بالتأكيد لم يحدث ذلك من فراغ، هناك جهود عديدة بُذلت، ولا تزال، يقوم بها رجال الأمن من جانب، بتحديث أدواتهم، وسرعة التواصل والمتابعة، كاميرات فى الشوارع، رجال يتابعون ويعرفون كل ما يجرى، سواء عبر بلاغات تصلهم، أو شكاوى واستغاثات عبر بعض الصفحات.
والحق أن جهو٠د الداخلية المصرية فى التصدى للجرائم وملاحقة المجرمين باتت واضحة للجميع داخل مصر وخارجها، جرائم عديدة يتم الإمساك بأطرافها خلال ساعات، تحديث البيانات الذى تم والربط الإلكترونى كشف الكثير من الخبايا، من قبل كان يمكن لمجرم أن يذهب إلى محافظة نائية ويختفى بها سنوات.. الآن لم يعد ذلك ممكنا.
ليست الشرطة وحدها، لدينا كذلك النيابة العامة وكافة الهيئات القضائية، بسرعة التحقيق وإصدار قرارات رادعة، المحاكم تبت بسرعة فى القضايا، عملاً بقاعدة العدالة الناجزة تردع المجرمين وتمنح الناس أملاً فى نيْل الحقوق والفصل فى التعديات.
يمكن أن نتحدث طويلاً فى هذه المسألة، أمنيًا وقانونيًا، فضلاَ عن رغبة المجتمع فى أن يسود السلم العام، وتخفّ حدة التوتر التى قد تدفع البعض إلى ارتكاب الجرم.
إذا تركنا الأرقام والإحصائيات، والتقارير الدولية، ونظرنا إلى بعض المنصات الإعلامية، فضلا عن السوشيال ميديا؛ فلا نجد فيها سوى الجريمة فقط، وكأن مصر، هذا البلد الضخم والكبير، لا حياة فيه ولا عمل، لا شيء سوى الجريمة، كأن الناس تقتل بعضها فى الشوارع، الأبناء يعتدون على الأمهات والآباء، قتل وسحل فى الشوارع، هكذا، ثمة فراغ أو إفلاس إعلامى لدى البعض، هناك مَن يتصورون أن الجريمة بأخبارها تحقق مقروئية ومتابعة عالية، حتى إنه فى بعض الحالات كانت بعض المنابر تفبرك جرائم، تستدرّ بها أو تجتذب القراء والمشاهدين.
تأمل جريمة قرية «ميت عاصم» بالقليوبية، التى وقعت الأسبوع الماضى، حجم المادة والأخبار والصور التى نُشرت عنها تفوق ما يمكن أن يُنشر عن الحرب العالمية الثالثة إذا وقعت.. هى جريمة فى قرية، أمكن القبض على كل أطرافها والتحقيق معهم.. واتخذت النيابة العامة قرارات تتعلق بأطرافها كافة، لكن المواقع التى لا تجد مادة إعلامية راحت تعيد وتزيد، تأمل مثلا، حجم ما نُشر عن أخبار التعديل الوزارى الذى جرى الأسبوع الماضى، المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، مشكلة إعمار غزة، وما يجرى فى السودان، هذه الملفات كلها، رغم ضخامتها وأهميتها لبلادنا والمنطقة كلها، لم تحظَ بالاهتمام الذى حظيت به واقعة «ميت عاصم».
ومن قبلها جريمة القتل التى تمت فى قرية «كفر الراهب.. بالمنوفية».. الخبر الواحد يُعاد نشره عدة مرات، وفى كل مرة يتغير العنوان ويتغير ترتيب فقراته، لكن الوقائع والمعلومات هى نفسها.
المفاجأة أن أول مَن انتبه إلى تلك الحالة وعبر عنها المسئولون عن الصحافة والإعلام أنفسهم، بدءًا من السيد نقيب الصحفيين، الذى أصدر بيانًا ناشد فيه كل الزملاء الالتزام بالواجب المهنى وهو عدم الترحيب بالمجرمين، وإفراد مساحات واسعة لهم، المفترض أن الصحافة تقف إلى جوار المظلوم.. باختصار لا يجب أن يكون هناك تشجيع للجريمة حتى لو حدث بطريقة اللاشعور..
المجلس الأعلى للإعلام أصدر بيانا ناشد فيه كل المواقع عدم التوسع فى نشر صورة الشاب الذى جرت إهانته فى ميت عاصم، لأن صوره صارت الخبر الرئيسى عدة أيام فى عدد من المواقع، وهنا لا بدّ من وقفة مهنية أولا..
لم ولن يطلب أحد الامتناع عن نشر خبر بعينه، ولا التكتم على جريمة بذاتها، لكن نشر الخبر لمعلومية القارئ والمشاهد شيء، وتكرار النشر والإلحاح عليه، بحيث يكون الخبر الرئيسى والأوحد، تقريبا فى الموقع والمنصة، ينتقل من خانة النشر إلى خانة تبنى الواقعة وترسيخها فى ذهن المتابع، وهذا يمثل رغبة فى تثبيت الحالة أو الجريمة بحيث تغطى وجه الحياة، وهذا عمليا نوع من الدعاية لها أو التبشير بها والدعوة ضمنيا إلى تكرارها.
هناك أيضا زاوية النشر والاهتمام، فى واقعة -جريمة- ميت عاصم، كانت زاوية النشر، هى الانبهار بما جرى، والاحتفاء بكافة التفاصيل الصغيرة، دون إدانة الجريمة والفعل، باختصار هناك مجموعة أهدرت القانون واختطفت شابًا من بيته وهُدد بإحراق البيت، ثم تواصلت الفصول البشعة، لكن قراءة ودراسة التناول تكشف إعجابا خفيا بالجريمة وليس إدانتها، الاحتفاء بالمجرمين وليس التعاطف مع الضحية، وهذا ما ركز عليه بوضوح بيان نقابة الصحفيين، والذى جاء على لسان النقيب يوم الجمعة.
