منذ أن صدح القرآن الكريم لأول مرة من مآذنها، رسّخت مصر مكانتها كقلب نابض لتلاوة كتاب الله، لا بوصفها بلدًا يُتلى فيه القرآن فحسب، بل باعتبارها دولة التلاوة التى صاغت وجدان الأمة بصوت القارئ، وروح المقام، وهيبة الأداء. فالتلاوة فى مصر ليست مجرد حروف تُقرأ، وإنما مدرسة متكاملة لها أصولها وقواعدها وروادها، وتاريخ طويل من العطاء المتصل، لا يعرف الانقطاع ولا يرضى بالتراجع.
وعبر عقود طويلة، قدّمت مصر للعالم الإسلامى كوكبة من أعلام التلاوة، تحولت أصواتهم إلى ذاكرة سمعية راسخة فى القلوب، وأصبحت تلاواتهم مرجعًا فى الإتقان والخشوع وحسن الأداء.
من المساجد العتيقة إلى الإذاعة المصرية، ومن حلقات الكُتّاب البسيطة إلى أكبر المحافل الدولية، ظل الصوت المصرى علامة فارقة، يحمل مزيجًا نادرًا من العلم والموهبة والروح، ويجسّد معنى أن يكون القرآن رسالة تُؤدَّى قبل أن يكون نصًا يُتلى.
ولم تكن عظمة دولة التلاوة المصرية يومًا حبيسة الماضي، بل إن سر تفردها الحقيقى يكمن فى قدرتها الدائمة على التجدد. فكل جيل يسلّم الراية إلى الذى يليه، وكل مرحلة زمنية تشهد ميلاد أصوات جديدة، يافعة فى العمر، عميقة فى الفهم، تحمل فى حناياها ملامح المدرسة المصرية الأصيلة مع لمسة خاصة تعبّر عن روح العصر، أصوات تنشأ فى القرى والنجوع، فى المساجد الصغيرة والكُتّاب، لكنها سرعان ما تشق طريقها بثبات، مدفوعة بحب القرآن، ودعم الأسرة، ورعاية الشيوخ، وصدق النية.
اليوم، ومع الاهتمام المتزايد باكتشاف المواهب القرآنية، وعودة الضوء إلى حفظة القرآن وقرائه، تثبت مصر من جديد أنها ما زالت زاخرة بالأصوات الجميلة والقامات الواعدة، التى لا تقل شأنًا عن كبار القراء الذين صنعتهم الذاكرة الجماعية. فالموهبة لم تنضب، والنهر ما زال جاريًا، والقرآن لا يزال يجد فى الحناجر المصرية بيئة حاضنة تصونه وتُجيد تقديمه للعالم.
إن الحديث عن دولة التلاوة المصرية هو حديث عن هوية، وعن دور حضارى وروحى ممتد، وعن مسؤولية تتجدد مع كل صوت صاعد يحمل الأمانة. فهؤلاء القراء الصغار، الذين نراهم اليوم، هم امتداد طبيعى لسلسلة ذهبية لم تنقطع، ودليل حى على أن مصر ستظل، كما كانت دائمًا، منبعًا للتلاوة، وموطنًا للجمال، وبلدًا إذا ذُكر القرآن ذُكر معه الصوت المصرى حاضرًا، مؤثرًا، وملهمًا.
زياد محمد نابغة طوخ
وُلد زياد محمد إبراهيم حجاج فى قرية شبرا التابعة لمركز طوخ بمحافظة القليوبية، ونشأ فى أسرة ارتبط فيها القرآن بالحياة اليومية ارتباطًا وثيقًا، فكان حضوره طبيعيًا فى البيت قبل أن يكون التزامًا أو تكليفًا، وفى سن الخامسة بدأت رحلته مع حفظ القرآن الكريم، حيث تولّى والداه رعايته وتعليمه، فكانا أول من غرس فى قلبه حب كتاب الله، وحفظ على أيديهما ثلاثة أجزاء كاملة، قبل أن ينتقل بعد ذلك إلى كُتّاب القرية ليواصل مسيرته مع فضيلة الشيخ عبد الفتاح الفخراني، الذى أسهم بدور بارز فى تثبيت الحفظ وتقويم الأداء.
