثمار.

كما شهدت سوق الصرف حالة من الاستقرار النسبى مقارنة بفترات التقلبات الحادة السابقة، مدعومة بزيادة تدفقات النقد الأجنبى، سواء من تحويلات المصريين بالخارج أو من إيرادات السياحة وقناة السويس، إضافة إلى تحسن مستويات الاحتياطى النقدى لدى البنك المركزى، بما عزز قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها الخارجية وتأمين احتياجاتها من السلع الاستراتيجية.

وفى سياق موازٍ، أظهرت مؤشرات التضخم اتجاهًا نزوليًا تدريجيًا مقارنة بذروته السابقة، ما اعتبره الخبراء خطوة مهمة نحو استعادة التوازن السعرى، خاصة مع تراجع حدة الزيادات المتسارعة التى شهدتها الأسواق فى فترات سابقة، كما سجل عجز الموازنة العامة مسارًا انضباطيًا نسبيًا، مع استمرار جهود ترشيد الإنفاق وتعزيز الإيرادات، وهو ما انعكس على مؤشرات الاستقرار المالى.

وعلى صعيد الاستثمار، عادت تدفقات أجنبية مباشرة إلى بعض القطاعات الحيوية، فى ظل إجراءات تستهدف تحسين مناخ الأعمال وتبسيط الإجراءات، إضافة إلى تحركات حكومية لتعزيز دور القطاع الخاص فى النشاط الاقتصادى، كذلك شهدت بعض القطاعات الصناعية زيادة فى الطاقات الإنتاجية، مدعومة بتوسيع خطوط الإنتاج وإحلال جزء من الواردات بمنتجات محلية.

هذه المؤشرات مجتمعة تعكس تحسن فى أداء الاقتصاد الكلى، وتدعم الحديث عن مرحلة تعافٍ تدريجى بعد ضغوط استثنائية، غير أن السؤال الذى يظل مطروحًا بقوة من قِبل محدودى الدخل: أين هذا التعافى الاقتصادى الذى تتحدث عنه المؤسسات الدولية والمحلية؟ ولماذا لا ينعكس على حياته اليومية.

وفى هذا الإطار، قالت الدكتورة هدى الملاح، مدير عام المركز الدولى للاستشارات الاقتصادية ودراسات الجدوى، عضو هيئة تدريس فى الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحرى: «المشكلة لا تكمن بالضرورة فى صحة الأرقام، بل فى سرعة انعكاسها على الحياة اليومية للمواطن حيث إن المؤشرات الكلية قد تسجل تحسنًا واضحًا، سواء فى معدل النمو أو الاحتياطى النقدى أو تدفقات الاستثمار، لكن هذه المؤشرات بطبيعتها لا تنتقل مباشرة إلى مستوى المعيشة حيث الاقتصاد الكلى يقيس أداء الدولة ككل، لكن المواطن يقيس أداء الاقتصاد من خلال قدرته على شراء احتياجاته، إذا لم يتحسن دخله الحقيقى مقابل الأسعار، فلن يشعر بأى تعافٍ مهما كانت البيانات الرسمية إيجابية.

وأضافت «د. هدى»، أن «المواطن لا يعيش داخل تقارير المؤسسات، بل يعيش فى سوق يومى تتغير أسعاره باستمرار، ما يجعل الإحساس بالتعافى مرتبطًا ارتباطًا مباشرًا بالقوة الشرائية، حيث إن الطبقة المتوسطة هى المقياس الحقيقى لشعور المجتمع بالاستقرار الاقتصادى، وأى ضغوط مستمرة عليها تؤدى إلى تراجع الإحساس العام بالتعافى».

وأوضحت مدير عام المركز الدولى للاستشارات الاقتصادية، أن «هذه الطبقة تحملت العبء الأكبر من الإصلاحات الاقتصادية خلال السنوات الماضية، سواء عبر ارتفاع تكاليف المعيشة أو زيادة الالتزامات الشهرية، حيث إن الطبقة المتوسطة لا تطلب دعمًا مباشرًا، لكنها تحتاج إلى استقرار فى الأسعار وفرص حقيقية لزيادة دخلها، حيث عندما تفقد هذه الطبقة قدرتها على الادخار أو تحسين مستوى معيشتها، يتراجع الإحساس العام بالتحسن لديها، كما أن السبب الرئيسى وراء غياب الإحساس بالتعافى هو استمرار الضغط التضخمى، حتى وإن كان فى اتجاه نزولى نسبيًا».

كما أكدت مدير عام المركز الدولى للاستشارات الاقتصادية، أن «الإصلاحات الاقتصادية بطبيعتها تحتاج إلى وقت حتى تؤتى ثمارها، لكن المشكلة أن المواطن تحمّل آثارها السلبية سريعًا، بينما لم تصل إليه آثارها الإيجابية بعد، حيث إن الإصلاحات الكبرى التى حدثت، مثل تحرير سعر الصرف وإعادة هيكلة الدعم، كان لها أثر مباشر على الأسعار، أما نتائجها الإيجابية، مثل زيادة الاستثمار أو تحسن الإنتاج، فتحتاج إلى وقت أطول حتى تنعكس على السوق».

