رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

انقسام أوروبى فى التعامل مع «بوتين»


20-2-2026 | 14:23

.

طباعة
تقرير: سلمى أمجد

«انقسام حاد بين دول الاتحاد الأوروبى الـ27»، وصف ينطبق تمامًا على ردود الأفعال التى أثارتها الدعوات المتزايدة فى العواصم الأوروبية لإحياء قنوات التواصل مع روسيا، فى ظل مخاوف من تهميش المصالح الأوروبية فى أى تسوية أوكرانية يقودها الرئيس الأمريكى دونالد ترامب؛ إذ أيّدت بعض الدول، فيما عارضتها أخرى، بينما تبنت معظم الدول موقفًا حذرًا.

بعد مرور أربع سنوات على الحرب فى أوكرانيا، أعلن الرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون، أن «باريس أعادت قنوات الاتصال مع موسكو على المستوى الفنى بعد إرسال مستشاره الدبلوماسى إيمانويل بون إلى موسكو للقاء نظيره يورى أوشاكوف»، كما دعا القادة الأوروبيين إلى اتباع المسار ذاته لضمان نهج أوروبى منظم.

وكان «ماكرون»، قد صرح سابقًا، بأنه يجرى الإعداد لاستئناف الحوار مع نظيره الروسى فلاديمير بوتين، مؤكدًا أنه يتم فى إطار من «الشفافية» وبالتشاور مع الرئيس الأوكرانى فولوديمير زيلينسكى والحلفاء الأوروبيين.

ويذكر أنه فى يوليو الماضى أجرى الرئيس الفرنسى اتصالًا هاتفيًا مع نظيره الروسى، وكان ذلك أول اتصال بينهما منذ سبتمبر 2022، ومنذ ذلك الحين صرح «ماكرون» بأن التواصل مع الكرملين ضرورى للتفاوض على ضمانات أمنية لما بعد الحرب.

واتفقت رئيسة الوزراء الإيطالية، جورجيا ميلونى، مع الرئيس الفرنسى، رغم اختلافهما فى الماضى، على أن الاتحاد الأوروبى، بوصفه أكبر داعم لأوكرانيا، بحاجة إلى مقعد دائم على طاولة المفاوضات لرسم ملامح مستقبل البنية الأمنية للقارة العجوز دون الاعتماد على البيت الأبيض، الذى يُعد اليوم المحور الرئيسى مع الكرملين.

وفى ديسمبر الماضى، انتقد نائب رئيسة الوزراء الإيطالى ماتيو سالفينى، سياسة بروكسل تجاه روسيا، ودعا إلى العودة إلى الدبلوماسية، مصرحًا بأن «أوروبا تقاطع فعليًا عملية السلام فى أوكرانيا، محولة مشكلاتها الداخلية إلى سياستها الخارجية»، كما أشار إلى أن العقوبات المفروضة على روسيا لم تُضعفها، بل أضعفت اقتصاد الاتحاد الأوروبي.

تصريحات القادة الفرنسيين والإيطاليين حول ضرورة فتح الاتحاد الأوروبى قنوات دبلوماسية مع الكرملين، لاقت صدىً فى بروكسل وبعض العواصم الأوروبية الأخرى، مع تزايد الدعوات لتعيين مبعوث يُمثل جميع الدول الأعضاء، وقد أعربت النمسا وجمهورية التشيك ولوكسمبورج عن تأييدها لهذه الفكرة.

فى المقابل، تعارض ألمانيا وإستونيا وليتوانيا وقبرص فكرة استئناف الحوار، مشيرة إلى مطالب بوتين المتشددة واستمرار روسيا فى قصف منشآت الطاقة الأوكرانية والمناطق المدنية خلال درجات حرارة قاسية تحت الصفر، كدليل على أن موسكو غير مستعدة لتقديم أى تنازلات من أجل السلام، وقد قال المستشار الألمانى، فريدريش ميرز، الشهر الماضى، ردًا على سؤال حول هذا الموضوع: «لا نرى حاليًا أى حاجة لفتح قنوات اتصال إضافية»، وفقًا لما أفادت به شبكة «يورو نيوز».

على خلاف الرؤية الفرنسية المؤيدة لتفعيل قنوات تواصل مباشرة مع موسكو، ترى رئيسة وزراء لاتفيا، إيفيكا سيلينا، أن يُكلف مبعوث خاص للاتحاد الأوروبى بالمشاركة فى المحادثات الثلاثية التى ترعاها الولايات المتحدة بين روسيا وأوكرانيا، بدلًا من أن تقتصر المحادثات على موسكو وحدها، مع سريان العقوبات الاقتصادية، ما يسلط الضوء على الانقسام الحاد فى الرؤى حتى بين مؤيدى إعادة التواصل.