لم تكن الموهبة الصوتية لزياد واضحة فى بداياتها، إلى أن جاء ذلك الموقف الذى شكّل نقطة تحول فى حياته، حين كان يقرأ سورة الضحى فى المسجد الكبير بالقرية، وكان عمره آنذاك سبع سنوات فقط. استوقف صوته أحد المصلين، فجلس بجواره مندهشًا من جمال التلاوة الصادرة من طفل صغير، وراح يشجعه ويثنى على قراءته، غير أن رهبة الموقف دفعت زياد إلى الفرار إلى والده. وفى اليوم نفسه، عاد الرجل إلى المسجد، وبحث عن والد زياد، وأبلغه بأن ابنه يمتلك موهبة حقيقية تحتاج إلى رعاية واهتمام، مؤكدًا استعداده لتبنى هذه الموهبة والعمل على تنميتها.
من هنا بدأت مرحلة جديدة فى حياة زياد، تحت رعاية الشيخ محمد رجب صالح، الذى لم يكن مجرد شيخ ومعلّم، بل صار له بمثابة الأب، فجمع بين التوجيه والدعم والاحتواء. وعلى يد الشيخين عبد الفتاح الفخرانى ومحمد رجب صالح، أتم زياد حفظ القرآن الكريم كاملًا فى سن العاشرة، لتبدأ بعدها مرحلة أكثر عمقًا فى علم القراءات، حيث التحق بالشيخ أحمد عبد المنعم عمران، عالم القراءات بالقرية، وأخذ عنه القراءات السبع، ثم واصل التدرج فى هذا العلم حتى وصل إلى قراءة الإمام حمزة، فى إطار سعيه الجاد لاستكمال طريقه نحو القراءات العشر الكبرى، باعتبارها أعلى درجات الإتقان فى علم التلاوة.
ويرى زياد أن القرآن هو رفيقه الدائم فى كل الأوقات، فى الطريق، وفى أوقات الضيق، وفى لحظات الفرح، مؤكدًا أن من كان مع القرآن فهو غالب لا مغلوب، وعندما يتلو آياته يشعر بانشراح الصدر، وكأنه يدخل عالمًا خاصًا عامرًا بالسكينة والهدى. ويعترف بأن هناك سورًا قريبة إلى قلبه يبدع فى تلاوتها، من بينها أواخر سورة القمر وبدايات سورة الرحمن.
ويحظى شهر رمضان بمكانة خاصة فى حياة زياد، إذ يستثمر أيامه ولياليه بالكامل، فيبدأ يومه بالتوجه إلى المسجد قبل صلاة الفجر لقراءة ورده اليومى الذى لا يقل عن ثلاثة أجزاء، ثم يؤدى صلاة الفجر، وبعدها يتفرغ للمذاكرة، وفى ليالى الشهر الكريم، يتنقل بين المساجد لإمامة المصلين فى صلاة التراويح، بصوت جذب الصغار قبل الكبار، حتى بات أطفال القرية يلتفون حوله، يرددون خلفه الآيات، ويتخذونه قدوة فى حسن التلاوة والأخلاق.
ويؤمن زياد بأن المراجعة المستمرة هى السبيل الحقيقى للحفظ، لذلك حرصت «شئون القرآن الكريم» على تدريبه بشكل دائم ليظل متين الحفظ، متمكنًا من الأداء، وجاهزًا للمشاركات والمسابقات، وقد تُوّجت جهوده بحصوله على العديد من المراكز الأولى فى مسابقات محلية، منها المركز الأول فى حفظ عشرين جزءًا، ثم حفظ القرآن كاملًا، ثم التجويد، إلى جانب مشاركته فى مسابقة الإمام الأكبر شيخ الأزهر الشريف، وهو فى سن الثانية عشرة، حيث حصل على المركز الثامن على مستوى الجمهورية، فى واحدة من أكبر المسابقات القرآنية على مستوى مصر.
وتستمر الأصوات المتميزة فى الظهور داخل دولة التلاوة المصرية، أصوات يافعة تؤكد أن هذا الإرث العريق لم ينقطع، وأن مصر لا تزال تنجب قراء حملوا القرآن حفظًا وأداءً وأخلاقًا، ليواصلوا مسيرة بدأت منذ عقود وما زالت ممتدة حتى اليوم.
وتبرز حكاية أخرى من قلب «دولة التلاوة المصرية»، حكاية التوأم الحسن والحسين، اللذين نشآ فى بيت لم يعرف يومًا البعد عن القرآن الكريم، بل كان كتاب الله حاضرًا فى تفاصيله اليومية، صوتًا وسلوكًا ومنهج حياة. فالعائلة التى ينتميان إليها عُرفت بتدينها وحبها للقرآن، بداية من الجد الذى تبرع بقطعة أرض من ماله الخاص لبناء دار لتحفيظ القرآن لأبناء القرية، لتصبح هذه الدار منارة يتردد فيها صدى التلاوة، وتنشأ الأجيال على حفظ كتاب الله والارتباط به.
