اختص الله سبحانه وتعالى شهر رمضان الكريم.. بالعديد من المنح والعطايا.. التى تفرّد بها من بين كل الشهور.. فهو الشهر الذى يحمل ركناً أساسياً من أركان الإسلام وهو الصوم.. (شهر رمضان الذى أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر) 185 : البقرة.
تفرد شهر رمضان ببداية نزول القرآن على نبى الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم (شهر رمضان الذى أُنزل فيه القرآن).
وينفرد شهر رمضان بوجود أعظم ليلة من ليالى العام (ليلة القدر).. التى خصها الله بالذكر فى قرآنه الكريم (إنا أنزلناه فى ليلة مباركة إنا كنا منذرين.. فيها يفرق كل أمر حكيم) 3، 4 الدخان.. وفى القرآن سورة خاصة.. تحمل اسم القدر.. تقديرا وتعظيماً لهذه الليلة المباركة (إنا أنزلناه فى ليلة القدر.. وما أدراك ما ليلة القدر.. ليلة القدر خير من ألف شهر.. تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر.. سلام هى حتى مطلع الفجر)..
وينفرد شهر رمضان أيضاً بوجود زكاة الفطر.. التى وصفها الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بأنها (طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين).
وقد اعتاد غالبية المصريين.. ضبط مواعيد إخراج زكاة أموالهم.. لتكون فى شهر رمضان المعظم.. طلباً للبركة وزيادة الأجر.. وتوسعة على الفقراء والمساكين فى هذا الشهر الكريم.. كما اعتادت الكثير من الهيئات والمؤسسات.. التوسعة على غير القادرين.. بإقامة موائد الرحمن.. أو التبرع ببعض المواد الغذائية (كرتونة رمضان).. وكل هذا حسن وجميل ورائع.. ولكننا نستطيع أن نجعله أكثر حسناً وجمالاً وروعة.. عن طريق جمع كل تلك الموارد (المليارية).. والعمل على تحويلها إلى فرص عمل دائمة ومستمرة وناجحة.. تجعل هؤلاء الفقراء والمساكين وغير القادرين.. يعيلون أنفسهم.. والأهم أنهم سيشاركون بقوة وفاعلية فى دعم الاقتصاد الوطنى.. وهناك العديد من التجارب الناجحة والمهمة فى هذا المجال.. والغريب أن مصر كانت صاحبة السبق.. من خلال مشروع الأسر المنتجة.. الذى تبنته ثورة يوليو 1952.. بقيادة الزعيم جمال عبدالناصر.. كجزء من عملية التنمية الشاملة.. التى شملت كل المجتمع المصري.. بمشروعات عملاقة مثل السد العالى ومئات القلاع الصناعية العملاقة.. ومعها أيضاً المشروعات الصغيرة للأسر المنتجة.. ونجح كل هذا فى صناعة منظومة رائعة للعدالة الاجتماعية.. وقد تبنت الصين الشعبية.. مع بداية نهضتها الحديثة عام 1976.. مشروع الأسر المنتجة المصري.. وعملت على تطويره كيفاً وكماً.. من خلال ما أطلقوا عليه (المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر).. ذلك المشروع الذى تحول إلى رافعة عملاقة.. للاقتصاد الصينى.. وهناك أيضاً مشروع آخر.. فى دولة كانت من أكثر الدول فقراً.. وهى بنجلادش الدولة الإسلامية الفقيرة.. ولكن مشروع (بنك الفقراء).. الذى قدمه د. محمد يونس والذى كان يمنح المواطن البنجلادشى قرضاً ميسراً صغيراً.. لا يزيد على خمسين دولاراً.. وفى خلال عدة سنوات.. تحولت بنجلادش إلى واحدة من أكبر دول العالم تصديراً للملابس الجاهزة.
وقد عدت منذ عدة أيام من زيارة للوادى الجديد.. أكبر محافظات مصر من حيث المساحة (44 فى المائة تقريباً من مساحة مصر).. تلك المحافظة التى نشأت لأول مرة بقرار جمهورى عام 1961.. وتضم العشرات من المواقع الأثرية.. التى تنتمى إلى العصور المختلفة (مصر القديمة – اليونانى الرومانى – الإسلامى).. وقد تحولت هذه المحافظة إلى عاصمة التمور فى العالم.. من خلال إنتاج الملايين من أشجار النخيل.. وللأسف الشديد لا يحظى كل هذا بالتسويق والترويج اللائق.. لكن مدينة صغيرة اسمها (البشندي).. استطاعت أن تقضى تماماً على الفقر بين سكانها.. عن طريق إقامة مصنع للسجاد والكليم.. المصنوع من صوف الخراف.. وقد بدأت الفكرة منتصف سبعينيات القرن الماضى.. عندما توفى أحد أبناء المدينة الصغيرة أو القرية الكبيرة.. ولم يجد السكان معهم ما يشترون به (كفن الميت).. وخرج من بين هؤلاء البسطاء شاب اسمه عبدالسلام السنوسى.. خاض غمار حرب أكتوبر وعاد منتصراً.. وقرر أن يقود أهل بلدته لينتصر على الفقر.. فأنشأ جمعية لتنمية المجتمع.. وبدأ مشوار الألف ميل خطوة خطوة.. حتى أصبحت قرية البشندى تمتلك مصنعاً كبيراً لصناعة السجاد والكليم.. وانتشرت الأنوال (جمع نول).. فى بيوت القرية.. يعمل عليها البنات والسيدات والشباب والرجال.. يأخذون الخامات من الجمعية.. ويدفعون فقط ثمن هذه الخامات.. ثم يبيعون إنتاجهم عن طريق الجمعية.. وامتلكت جمعية تنمية المجتمع فى البشندى مزرعة كبيرة لتربية الخراف.. يتم توزيع ألبانها مجاناً على بيوت الأرامل والمطلقات.. وما يزيد يتم بيعه بسعر التكلفة.. وتقدم هذه المزرعة الأصواف المطلوبة لإنتاج السجاد والكليم..
وتحتفظ جمعية تنمية المجتمع فى قرية أو مدينة البشندى بسجل رائع من الكتابات الصحفية.. التى تشيد بهذه التجربة الرائدة والمهمة.. والتى يجب تعميمها فى كل القرى المصرية.
ومثل هذه التجارب الناجحة والمهمة.. يجب تعميمها ونشرها.. من خلال المشروعين المهمين تكافل وكرامة.. وحياة كريمة.. فإذا ما وضعنا إمكانات هذين المشروعين.. مع الموارد الرمضانية العملاقة سواء من زكاة المال أو زكاة الفطر أو موائد الرحمن.. أو عشرات الآلاف من كراتين رمضان.. لوجدنا أنفسنا أمام موارد عملاقة.. تحتاج إلى مؤسسة أهلية تقوم على دراسة طبيعة كل قرية.. ونوعية المشروع الذى يناسبها.. والذى يوفر لسكانها الحد الأدنى من الحياة الكريمة الذى يرفع المعاناة عن كاهل الدولة.. ويساهم فى دعم الاقتصاد الوطنى..