تسعى مصر إلى تحقيق صادرات تمور تصل قيمتها إلى 500 مليون دولار بحلول عام 2029، بعد أن سجلت طفرة ملحوظة فى إنتاج وتغليف التمور المصرية خلال الفترة الأخيرة، لتحتل المركز الأول عالميًا فى إنتاج التمور بنسبة 20 فى المائة من الإنتاج العالمى، والمركز الخامس على صعيد التصدير، وتمتلك مصر نحو 24 مليون نخلة وتصدر حوالى 88 ألف طن من أرقى وأفضل أصناف التمور حول العالم.
وفى هذا السياق، أوضح الدكتور عبدالرحمن متولى، مدير المعمل المركزى لبحوث النخيل بوزارة الزراعة، أن مصر تمتلك 24 مليون نخلة، تمثل نحو 20 فى المائة من الإنتاج العالمى للتمور، ما جعلها تحتل المركز الأول عالميًا فى الإنتاج وأغلبها من الأصناف العربية الفاخرة، مع تصدير نحو 88 ألف طن سنويًا أغلبها من صنف المجدول وأصناف أخرى، ما رفع تصنيف مصر فى التصدير من المركز العاشر إلى الخامس بعد السعودية مباشرة، مشيرا إلى مشاركة مصر مع منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) فى تطوير إنتاج وتغليف التمور، بهدف تحسين الجودة وزيادة حجم الصادرات إلى 250 مليون دولار خلال خمس سنوات، ووصولها إلى 500 مليون دولار بحلول نهاية 2029.
وأضاف «متولى» أن مصر شاركت مع منظمة (الفاو) فى مبادرة «بلد واحد منتج واحد» لتطوير صناعة التمور على المستويات الزراعية والصناعية والتصديرية، ما أسهم فى رفع الإنتاجية إلى 88 ألف طن سنويًا، وإنشاء 142 منشأة للتعبئة والتغليف، بالإضافة إلى دعم صغار المزارعين لتعزيز زراعة النخيل وتقليل الفاقد فى الإنتاج، مبينا أن زراعة النخيل تمتد فى جميع المناطق المناخية بمصر، فجنوب البلاد تزرع فيه الأصناف الجافة والنصف جافة العربية التى تحتاج حرارة مرتفعة متوفرة طوال العام، بينما وسط مصر تزرع فيه الأصناف الرطبة والنصف جافة مثل البرحى والمجدول، وفى الشمال تتركز زراعة الأصناف الرطبة وعلى رأسها البرحى.
وبين «متولى» أن مصر تتمتع بميزة نسبية فى إنتاج التمور جنوب البلاد مقارنة بالوسط والشمال، إذ يكون حصاد المنطقة الجنوبية مبكرًا فى أغسطس، بينما تنتج مناطق الشمال مثل الإسكندرية وإدكو ورشيد من أكتوبر حتى نوفمبر ما ينعكس على التسعير، حيث يبدأ فرق السعر من أعلى قيمة فى الوجه القبلى وينتهى بأعلى قيمة فى الوجه البحرى، أما وسط مصر فينتج صنف المجدول الأعلى قيمة فى تصديره عالميا، حيث تمتاز الأراضى الصحراوية من الفرافرة وحتى وادى النطرون بدرجات حرارة مرتفعة ليلا، ما يحول أنزيمات التمر أثناء النضج إلى سكريات طبيعية.
وقال إن زراعة التمور مناسبة للأراضى الصحراوية الواسعة المخصصة للاستصلاح الزراعي، إذ يتحمل النخيل التباين الكبير فى درجات الحرارة التى قد تصل إلى 50 درجة مئوية، كما يتحمل درجات منخفضة جدًا حتى الصقيع دون أن تتضرر سوى أوراقه، كما أن النخيل قادر على النمو فى الأراضى عالية الملوحة رغم انخفاض الإنتاجية، والانكسار الحرارى يقلل الانبعاثات الكربونية والاحتباس الحرارى، مما يحسن الظروف المناخية ويتيح إمكانية التوسع فى الزراعة وزيادة الرطوبة فى هذه المناطق.
وبالنسبة للمستهدف زراعته للتصدير، أوضح الدكتور عبدالرحمن أن مصر استقدمت نحو 44 صنفا عربيا للتمور، منها 24 صنفا ذات شهرة عالمية فى التصدير، بينما تم استقدام البقية للاستفادة من الصفات الوراثية والتباين وإجراء قياسات لتحسين الجودة مقارنة بمصادرها الأصلية، والأصناف المزروعة تشمل معظم الأنواع العربية الشهيرة وكذلك من شمال إفريقيا والجزائر وتونس، مثل البرحى والمجدول والسكرى والصقعى والمبروم ودجلة نور، وهى أصناف مرغوبة عالميًا وتتمتع بسمعة قوية فى الأسواق الدولية.
