رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

مصطفى إسماعيل «قارئ الملوك»


21-2-2026 | 13:10

.

طباعة
تقرير- صلاح البيلى:

قرأ لأكثر من ستين سنة متواصلة، وتسجيلاته الخارجية أكثر من ألفى ساعة على الهواء مباشرة.. اصطحبه الرئيس الراحل محمد أنور السادات معه فى زيارته للقدس، وكان يعشق صوته ويقلده ونفذ وصيته بدفنه فى بيته.. كان أنيقًا ونزيهًا.. سكن فى الزمالك واقتنى سيارة حديثة وبيانو للعزف عليه، ولو كان تم حفظ تسجيلاته كلها لبلغت خمسين ألف ساعة، فقد كان يقرأ حتى الفجر يوميًا

بداية.. هناك أكثر من سبب لعظمة الشيخ مصطفى إسماعيل، أولها: أنه لم يقلد أحدًا، وثانيًا: أن الله أعطاه صوتًا معبرًا غنيًا، به كل العناصر الفنية. ثالثًا: أنه كان فنانًا بطبيعته ومنذ أن سيطر على القراءة فى طنطا، قبل أن يأتى للقاهرة، لم يجد حُساده فيه خطأ فقالوا عنه إنه يتغنى ويرقص بالقرآن الكريم، وهو تمكن من علم القراءات، وصوته كان قويا ويساعده فى الأداء فكان يتجلى ويبدع فقالوا إنه يغنى، رابعًا: لم يترك مقاما موسيقيا إلا وقال منه وقرأ، لدرجة أن أم كلثوم عندما التقته قالت له إن «صوتك تخت موسيقى كامل»، بعكس الشيخ رفعت كان يجيد فى مقامى (الرصد والسيكا)، وعندما مات أُقيم له سرادق عزاء فخم بتكلفة 3600 جنيه آنذاك فى مسجد (عمر مكرم) بميدان التحرير سنة 1978 والسنباطى وهو يرتدى جلبابا وطاقية بيضاء ويجلس فى صمت، وقال لابنه: «إننى لم أخرج من بيتى فى مصر الجديدة منذ سبع سنوات إلا الآن بسبب أبيك، لأن كل مَن فتحوا حناجرهم من قراء ومطربين لا يقدرون على أن يعملوا العقلة الصغيرة فى صباع يده الشمال، لقد سمع كل القراء وتمكن من كل القراءات ثم أبدع هو قراءته الخاصة».

كان الشيخ مصطفى يحب صوت الشيخ رفعت، ويضعه فى المقدمة، وقال إن «الدخول الخاص به لا يقدر قارئ على الإتيان به، وصوته ربانى وكله أدب وخشوع وهو يجيد فى كل المقامات ولكن الإجادة الكاملة فى مقامى (الرصد والسيكا) وتكوينه غير التقليدى فى شخصيته كتب له الخلود»، كما أحب صوت الشيخ الشعشاعى مع أن صوته خشن.

قرأ الشيخ مصطفى فى المسجد الأحمدى بطنطا، ثم قرأ فى ذكرى سعد باشا زغلول والقصبى باشا، وقرأ أمام الشيخ رفعت وتنبأ له بالتفوق ثم طلبته الخاصة الملكية فى الأربعينيات، فقرأ فى قصر عابدين وقصر رأس التين للملك فاروق، وقرأ فى احتفالات الثورة ومنحه الرئيس عبدالناصر وسام الجمهورية فى (عيد العلم) سنة 1959 فى نفس الحفل الذى كرم فيه د. طه حسين وفكرى أباظة وأم كلثوم وعبدالوهاب. أما علاقته بالسادات، فتحتاج لمقال وحدها، لأنه كان يحبه ويقلد صوته واصطحبه معه فى رحلته للقدس الشريف فقرأ أبى بالمسجد الأقصى صباح يوم عيد الأضحى بحضور السادات، ولما مات وكان أوصى أن يُدفن فى حديقة بيته فى قريته (ميت غزال) القريبة من طنطا، فذهب شقيقه للسادات فى (ميت أبو الكوم) واستأذنه فى تنفيذ وصيته، فأمر السادات بتنفيذها على الفور.