يقول عم الحسن والحسين إن القرآن كان الجامع الأكبر للعائلة، فلياليهم كانت تمضى فى التلاوة والابتهالات الدينية، حتى أصبح الاستماع للقرآن عادة يومية لا تنقطع. ويضيف أن التوأم منذ طفولتهما كانا شديدى الارتباط بالقرآن، يحرصان على التلاوة معًا، ويقلدان المشايخ، ويتنافسان فى الحفظ والمراجعة، مؤكدًا أن الأسرة كانت ترى فيهما مشروع قارئين منذ سنواتهما الأولى، وتسعى بكل طاقتها لدعمهما دون ضغط أو تكلّف.
الحسن حسام رزق بركات، من محافظة البحيرة، قرية نجيب محفوظ، ختم القرآن الكريم وهو فى سن الرابعة عشرة، بدعم مباشر من عائلته، خاصة أعمامه ووالدته ووالده. يدرس بالصف الثانى الثانوى الأزهري، إلى جانب دراسته بالصف الثانى فى معهد القراءات، وظهرت موهبته فى سن مبكرة، فكانت العائلة أكبر داعم له، إذ كانوا فى أى تجمع عائلى يحرصون على الاستماع إليه وإلى شقيقه الحسين.
يحلم الحسن بأن يكون قارئًا عالميًا يجوب صوته دول العالم، ويتخذ من كبار قراء مصر قدوة له، حيث يحرص على الاستماع إلى الشيخ محمد صديق المنشاوي، والشيخ مصطفى إسماعيل، الذى يرى أن صوته مدرسة متكاملة فى المقامات، إلى جانب الشيخ عبدالباسط عبدالصمد، والشيخ أحمد نعينع. أما فى مجال الابتهالات، فيفضل الاستماع إلى الشيخ كامل يوسف البهتيمي، والشيخ طه الفشني، والشيخ محمد عمران، والشيخ نصر الدين طوبار.
شارك الحسن فى عدد من المسابقات المحلية، وحصد المركز الأول فى أكثر من مرة. وكان من أبرز مشاركاته مسابقة الإمام الأكبر شيخ الأزهر الشريف، التى شارك فيها برفقة شقيقه الحسين، حيث اجتازا معًا الدورين الأول والثاني، فى تجربة وصفها بأنها من أهم المحطات فى مشوارهما القرآني. كما شارك برفقة شقيقه الحسين فى مسابقة الحديدى الدولية للقرآن الكريم، وتمكّن من التأهل إلى الدور الثاني، ولا يزال فى انتظار النتيجة.
ويطمح الحسن إلى الجمع بين القراءات العشر، وأن يكون داعية إسلاميًا من خلال الالتحاق بكلية أصول الدين، إلى جانب كونه حافظًا لكتاب الله.
أما شقيقه التوأم الحسين حسام رزق بركات، فيتشابه مع الحسن فى أغلب الصفات، فهو رفيقه فى حفظ القرآن، وشريكه فى الابتهالات التى يتلوانها داخل محيط الأسرة. ويوضح الحسين أنهما يشتركان فى كل شيء تقريبًا؛ فقد ختما القرآن معًا، ولديهما هاتف واحد يستمعان من خلاله إلى المشايخ، ويتلوان القرآن معًا بشكل يومي، الأمر الذى عزز من ارتباطهما بالقرآن.
تلقى الحسين علومه القرآنية على يد الشيخ أمين رمضان، والشيخ عوض فضيلة، والشيخ عبدالله شكشكوك، رئيس لجنة الفتوى بمركز حوش عيسى، ويطمح إلى الالتحاق بكلية اللغة العربية، مع هدف واضح يتمثل فى التخصص فى القراءات العشر الكبرى والصغرى، واستكمال دراسته بالحصول على درجتى الماجستير والدكتوراه من خلال كلية علوم القرآن الكريم.
ووجّه الحسين رسالة إلى الشباب، مستشهدًا بقول النبى ﷺ: «من أراد الدنيا فعليه بالقرآن، ومن أراد الآخرة فعليه بالقرآن، ومن أرادهما معًا فعليه بالقرآن»، مؤكدًا أن القرآن كان الداعم الأكبر لهما فى الدراسة والحياة، وساهم فى تقويم أخلاقهما، حتى أصبحا معروفين فى قريتهما بحسن الخلق والالتزام، فى صورة تعكس أثر القرآن فى النفوس، وتؤكد أن دولة التلاوة المصرية لا تزال عامرة بالأصوات الواعدة.