تعرفت على الدكتور أحمد مجدى حجازى الباحث والعالم والأستاذ الجامعى خلال زياراتى للمركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية الذى تديره الدكتورة هالة رمضان بكفاءة نادرة، وكلما التقينا أهدانى كتاباً من كتبه لدرجة أننى أصبح لدىّ جزء خاص فى مكتبتى فيه مؤلفاته وهى كثيرة ومتنوعة وممتازة.
وفى هذا كتابه «إشكاليات الثقافة والمثقف فى عصر العولمة» يطرح أسئلة مهمة: إلى متى يظل الجزء الجنوبى من القرية الكونية خاضعة لتيارات ثقافية عاتية قادمة من دول الشمال؟ وإلى متى ستظل ثقافة الدول الأقل تطوراً أسيرة لثقافة السوق المعولم، التى تعمل فى صالح الداعين والمروّجين بل والمخططين لها؟.
لماذا تتحول ثقافة الشمال إلى تيارات كاسحة تخترق عقول البشر؟ ولماذا أصبحت مُركَّزة فى قُطبٍ دون غيره؟ قطب استطاع بما يملك من قوة متعددة الأبعاد وتكنولوجيا دقيقة أن يُخضع عقول البشر ويجبرهم على تبنى ثقافته، والدفاع عنها ضد معارضيها، لقد تمكن هذا القطب بالتعامل مع تجار المعلوماتية والقائمين على شئون الإعلام من السيطرة على شعوب العالم وتحقيق أرباح طائلة تحت دعاوى العولمة، فى محاولة لخلق ظروف تشكيل مواطن كونى مستكين غير فاعلٍ فى التاريخ.
إن السؤال المهم الذى يطرحه الدكتور أحمد مجدى حجازى فى كتابه الخطير والمهم هو: كيف يمكن دعم قدرات الإنسان فى بلادنا؟ وما آليات تحويله إلى خلية منتجة؟ أو إلى فاعل فى كتلة تاريخية متحركة تواجه تحدى الاختراق الثقافى والزخم المعرفى والمعلوماتى فى سبيل تأصيل ذاكرته التاريخية وترسيخ هويته الأصيلة؟.
إن ما يقوله الدكتور أحمد مجدى حجازى وبعض ما جاء فى كتابه الذى يضم مجموعة متميزة من الدراسات والبحوث، التى تجمع بين الخبرة النظرية والتطبيق العلمى الأكاديمي، فتثير قضايا وإشكاليات وتطرح إجابات عن تساؤلات مُثارة فى الفكر العالمي.
ويهدى الدكتور كتابه إلى منْ أضفى على جامعة القاهرة صفاء الود وحب الحياة، وإلى منْ تطبع فى النفوس من هيئة التدريس فلسفة الزمن الجميل للأستاذ نجيب الهلالى جوهر أهدى هذا العمل المتواضع على شرف الانتماء إليه.
ويبدأ كتابه بذكر أن أخطر ما فى العولمة من تحديات عندما تُصبح الفوضى ثقافة عامة ونظاما معترفا به فى ظل مناخ الاختراق الثقافى لشعوب الجنوب. لذلك فهو يحاول فى هذا العمل أن يقدم للقارئ العربى بعض الدراسات النقدية التى رغم تنوع موضوعاتها وتعدد قضاياها، إلا أنها تتمحور حول مسألة الهوية والخصوصية الثقافية فى المجتمع العربى الراهن فى ظل اكتساح تيار العولمة.
وقد انطلق فى كتابه هذا من تحليلٍ يستند إلى سوسيولوجيا الثقافة واجتماع المعرفة بهدف إلقاء الضوء على جوانب العولمة وأبعادها وتجلياتها وتأثيراتها على الخريطة الثقافية والاجتماعية للشعب العربى كله. ويتضح من خلال العرض وتلك الدراسات مأزق الثقافة العربية الراهنة ومأزق المثقف العربى فى الوطن العربى الآن.
إن المؤلف يطرح قضيته على أمل أن يشاركه القارئ التفكير فيها والبحث عن حلولٍ لها. ومن المؤكد أن القارئ هو المثقف العربى الراهن. إنه يحدد آليات الأزمة الراهنة. وأولها العجز المزمن فى ميزان المدفوعات الذى يقدر بسبعة مليارات دولارات. ثم ضعف التصدير السلعى وهو ما لا يتناسب مع القدرات الإنتاجية للاقتصاد المصري. ورصيد رأس المال البشري.
فى نفس الوقت توجد حالة تدفق غير عادية للواردات السلعية، التى تقدر بحوالى 12 مليار دولار فى السنة. وأيضاً التراجع فى حجم الصادرات البترولية من حيث الكم والقيمة.
يكتب المؤلف فى كتابه: إن المدخل الحقيقى لفهم صناعة ثقافة الاستهلاك وحرفية هذه الصناعة وآلياتها الترويجية يحتم علينا تحليل الأبعاد والعوالم المتداخلة بين الداخل والخارج، بين الثقيل والسيطرة، بين الثقافة الجماهيرية وثقافة النخبة فى ظل العلاقات الدولة وخاصة أبعادها التجارية.
الإشكالية المطروحة ليست قائمة بنفس الصورة فى كافة الدول، حيث قد تختفى فى بعض الدول المتقدمة بسبب قدرتها على المنافسة والامتلاك والسيطرة على الأسواق، وإمكانياتها العظمى فى صياغة ثقافة الاستهلاك وتشكيل شخصية المستهلك وفقاً للسلع المعروضة.
لقد صارت الإشكالية التى تعانى منها الدول والشعوب التى تخترقها تلك الثقافة فى ظل غياب الإنتاج الوطنى وتدهور القدرات البشرية ومحور التنمية ووسيلتها. لذلك لابد من وقف هذه الأمور بسبب تأثيراتها على المواطن العادي.
إن المؤلف يعتمد تعريفا للعولمة لمفكر غربى هو جان زيجلر، والتعريف يقول إن العولمة هى توحيد مصطنع للعالم. وهذا وحده يكفى لكى يصبح الإنسان العادى ضد هذه العولمة وكل ما يمكن أن ينتج عنها. ورغم أن العولمة تعتبر كلمة جديدة، إلا أن أخطارها على العالم الثالث ونحن جزء منه أكثر من أن يُحصيها العد.