تظل جماعات الضغط الصهيونية الشبكة المعقدة من المنظمات والأفراد حريصة على القيام بدورها فى دعم الكيان الصهيونى. وأشهر هذه الجماعات وأبرزها هى منظمة (إيباك) فى الولايات المتحدة، والتى تعمل بتنسيق وثيق لتوجيه سياسات الدول الغربية لصالح إسرائيل، وتعمل من خلال استخدام المال والعلاقات السياسية والدعم الإعلامى من أجل تعزيز الكيان الصهيونى وتحقيق كل مراميه. وتضم يهودا وصهاينة مسيحيين. ولها نفوذ قوى فى الولايات المتحدة وأوروبا، وتدافع عن السياسات الإسرائيلية لدى الكونجرس والإدارة الأمريكية.
والحديث عن جماعات الضغط الصهيونية يقودنا إلى الزيارة التى قام بها «نتنياهو» مؤخرا إلى واشنطن ولقائه مع «دونالد ترامب» لنصل إلى النتائج التى تمخضت عنها هذه الزيارة، والتى وُصفت بأنها حاسمة حل فيها «نتنياهو» ضيفا على البيت الأبيض؛ حيث التقى بالرئيس الأمريكى فى اجتماع تصدر جدول أعماله الملف الإيرانى بكل تعقيداته وتشعباته غير أن التصريحات التى أعقبت اللقاء حملت إشارات بدت بعيدة عن سقف التوقعات التى جاء بها نتنياهو إلى العاصمة الأمريكية، وأثارت تساؤلات حول ما إذا كان ترامب قد عاد بالنتائج التى سعى إليها.
كان «ترامب» قد أعلن فى ختام اجتماعه مع «نتنياهو» أن الولايات المتحدة ستواصل المسار الدبلوماسى مع إيران، وأن واشنطن لا تزال ترى فى التفاوض أداة رئيسية للتعامل مع طهران. ولا شك أن هذا الموقف الأمريكى الذى شدد على أولوية الحلول السياسية بدا مخيبا لآمال الجانب الإسرائيلى الذى كان يطمح فى التوصل إلى موقف أكثر تشددا. بل وإلى إحراز خطوات عملية تتجاوز الإطار الدبلوماسى.
لقد سلطت الأضواء على «بنيامين نتنياهو» لا سيما وقد جعل من مواجهة المشروع النووى الإيرانى محورا ثابتا فى سياساته الخارجية. ولهذا حمل معه إلى واشنطن حزمة مطالب واضحة تتصدرها ضرورة التخلص الكامل من البرنامج النووى الإيرانى، وتفكيك القدرات الصاروخية بعيدة المدى، وفرض قيود صارمة على أنشطة حلفاء طهران فى العراق ولبنان وفلسطين واليمن، غير أن البيان الأمريكى لم يتضمن التزامات صريحة فى هذه الاتجاهات، إلا أنه أعاد التأكيد على أهمية إبقاء قنوات التفاوض مفتوحة.
مصادر دبلوماسية مطلعة حرصت على التطرق إلى اللقاء الذى جرى بين «ترامب» و«نتنياهو»، ورأت أن اللقاء قد كشف عن فجوة فى ترتيب الأولويات بين الجانبي، وفى حين رأت إسرائيل أن إيران تمثل تهديدا وجوديا يستدعى حسما سريعا تبدو الإدارة الأمريكية أكثر ميلا لإدارة الأزمة عبر الضغط الاقتصادى، والعقوبات مقرونة بإمكانية التوصل إلى تفاهمات جديدة خالية من التصعيد. وقد يكون نتنياهو قد عمد إلى السعى من خلال هذه الزيارة إلى توجيه رسالة داخلية لجمهوره مفادها أنه يواصل العمل على أعلى المستويات الدولية لمواجهة التحديات الأمنية حتى وإن لم تترجم تلك الجهود فورا إلى قرارات علنية.
