نحتاج أن نقول بوضوح: القداسة فى الإسلام لا تلغى الإنسانية، بل تُهذبها، وخديجة رضى الله عنها لم تكن امرأة مثالية بلا مشاعر، بل امرأة إنسانية عظيمة أحسنت الحب، والرعاية، والاحتواء.. فاستحقت أن تكون أمًّا للمؤمنين.
ومن هنا فإننا لا يمكننا مقاربة شخصية السيدة خديجة بنت خويلد رضى الله عنها مقاربةً علميةً منضبطة دون استحضار بعدها الإنسانى العميق، بوصفه عنصرًا مؤسِّسًا فى نشأة البيت النبوى، وفى استقرار الدعوة فى مرحلتها المكية الأولى.
فإنسانية أمنا خديجة لم تكن سلوكًا عاطفيًّا عابرًا، بل ممارسة واعية تجلّت فى ثلاثة مسارات متكاملة: الدعم النفسى للزوج النبى ﷺ، والرعاية الأسرية لعلى بن أبي طالب، والاحتضان الإنسانى لزيد بن حارثة رضى الله عنهما.
أولًا: إنسانية خديجة فى الدعم النفسى للنبى ﷺ: أجمع أهل السيرة على أن أول موقف إنسانى مفصلى بعد نزول الوحى كان موقف السيدة خديجة رضى الله عنها من النبى ﷺ، حين عاد من غار حراء خائفًا مضطربًا.
فلم تواجه خوفه بالإنكار، ولم تحاصره بالأسئلة، بل مارست ما يمكن تسميته بـالاحتواء النفسى الواعى، حين قالت: «كلا، أبشر، فو الله لا يخزيك الله أبدًا».
وقد بنت طمأنتها على قراءة دقيقة لشخصية النبى ﷺ وسيرته الأخلاقية، فربطت بين الرسالة والخلق، وبين الاصطفاء والاستقامة.
وهذا الموقف، كما يقرر الدارسون، يمثل نموذجًا مبكرًا للدعم النفسى داخل الأسرة، ويكشف أن خديجة لم تكن مجرد زوجة مؤمنة، بل شريكة فى تثبيت الرسالة نفسيًّا قبل أن تُبلَّغ للعالم.
ثانيًا: إنسانيتها فى تحمّل المسئولية الأسرية والتربوية: لم تقف إنسانية خديجة رضى الله عنها عند حدود العلاقة الزوجية، بل امتدت إلى تحمّل مسئولية رعاية الأطفال والشباب الذين عاشوا فى بيت النبوة، وفى مقدمتهم علي بن أبي طالب وزيد بن حارثة رضى الله عنهما.
علي بن أبي طالب رضى الله عنه: انتقل وهو طفل صغير إلى بيت النبى ﷺ فى سياق اجتماعى واقتصادى صعب، فكان بيت خديجة هو البيئة التى نشأ فيها، وتكوّنت فيها ملامح شخصيته الأولى.
وزيد بن حارثة رضى الله عنه: أيضا عاش فى هذا البيت فى إطار إنسانى راقٍ، تحوّلت فيه العلاقة من وضعية الرق الجاهلى إلى الانتماء الأسرى، حتى اختار البقاء فى هذا البيت حين خُيِّر بينه وبين أهله، وهو اختيار لا يُفسَّر إلا بوجود بيئة قائمة على الكرامة والرحمة، وهكذا يظهر أن بيت خديجة رضى الله عنها لم يكن بيتًا مغلقًا على النسب، بل بيت مفتوح للرعاية والاحتواء الاجتماعى.
ثالثًا: علي بن أبي طالب رضى الله عنه في بيت خديجة: فقد أخرج الحاكم فى المستدرك على الصحيحين، أن قريشًا أصابتها أزمة شديدة، وكان أبو طالب كثير العيال، فاقترح النبي ﷺ – قبل البعثة – تخفيف العبء عنه بأخذ بعض أبنائه وكفالتهم.
وجاء في الرواية: «فأخذ رسول الله ﷺ عليًّا فضمَّه إليه… فلم يزل عليٌّ مع رسول الله ﷺ حتى بعثه الله نبيًّا فاتبعه وصدّقه»، وقد أجمع عدد كبير من المؤرخين، منهم البلاذرى، والطبرى، وابن إسحاق، والواحدى، والثعلبى، وابن أبي الحديد، على أن هذا الحدث وقع قبل البعثة، وأن عليًّا كان حينها ابن ست سنين.
وإذا قمنا بعمل حساب زمنى لإقامة علي فى بيت خديجة نجد أن عليًّا رضى الله عنه انتقل إلى بيت النبي ﷺ فى سن السادسة.
وأسلم فى سن العاشرة، وهو أول من أسلم من الصبيان، وبقي فى بيت النبى ﷺ بعد البعثة، وكانت وفاة السيدة خديجة فى السنة العاشرة من البعثة، وعليه فإن عليًّا رضى الله عنه يكون قد قضى أربع سنوات قبل البعثة فى بيت النبي ﷺ وخديجة.
وعاش سنوات التكوين الإيمانى الأولى بعد البعثة فى هذا البيت نفسه، مع أبنائها وبناتها كفرد وكابن وهو ما يعنى أن جزءًا كبيرًا من طفولته ووعيه الأخلاقى تشكّل في كنف السيدة خديجة رضى الله عنها.
فقد كانت له أمًّا تربوية بالمعنى العملى وشريكة فى صناعة جيل الصحابة ومؤسسة لبيت قيمى سبق التشريع المنظّم للأسرة فى الإسلام.
وعليه، فإن إنسانية خديجة رضى الله عنها لم تكن هامشًا فى السيرة، بل عنصر بنيوى فى بناء الإنسان المسلم الأول، وقدمت معنى عمليا للقداسة فى الإسلام والتى لا تلغى الإنسانية بل تهذبها، لقد قدمت نموذجًا لامرأة إنسانية عظيمة أحسنت الحب والرعاية والاحتواء فاستحقت أن تكون أما للمؤمنين.