لم يعد موسم دراما رمضان مجرد سباق على نسب المشاهدة أو حضور النجوم، بل بات مساحة موازية للنقاش العام، تتقاطع فيها الحكايات الإنسانية مع الأسئلة الكبرى التي تشغل المجتمع.
وفي رمضان 2026، يتخذ هذا التحول منحن أكثر وضوحا، مع خريطة إنتاجية واسعة أعلنتها الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، تضم أعمالا درامية تتنوع بين مسلسلات من 30 حلقة وأخرى من 15 حلقة.
هذا الحراك الإنتاجي اللافت لا يعكس فقط وفرة في الكم، بل يشير إلى توجه واع نحو تنويع الشكل والمضمون معا، والاقتراب من قضايا اجتماعية وإنسانية تمس الأسرة والمرأة والشباب والعدالة والطبقات الاجتماعية. وبين الدراما الشعبية والكوميديا الاجتماعية والتشويق القانوني، تتحول الشاشة الرمضانية إلى منصة لطرح الأسئلة بقدر ما هي مساحة للترفيه، لتغدو مرآة تعكس تحولات المجتمع المصري وتناقضاته.
وفي السطور التالية، نستعرض أبرز القضايا التي تضعها هذه الأعمال "تحت المجهر".
تفكك الأسرة وصراعات ما بعد الانفصال
يتصدر هذا المحور مسلسل "كان يا ما كان" بطولة ماجد الكدواني، حيث يتناول أزمة تفكك العلاقة الزوجية بعد سنوات من الروتين وسوء التفاهم. يتحول الانفصال إلى صراع بارد يمتد من المشاعر إلى ساحات المحاكم، بينما تصبح الابنة الضحية المباشرة لخلافات والديها.
يقترب العمل من تأثير الطلاق على الأطفال، وتراجع ثقافة الحوار داخل الأسرة، وتحول الخلافات الشخصية إلى نزاعات قانونية تستنزف جميع الأطراف، واضعا مفهوم "مصلحة الطفل" في صدارة النقاش.
المرأة المعيلة في مواجهة القسوة الاجتماعية
تحضر قضية المرأة المعيلة بقوة في مسلسل "مناعة" بطولة هند صبري، وبمشاركة رياض الخولي وأحمد خالد صالح وخالد سليم. تدور الأحداث في ثمانينيات القرن الماضي بحي الباطنية، حول شابة تجد نفسها مسؤولة عن ثلاثة أطفال بعد مقتل زوجها.
يعكس العمل نموذجا اجتماعيا متكررا؛ حيث تتحمل المرأة عبء الإعالة في ظل ظروف اقتصادية قاسية وبيئة اجتماعية معقدة، كما يسلط الضوء على التحولات الاقتصادية والثقافية لتلك المرحلة وانعكاساتها على البنية الشعبية للمجتمع.
صراع الأجيال والبحث عن الهوية
يتجلى هذا الصراع في مسلسل "فن الحرب" الذي يشهد عودة يوسف الشريف إلى الدراما الرمضانية. يرصد العمل رحلة شاب يتمرد على رغبة والده رجل الأعمال في أن يسلك مسارا تقليديا، مفضلا السعي وراء حلم التمثيل، قبل أن تنقلب حياته إثر تورط والده في قضية نصب كبرى.
يطرح المسلسل تساؤلات حول مفهوم النجاح بين منطق الربح المادي وتحقيق الذات، ويعكس الفجوة المتزايدة بين أولويات الأجيال الجديدة ونظرة الجيل الأكبر إلى الاستقرار والمكانة الاجتماعية.
الحراك الطبقي وتداخل السلطة بالأسرة
في مسلسل "علي كلاي"، يجسد أحمد العوضي شخصية شاب موهوب في الملاكمة تتغير حياته بعدما يتبناه رجل أعمال ويوفر له الدعم والرعاية. ومع انتقاله إلى طبقة اجتماعية مختلفة، تتصاعد الصراعات داخل الأسرة الجديدة.
يعالج العمل إشكالية الحراك الطبقي، ويطرح تساؤلات حول حدود الامتنان، ومعنى الرعاية حين تختلط بعلاقات قوة غير متكافئة، وكيف يمكن للنفوذ الاقتصادي أن يؤثر في التوازن الأسري.
الهجرة الداخلية وطموحات الشباب
في إطار اجتماعي كوميدي، حيث يتناول "فخر الدلتا" قضية الهجرة الداخلية من الأقاليم إلى العاصمة، من خلال قصة شاب ينتقل من إحدى قرى الدلتا إلى القاهرة سعيا وراء حلم العمل في مجال الإعلانات. العمل بطولة أحمد رمزي، ويشاركه كمال أبو رية وانتصار وخالد زكي.
تعكس الأحداث صدمة الانتقال من الريف إلى المدينة، وتحديات تحقيق الذات في بيئة تنافسية، بما يجسد واقع آلاف الشباب الباحثين عن فرص أفضل خارج محافظاتهم.
العدالة والفساد
تحضر قضايا العدالة والفساد في عدد من الأعمال ذات الطابع التشويقي الاجتماعي، التي تدور حول صراعات قانونية وأخلاقية، وشخصيات تجد نفسها في مواجهة منظومات معقدة من النفوذ والمصالح، ويعكس هذا الاتجاه اهتماما دراميا متزايدا بملف سيادة القانون، واختبار القيم الأخلاقية في مواجهة الضغوط الاجتماعية والاقتصادية.
صراعات الميراث والنفوذ الاقتصادي
يتناول مسلسل "أولاد الراعي ميراث الدم" قصة عائلة ثرية أسسها ثلاثة أشقاء، قبل أن تتفجر الخلافات بين الأبناء وأطراف من الماضي.
ويكشف العمل كيف يمكن للثروة أن تتحول من عامل تماسك إلى سبب للصراع، حين تغيب آليات الحوكمة العائلية وتتصادم المصالح الشخصية.
في المجمل، يبدو أن موسم رمضان 2026 لا يكتفي بتقديم حكايات مشوقة، بل يسعى إلى إعادة قراءة المجتمع من داخله، عبر شخصيات تمثل شرائح متباينة وتجارب متقاطعة. فالقضايا المطروحة، من تفكك الأسرة إلى الحراك الطبقي، ومن تمكين المرأة إلى اختبارات العدالة، لا تقدم كعناوين مباشرة، بل كصراعات إنسانية تتداخل فيها المشاعر بالمصالح، والطموح بالضغوط الاجتماعية.
وإذا ظل الحكم النهائي رهينا بالتنفيذ الدرامي، وقدرته على تجاوز المباشرة، فإن المؤشرات الأولية توحي بأن دراما رمضان تمضي هذا العام خطوة أبعد من الترفيه الخالص، نحو دور أكثر وعيا بوظيفتها الثقافية والاجتماعية، كمرآة ترصد التحولات وتثير الأسئلة، وربما تسهم في إعادة ترتيب أولويات النقاش العام.