وعن زيادة صادرات التمور، قال عبدالرحمن إن اختلاف استهلاك الدول المستوردة يتطلب دراسة الأسواق واحتياجات المستهلك، فالدول العربية تستهلك كميات كبيرة ويبدأ التغليف من 1 إلى 5 كيلو جرامات، بينما أوروبا تبدأ بالجرامات، أما آسيا فتصل الكمية إلى ربع أو نصف كيلو، والإقبال الأوروبى والآسيوى على منتجات التمور عالية القيمة الغذائية مثل التمور المغلفة بالشوكولاتة أو المحشوة بالمكسرات ومضادات الأكسدة يتيح لمصر تحقيق هوامش ربح مرتفعة من تصنيع هذه المنتجات محليا.
ونوه «عبدالرحمن» إلى أن النخيل لا يقتصر إنتاجه على التمور فقط بل يشمل الأخشاب وصناعة الورق، كما يمكن إنتاج منتجات غير ثمرية تدخل فى صناعات أخرى، فيما تستغل مخلفات مصانع التعبئة والتغليف فى إنتاج أعلاف غير تقليدية مما يقلل من فاتورة استهلاك الأعلاف، وعلى صعيد الثمار فيتم إنتاج مجموعة متنوعة من المنتجات المضافة مثل التمور بالمكسرات، والتمور المغلفة بالشوكولاتة، والتمور المحلاة كبديل للسكر، ما يرفع هوامش الربح ويحقق مكاسب مرتفعة، كما يمكن استغلال الفلوريد والسليلوز فى الأغذية لتعزيز مناعة الأطفال وزيادة معدلات التغذية.
وأضاف أن التميز المصرى فى تصدير التمور يعود لجودة الأيدى العاملة المصرية التى تتميز بالكفاءة وقلة التكلفة مقارنة بالدول العربية التى تستقدم عمالة من الخارج، فنجاح التمور المصرية يعود لعدة عوامل منها المناخ المصرى المعتدل الذى يحمى ثمار التمور من الجفاف، والقرب من الأسواق الأوروبية والآسيوية والإفريقية، إضافة إلى تجربة السائح الأجنبى لشراء التمور فى مناطق مثل سيوة وأسوان، وأخيرًا المشاركة فى المعارض العالمية لتعريف الأسواق الدولية بالتمور المصرية، حتى وإن لم يتم التصدير مباشرة.
من جانبه، قال الدكتور صلاح عبدالعزيز، الباحث بمركز البحوث الزراعية بوزارة الزراعة: «إن مصر تسعى لتتصدر المركز الأول فى مجال تصدير التمور، ولهذا يتم محاولة إدخال أصناف جديدة من التمور عليها إقبال عالمى وذات جودة عالمية، فصنف المجدول المصرى حقق نجاحًا كبيرًا فى الأسواق العالمية، لأنه يمتلك جودة عالمية مقارنة بالمجدول الذى يزرع فى الوطن العربى، ولهذا ارتفعت معدلات الطلب عليه فى الاستيراد من الدول الخارجية، ويزرع صنف المجدول فى مصر بدءا من المنيا حتى أسوان بسبب درجة الحرارة المرتفعة ورطوبة الجو، ولا يصلح زراعته فى الوجه البحرى أو فى الإسكندرية، ولهذا تم إدخال أصناف جديدة للتمور كالصفاوى وعجوة المدينة والصقعى والشيشى والسلطانة فى مشروع الـ2.5 مليون نخلة».
وشدد «صلاح» على أن تسويق التمور المصرية بالشكل اللائق يحقق هامش ربح مرتفع، فالتغليف الجيد والتعبئة المنظمة يرفع القيمة التسويقية للمنتج، وهو ما يتم تنفيذه حاليًا عبر إنشاء 140 منشأة للتعبئة والتغليف، ومصر تمتلك أصنافا عالية الجودة مثل السيوى والصعيدى، التى تفوق كثيرا الأصناف الأخرى، ومع التسويق الجيد يمكن لهذه الأصناف النجاح فى الأسواق العالمية، والتمور المصرية لها طلب كبير فى الأسواق التصديرية مثل جنوب شرق آسيا وأوروبا وتركيا، وهو ما ساهم فى وصول مصر إلى المركز الخامس عالمياً بصنف واحد فقط، وبتسويق بقية الأصناف يمكن أن يقفز المنتج المصرى إلى صدارة الدول المصدرة.
وأوضح أن قطاع التمور يشهد نشاطًا من كبار وصغار المستثمرين، ويتميز كبار المستثمرين بتوفير منشآت متكاملة وثلاجات وغرف تبخير وعمالة وكوادر استشارية، ما يمنحهم قدرة تنافسية وربحية مرتفعة، وقد استطاعت مصر تحقيق اكتفاء ذاتى من أصناف المجدول وتصديرها للخارج، بينما تستورد أصناف الصقعى والسكرى، مع تجارب حديثة لزراعة الصقعى فى مناطق مثل أسوان والمنيا بالتعاون مع مناطق مماثلة فى السعودية، ولهذا فإن استهداف مصر لصدارة الدول المصدرة للتمور عالميا ليس مستحيلًا.