وسوف نلاحظ كذلك قصورا فاضحا فى التعامل مع مثل هذه الحوادث والتدقيق فيها، ففى الأيام الأولى، كان هناك إصرار على أن الجريمة وقعت فى بنها نفسها، ثم جرى -مؤخرًا- الانتباه إلى أنها فى قرية تتبع بنها، لم نجد موقعًا ولا منصة انتقلت إلى القرية لتقوم بمقابلة كل الأطراف، وتسمع كيف وصلت الأمور إلى هذا النحو، الفتاة التى كانت سبب المشكلة أو أسرتها وأسرة الشاب إسلام «الضحية».. وهكذا، فقط الاكتفاء بتصريحات المحامين وبعض جمل مقتطعة من التحقيقات أو أقوال بعض الأطراف على هامش التحقيق.
الجريمة، أى جريمة، لها عدة أطراف وتكون غالبا نتيجة تراكمات معينة، بأكثر منها نتيجة انفعال طارئ.
ويبقى السؤال قائما: لماذا تصرّ بعض المنصات على جعل الجريمة عنوانًا رئيسيًا للمجتمع المصرى رغم أن التقارير الدولية تقول غير ذلك؟
يجب الاعتراف أنه ربما يكون استسهال خبر الجريمة مادة تجذب القارئ، ولا يدقق المتابع فى التفاصيل، أو أطراف الجريمة من جناة ومجنى عليهم فى كل ما يُنشر ولا يقوم بالتدقيق فيه أو اللجوء إلى الجهات القانونية، باختصار مادة سهلة، فيها قدر كبير من التخيل وعدم التدقيق، وكذلك عدم المساءلة والمحاسبة وهذا الأمر ليس جديدا، الجديد هو التوسع فيه، من قبل كانت بعض حالات فردية، لكننا الآن بإزاء موجة عارمة.
وقد يتصور البعض أن المسألة لا تعدو كونها أن منصات تريد الحصول على متابعين ومشاهدين وقراء كثر، بما يحقق بعض الرواج والانتشار لهم، وقد يضمن لهم عائدا ماليا أعلى.
على المستوى البعيد، أقصد اجتماعيا وإنسانيا، وكذلك وطنيا، هذه «اللعبة» لها مخاطرها.. فى بلد يسعى لجذب الاستثمار الأجنبى ويراهن على قدوم السائحين إليه، وأن يكون بلدا منفتحًا.
ما زلت أذكر جيدا، قبل عشر سنوات، حين راحت بعض المنصات والمواقع تبالغ فى ازدياد حالات التحرش، حتى وصلوا إلى القول بأن النسبة تقترب من 90 فى المائة، والتقيت بعدد من الفتيات والسيدات العربيات جئن إلى مصر فى جولة استكشافية، قالت لى إحداهن وكانت من المغرب الشقيق، إن أهلها وصديقاتها قد حذروها من القدوم إلى مصر لأنها ستتعرض حتما إلى التحرش، لكنها أصرت وجاءت، وكانت المفاجأة أنها تجولت فى شوارع القاهرة ليلًا، فى منطقة الحسين ووسط البلد، وكانت ترتدى ملابس قصيرة، ومع ذلك لم يضايقها أحد، ولا تعرض لها متسكع، وجدت الاحترام والتقدير.
تصوير المجتمع المصرى على أنه غارق لأذنيه فى جرائم بشعة لا تتوقف، هل هذا يشجع السائح على المجيء؟ هل هذا يقدم رسالة أمان لمَن يريد أن يزور مصر أو يأتى إليها؟.. شخصيا لا أستبعد أن تكون بعض المنصات تهدف إلى ذلك وتسعى إليه، يكفى أن ذئاب جماعة البنا هم أول مَن يهللون وينشرون تلك الجرائم.
مرة أخرى ليس مطلوبا التستر على جريمة أو الامتناع عن نشر أخبارها، لكن الإصرار على اعتبار الجريمة هى العنوان الرئيسى للمجتمع المصرى والمصريين، جريمة بحد ذاتها، يجب التصدى لها، ومن حسن الحظ أن الدعوة للتصدى جاءت من داخل البيت الصحفى والإعلامى.. عبر نقابة الصحفيين والمجلس الأعلى للإعلام.
فى ذروة اشتعال ثورة سنة 1919، أرادت بعض الصحف صرف النظر عن أحداث الثورة، والتركيز على عصابة ريا وسكينة.. واعتبار ريا وأختها هما رمز المرأة المصرية، وليس سيدات باب الشعرية اللواتى استشهدن وهن يهتفن «الاستقلال التام».
وفى سنة 1960، هناك مَن أرادوا جعل السفاح «محمود أمين سليمان» الذى استلهم منه نجيب محفوظ روايته «اللص والكلاب» عنوانًا لمصر والمصريين، واليوم، هناك مَن تفرغوا للجريمة، فقط يصرون على اعتبارها عنوانًا لنا ودليلاً علينا.
الحقيقة أن مصر -الشعب والدولة تصدى للجريمة، فقاومنا الإرهاب ونجحنا فى القضاء عليه، بدماء أبنائنا من رجال الشرطة والجيش، هذه التضحية أكدت أننا نرفض الإرهاب.. وهو شكل من أشكال الجريمة، ونجحنا فى مقاومة الجريمة الاجتماعية.. لكنهم يصرون على التضليل.