ترك الشيخ مصطفى نحو 300 ساعة تسجيلات خارجية بالسمّيعة وإعجابهم لأن الشيخ كان يتألق فى الحفلات الخارجية بعكس ستديو الإذاعة حيث يجلس الشيخ ليقرأ 45 دقيقة دون تواصل مع الجمهور، لذلك كان لا يحب القراءة فى الاستديو. والذى لا يعرفه البعض أن أم كلثوم خلدتها حفلاتها الخارجية وليست تسجيلات الإذاعة، لأن تفاعل الجمهور السميع فى الحفلات يدفع القارئ أو المطرب للتجويد، وكان يقول: (القرآن أنزل للناس وأحب أن أقرأ للناس وليس فى ستديو والمخرج يقول لى: ستاند باى 321 ابدأ)، وقد شهد له عمار الشريعى بأنه لا يوجد قارئ يمتلك الإمكانات التى يمتلكها. وسجل القرآن المجود والمرتل كاملاً، ومجموع تسجيلاته الخارجية تربو على 2000 ساعة على الهواء مباشرة، وظل يقرأ لأكثر من ستين سنة حتى يوم 22 ديسمبر 1978، وكان يقرأ فى جامع البحر بدمياط بحضور الرئيس السادات ورحل بعدها بثلاثة أيام. ولو أنه تم تسجيل كل حفلاته لبلغت خمسين ألف ساعة؛ إذ كان يقرأ يوميا فى الليالى حتى الفجر وكان التليفون بجوار مخدته ويرد على الجميع ولا يخذل أحدا ولا يرد دعوة للقراءة وكثير من السور سجلها أكثر من مرة، مثل (يوسف والكهف ومريم وهود وفاطر والفرقان والحجرات وق والذاريات والنجم والقمر والرحمن والتحريم والحاقة وآل عمران والنساء والمائدة وإبراهيم، وقصار السور).

قال عنه الخبير الموسيقى، الدكتور فرج العنترى: إنه «سيد التلوين النغمى فى عصر الراديو»، وقال خيرى شلبى: إنه أعظم مَن تلا القرأن كما يحب وكما يحلم، وقال الكاتب المسيحى لويس جريس: إنه صنع نهضة التلاوة فى القرن العشرين.

لم يجلس فى رمضان منذ اشتهر وهو فى طنطا ولم يأتِ للقاهرة؛ إذ كان محجوزا عند فؤاد باشا سراج الدين فى بلدته (كفر الجرايدة) بكفر الشيخ لمدة عشر سنوات بقيمة 300 جنيه لشهر رمضان كاملا، فى وقت كان الفدان بسبعين جنيها، ثم طلبته الخاصة الملكية، فنزل ضيفا على الملك فاروق فى فندق (شبرد) لمدة تسع سنوات.

وُلد مصطفى إسماعيل فى 20 يونيو 1905، وتزوج من (فاطمة محمد عمر) وهى من دمياط سنة 1931 وأنجب 3 ذكور و3 بنات، وكان أنيقًا يحب أطيب الطعام، ويرتدى أحسن الثياب، وكان يفصل ملابسه الأسطى (فتوح) أشهر ترزى جلباب بلدى فى القاهرة آنذاك، وسكن فى الزمالك، واشترى أول سيارة سنة 1941، وكان عنده بيانو يعزف عليه ويحب صوت عبدالوهاب وأم كلثوم وكان حازما جدا فى البيت، وضرب ابنه مرة لأنه أطل من النافذة على بنت الجيران. وكان يشغله أن يحصل أولاده على أرقى الشهادات العلمية التى لم يُتح له أن يحصل عليها لذلك أدخل بناته (الأمريكان كوليدج) فى الزمالك. وكان أول أجر له خمسين قرشًا فى طنطا ثم وصل أجره لألف جنيه فى الليلة قبل رحيله، وكان ينفق بسخاء وزار ابنه الأكبر عاطف فى (هايدلبرج) بألمانيا أربع مرات، حيث عاش وشاهد زوجته الألمانية وأثنى عليها، ومنعه أن يجبرها على الإسلام حتى أسلمت طواعية، كان عقله كبيرا وعصريا، واشترى فيلّا بالإسكندرية للمصيف.

أخبار الساعة