على الجانب الآخر يرى محللون أن «ترامب» الذى لطالما قدم نفسه بوصفه صانع صفقات يفضل الاحتفاظ بخيار التفاوض كورقة ضغط استراتيجية بدلا من الانخراط فى مسار تصعيدى قد يجر المنطقة إلى مواجهة مفتوحة. وهو التوجه الذى يتعارض مع الرؤية الإسرائيلية التى تعتبر أن الوقت يعمل لصالح إيران، وأن أى تأخير فى مجابهتها يمنحها الفرصة لتعزيز قدراتها العسكرية والتقنية. وعلى الرغم من غياب الإعلان عن خطوات عملية حاسمة فإن المراقبين لا يستبعدون أن يكون «نتنياهو» قد حصل على تطمينات من خلف الأبواب المغلقة تتعلق بتشديد الرقابة على الأنشطة الإيرانية، وتعزيز التعاون الأمنى والاستخباراتى بين إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية فى هذا المجال.
ولا شك أن تصريحات الرئيس الأمريكى « دونالد ترامب» بشأن استمرار المسار الدبلوماسى تحمل دلالات إقليمية أوسع، لا سيما وأن الدول العربية المعنية بالملف الإيرانى تتابع عن كثب أى تحولات فى الموقف الأمريكى، بينما تراقب طهران بدورها مؤشرات الانفتاح أو التشدد، غير أن استمرار التفاوض قد يخفف من حدة التوتر فى المدى القصير. لكنه يترك الباب مفتوحا أمام احتمالات متعددة تبعا لمسار المحادثات ونتائجها.
الجدير بالذكر أن الدول العربية المعنية بالملف الإيرانى تتابع عن كثب أى تحولات فى الموقف الأمريكي، بينما تراقب إيران بدورها مؤشرات الانفتاح أو التشدد. غير أن استمرار التفاوض قد يخفف من حدة التوتر فى المدى القصير، ولكنه يترك الباب مفتوحا أمام احتمالات متعددة تبعا لمسار المحادثات ونتائجها.
اللافت أن هذه الزيارة هى السابعة لرئيس وزراء إسرائيل «بنيامين نتنياهو» إلى واشنطن منذ عودة «ترامب» إلى البيت الأبيض، ما يعكس كثافة غير مسبوقة فى التواصل السياسى بين الجانبين، كما أن هذا الحضور المتكرر يشير إلى الأهمية التى يوليها «نتنياهو» للعلاقة الشخصية والسياسية مع ترامب، وإلى سعيه الدائم للتأثير فى صياغة القرار الأمريكى خصوصا فى الملفات الأمنية الحساسة.
فى المقابل يطرح هذا التكرار تساؤلات حول مدى تحقيق هذه اللقاءات لأهدافها الفعلية، وما إذا كانت تعكس نفوذا متناميا أم قلقا إسرائيليا من مسارات قد لا تتطابق تماما مع رؤيتها. وفى ضوء المعطيات المعلنة يصعب القول إن «نتنياهو» قد حقق جميع النتائج المرجوة من زيارته إلى واشنطن، فالموقف الأمريكى المتمسك بالدبلوماسية لم يلبِ السقف المرتفع للمطالب الإسرائيلية خصوصا ما يتعلق منها بإجراءات فورية وحاسمة ضد برنامج إيران. ومع ذلك فإن الزيارة لم تكن خالية من الدلالات السياسية؛ إذ أعادت التأكيد على متانة التحالف بين البلدين، وفتحت المجال أمام تنسيق مستمر فى إدارة أحد أكبر الملفات حساسية فى الشرق الأوسط؛ ليظل التحالف الاستراتيجى بين واشنطن وإسرائيل ركيزة ثابتة فى سياسات الدولتين، ولهذا من غير المرجح أن يتأثر سلبا أو يحدث أى تراجع فى صياغة القرار الأمريكى خصوصا فى الملفات الأمنية الحساسة.
ولكن وبينما تستمر واشنطن فى اختيار المسار الدبلوماسى يظل السؤال مطروحا حول ما إذا كانت هذه المقارنة تبدد مخاوف إسرائيل أم ستدفعها إلى البحث عن خيارات أخرى فى مواجهة ما تعتبره تهديدا استراتيجيا متصاعدا ضدها.