فى سياق متصل، يحثّ آخرون على توخى الحذر خشية أن يؤدى التسرع فى الانخراط دبلوماسيًا إلى تقويض الجبهة الأوروبية المشتركة التى بُنيت على مدى السنوات الأربع الماضية، بخلاف المجر وسلوفاكيا، نظرًا لعلاقاتهما المتينة مع موسكو، واقترحت نائبة رئيسة المفوضية الأوروبية، كايا كالاس، أن يحدد الأوروبيون الأهداف السياسية التى ينبغى لأى مبعوث، أو أى اتصال هاتفى، أن يسعى لتحقيقها قبل اتخاذ أى خطوات أخرى، كما شككت فى جدوى حملة التواصل هذه، نظرًا لميل روسيا إلى المطالبة بـ«أقصى ما يمكن» فى المفاوضات.

العودة إلى الحوار مع موسكو، وربما استعادة العلاقات معها، من شأنه أن يسمح للاتحاد الأوروبى بحل عدد من المشكلات فى المجالات الاقتصادية والسياسية والعسكرية، إضافة إلى أن تحقيق التوازن بين الولايات المتحدة وروسيا قد يتيح للاتحاد الأوروبى توسيع هامش مناورته، ومع ذلك، يتطلب اتباع هذا المسار استراتيجية واضحة وإرادة سياسية، وحتى الآن لا يوجد أى مؤشر على أى منهما، بحسب ما كشفت صحيفة «موسكو تايمز».

وفى هذا السياق، ومن فرنسا، قال الدكتور توفيق قويدر شيشى، الخبير فى الشئون الدولية: فى السابق كان الرئيس ماكرون يقول إن «العدو الحقيقى هو الإرهاب وليس بوتين، وإن روسيا قدمت الكثير لتحرير أوروبا، والقضاء على النازية»، لكن تغيرت الأمور بعد ضم موسكو لشبه جزيرة القرم 2014، وطردها من مجموعة الثمانى (G8)، ثم جاءت الحرب الأوكرانية التى زدات الأمور تعقيدًا، وطال الأمد ولم يجد الأوروبيون حلًا للحرب الأوكرانية رغم دعم كييف بالسلاح والمال، ومن هنا اتخذ «ماكرون» مبادرة فتح قنوات الاتصال مع بوتين بعد أن أصبح الرهان على انتصار أوكرانيا مستحيلًا.

وأكد «قويدر» أن «هذه القنوات لم تحظَ باتفاق فى البيت الأوروبي. فليست كل الدول الأوروبية متحمسة إلى المفاوضات مع بوتين، ومن بينها بولونيا فهى عدو شديد للروس، وموالية للولايات المتحدة والكيان الصهيونى الذى ليس من مصلحته فتح قنوات مع بويتن، كذلك بريطانيا ترفض بشدة التواصل؛ لأن لديها خلافات كبيرة مع روسيا فيما يخص قضية الجواسيس والاغتيال المتبادل، والدنمارك والدول الإسكندنافية والسويد والنرويج أيضًا ليست متحمسة. فى المقابل، إيطاليا متحمسة للنقاش، ويبارك رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان هذه الخطوة حيث تجمعه علاقة طيبة بالرئيس الروسي».

كما لفت «قويدر» إلى وجود انقسام داخل فرنسا؛ إذ يفضل اليساريون إعادة التواصل مع «بوتين»، بينما يرفض اليمين المتطرف ذلك. وهنا السؤال: هل ينجح ماكرون فى فتح قنوات الاتصال؟.. ويرى «قويدر» أن «الصعوبة تكمن فى إقناع الدول؛ لكن ماكرون هو صاحب الكلمة الأخيرة مع أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، والقاطرة التى تحرك الاتحاد الأوروبى مع المستشار الألمانى، ورغم التحفظات الألمانية فإنه عندما تقرر باريس سياسيًا تتبع برلين وغيرها من الدول».

وفيما يتعلق بالموقف الروسى، أوضح بسام البنى، الكاتب والباحث السياسى من موسكو، أن «روسيا ترحب بالتحول فى النبرة الأوروبية، وتؤكد أنها لم تكن راغبة فى قطع العلاقات، لكنها تتعامل بحذر، منتظرة خطوات عملية وليس مجرد تصريحات».

وأضاف «البني»، أنه من الملاحظ أن هناك انفتاحًا مشروطًا بجدية النوايا، حيث أكد الكرملين مرارًا أن قطع العلاقات كان غير منطقى وضارًا للجميع، كما صرح المتحدث باسم الكرملين ديمترى بيسكوف بأن «بوتين» لم يرفض أبدًا الاتصال المباشر بالقادة الأوروبيين، حين قال: «إذا أرادوا ذلك ورأوا ضرورة، يمكنهم ببساطة الاتصال بالرئيس بوتين».

أخبار الساعة

الاكثر قراءة