وأضافت أن «المعادلة الأساسية لأى إحساس بالتعافى تقوم على عنصرين متلازمين، هما زيادة حقيقية فى الدخل، وانخفاض تدريجى ومستقر فى الأسعار، حيث لا يكفى أن نخفض التضخم دون رفع الدخل، ولا أن نزيد الرواتب بينما الأسعار تلتهم الرواتب، المطلوب هو تحقيق توازن سريع بين الاثنين حتى يشعر المواطن بالفرق فى حياته اليومية».

وتابعت: عندما يستقر سعر الغذاء والدواء والمواصلات، يشعر المواطن فورًا بالتحسن، هذه القطاعات الثلاثة تمثل العمود الفقرى للإنفاق اليومى للأسرة، ولا تمسّ فقط الجيب، بل تمس الشعور بالأمان والاستقرار النفسى، أى استقرار فى أسعارها يعنى تهدئة للمخاوف من الغلاء، وتحريرًا لجزء من الدخل يمكن توجيهه لاحتياجات أخرى، مما ينعكس إيجابًا على المزاج العام، ويخلق حالة من الرضا والتفاؤل لدى الناس.

مدير عام المركز الدولى للاستشارات الاقتصادية، لفتت إلى أنه «إذا تركز النمو فى قطاعات رأسمالية لا توفر فرص عمل واسعة؛ فلن يشعر به المواطن العادى، النمو الحقيقى هو الذى يخلق وظائف مستقرة، ويرفع الأجور، ويدعم الطبقة الوسطى، حيث إن تعزيز الإحساس بالتعافى يتطلب مجموعة من الإجراءات المتكاملة، فى مقدمتها ربط زيادات الأجور بمعدلات التضخم الفعلية، بحيث تتحقق زيادة حقيقية فى القدرة الشرائية، وليس مجرد زيادة رقمية»، مشيرة إلى أنه «من المهم أيضًا توسيع مظلة الحماية الاجتماعية بصورة أكثر دقة واستهدافًا، حتى تصل إلى الفئات الأكثر تأثرًا، مع تحفيز القطاعات الإنتاجية التى توفر فرص عمل سريعة».

كذلك، شددت «الملاح»، على ضرورة ضبط الأسواق ومكافحة أى ممارسات احتكارية تحول دون انتقال انخفاض التكلفة إلى المستهلك، موضحة أن «جزءًا من أزمة الإحساس بالتعافى يرتبط بعدم شعور المواطن بانخفاض ملموس فى أسعار السلع الأساسية»، وذلك قبل أن تختتم حديثها بتأكيد أن «معيار النجاح الحقيقى لأى مرحلة اقتصادية ليس فى البيانات المجردة، وإنما فى قدرة المواطن على إدارة دخله دون ضغوط يومية، حتى يتمكن المواطن من التخطيط لشهره بثقة، وأن يشعر بإمكانية الادخار ولو بنسبة بسيطة، وأن ينفق على احتياجات أسرته دون خوف من قفزات سعرية مفاجئة، التحدى الحقيقى أمام صانع القرار هو نقل التعافى من مستوى المؤشر إلى مستوى المعيشة».

بدوره، أكد الدكتور وليد عادل، الخبير الاقتصادى، أن «الإحساس بالتعافى لا يرتبط فقط بتحسن المؤشرات العامة، وإنما بمدى انعكاس هذا التحسن على «الدخل الحقيقى»، للمواطن، حيث هناك فرق جوهرى بين تحسن المؤشرات المالية للدولة، وبين تحسن الوضع الاقتصادى للأسرة، قد تحقق الدولة استقرارًا فى سعر الصرف أو زيادة فى الاحتياطى النقدى، لكن إذا لم يشعر المواطن بأن دخله أصبح يكفى احتياجاته الأساسية دون ضغط، فلن يقتنع بوجود تعافٍ».

وأوضح «د. وليد»، أن «أحد التحديات الرئيسية يتمثل فى ما وصفه بـ«الأثر المتأخر للنمو»، حيث تبدأ نتائج التعافى عادة فى القطاعات الكبرى، مثل البنوك أو الطاقة أو الاستثمار، ثم تنتقل تدريجيًا إلى سوق العمل والأجور، وهو ما يستغرق وقتًا طويلاً، حيث إن النمو يحتاج إلى أن يتحول إلى وظائف، والوظائف تحتاج إلى أن تتحول إلى دخل أعلى، والدخل الأعلى يجب أن يسبق التضخم أو يوازيه، وإذا اختلت هذه الحلقة؛ ضاعت ثمرة التعافى».

ودعا الخبير الاقتصادى، إلى التركيز على القطاعات كثيفة العمالة، مثل الصناعة الصغيرة والزراعة والخدمات المحلية، باعتبارها الأسرع فى خلق فرص عمل وتحقيق تأثير مباشر على الدخل، حيث إن الرهان الحقيقى ليس فقط جذب استثمارات كبرى، وإنما على دعم الاقتصاد الإنتاجى المحلى الذى يوفر فرص عمل مستدامة، لأن المواطن يشعر بالتعافى عندما يجد فرصة عمل مستقرة أو زيادة حقيقية فى أجره، على حد قوله. 

 

أخبار الساعة