رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

«المحروسة».. منارة الصوت القرآنى


20-2-2026 | 14:25

.

طباعة
تقرير: أميرة صلاح

«القرآن نزل فى مكة، وطُبع فى إسطنبول، وقُرئ فى مصر».. ليست هذه العبارة مجرد شعار عابر، بل هى توثيق لظاهرة فريدة جعلت من مصر «دولة التلاوة» والمختبر الأكبر الذى انصهرت فيه الحروف القرآنيّة بالمقامات الموسيقية الفطرية، لتخرج للعالم صوتاً لا يخطؤه قلب.

 
 

احتضنت مصر القرآن الكريم فى قلوب أبنائها قبل أن تحمله حناجر قرّائها، فامتلأت مساجدها بزخّات التلاوة، وترددت آيات الذكر الحكيم فى أحيائها وقراها، حتى صار الاستماع إلى القرآن جزءًا أصيلًا من وجدان الشعب المصري. ومع بدايات القرن العشرين، بدأت ملامح المدرسة المصرية فى التلاوة تتشكل بوضوح، حيث بزغ نجوم كبار حملوا لواء هذا الفن الرفيع، فجمعوا بين العلم بأحكام التجويد، وروعة الصوت، وصدق الأداء، والقدرة على التأثير فى النفوس.

ومن بين هؤلاء الأعلام برزت أسماء خالدة سكنت القلوب قبل الأسماع، مثل الشيخ محمد رفعت الذى عُرف بصوته الملائكى وخشوعه العميق، والشيخ مصطفى إسماعيل الذى تميز ببراعته فى التنقل بين المقامات، والشيخ عبد الباسط عبد الصمد الذى أصبح صوته سفيرًا للقرآن فى أنحاء العالم، والشيخ محمود خليل الحصرى الذى كان رمزًا للإتقان والدقة، وغيرهم كثير ممن صنعوا مجد التلاوة المصرية. لقد تحولت أصواتهم إلى تراثٍ حى تتناقله الأجيال، وأصبحت تلاواتهم مرجعًا يُحتذى به فى الأداء الصحيح المتقن.

ولم يكن هذا التميز وليد الصدفة، بل كان ثمرة بيئة علمية وروحية احتضنت القرآن وعلومه، وفى مقدمتها الأزهر الشريف، الذى ظلّ على مدار قرون منارةً لتعليم القراءات وعلوم التجويد، ومقصدًا لطلاب العلم من مختلف أنحاء العالم الإسلامي. ففى رحابه تلقّى آلاف الطلاب علوم القرآن، وعادوا إلى بلدانهم يحملون معهم روح المدرسة المصرية وأسلوبها المميز فى التلاوة.

كما أسهمت الإذاعة المصرية منذ إنشائها فى نشر هذا الفن الراقي، إذ خصصت مساحات واسعة لبث التلاوات القرآنية، فدخلت أصوات القرّاء المصريين كل بيت، ليس فى مصر وحدها، بل فى العالم العربى والإسلامى بأسره. ومع انتشار التسجيلات والأسطوانات، ثم وسائل الإعلام الحديثة، اتسعت دائرة التأثير، وأصبح الصوت المصرى علامةً مميزة فى المحافل الدولية والمسابقات القرآنية.

وهكذا، بينما كان مهبط الوحى فى الجزيرة العربية، كانت مصر عبر تاريخها الحديث والمعاصر منبر التلاوة ومهد المدرسة الصوتية التى صاغت وجدان الملايين. فقد جمعت بين العلم والإحساس، وبين الالتزام بأحكام التلاوة وروعة الأداء، حتى استحقت عن جدارة لقب “دولة التلاوة”، وظل صوتها القرآنى شاهدًا على مكانتها الرائدة فى خدمة كتاب الله، ونشر نوره فى القلوب قبل الأسماع.

وفى هذا السياق، أكد الشيخ محمود مهنى، عضو هيئة كبار العلماء، أن برنامج «دولة التلاوة» يُعد من أعظم المبادرات التى أطلقتها الدولة المصرية فى خدمة القرآن الكريم، مشيرًا إلى أنه يعكس اهتمام القيادة السياسية، وعلى رأسها الرئيس عبد الفتاح السيسي، برعاية أهل القرآن واكتشاف المواهب الجديدة من القرّاء الشباب، وموضحا أن «البرنامج نجح فى إظهار أصوات متميزة تمثل امتدادًا طبيعيًا لمدرسة التلاوة المصرية العريقة، التى طالما أبهرت العالم الإسلامى بإتقانها وروحانيتها».

وأشار «د. مهنى» إلى أن مصر لها مكانة خاصة فى مجال تلاوة القرآن الكريم، مستشهدًا بما يُروى عن الملك عبد العزيز آل سعود عندما استمع إلى الشيخ محمود البيجرمى فى القاهرة، فقال: «سبحان الله، نزل القرآن فى مكة والمدينة وقُرئ فى مصر»، فى تعبير عن تقديره لمستوى الإتقان الذى يتميز به القرّاء المصريون، مؤكدًا أن هذا يعكس فضل الله على مصر؛ إذ وهبها أجيالًا من الحفّاظ المتقنين الذين يجمعون بين أحكام التجويد وروعة الأداء وحسن الصوت.

وأضاف أن «هذه النعمة الربانية تضع على عاتق الجميع مسئولية كبيرة للحفاظ على هذا الإرث العظيم، ومصر كما منَّ الله عليها بجيش قوى يحمى أمنها واستقرارها، فقد منَّ عليها كذلك برجال حملوا راية القرآن الكريم، فصاروا سفراء له فى مختلف دول العالم، والعديد من الدول العربية والإسلامية، بل وحتى غير الإسلامية، تحرص على استضافة قرّاء مصر لإحياء لياليها ومناسباتها الدينية، لما يتمتعون به من مكانة علمية وصوتية رفيعة».

واستشهد الشيخ محمود مهنى بقول الله تعالى: «وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ»، موضحًا أن القرآن الكريم شرف عظيم ورفعة لأهله، وأن خدمة كتاب الله مسئولية سامية تستوجب الإخلاص والإتقان. كما استشهد بقول الشاعر:

جاءَ النبِيّونَ بِالآياتِ فَانصَرَمَتْ

وَجِئتَنا بِحَكيمٍ غَيرِ مُنصَرِمِ

آياتُهُ كُلَّما طالَ المَدى جُدُدٌ

زَيَّنَهُنَّ جَلالُ العِتقِ وَالقِدَمِ

كما وجه الشكر والتقدير لكل منْ يسهم فى خدمة القرآن الكريم، من مؤسسات الدولة ووزارة الأوقاف ولجان التحكيم والعلماء، الذين يعملون بأمانة وإخلاص للحفاظ على مكانة مصر الرائدة كـ«دولة التلاوة».

وفى ذات السياق، أكد الشيخ أحمد المالكي، أحد علماء الأزهر الشريف، أن مصر ستظل «دولة التلاوة»، بما تمتلكه من مدرسة قرآنية فريدة جمعت بين العلم والإتقان وروعة الأداء، حتى أصبحت نموذجًا يُحتذى فى العالم الإسلامي، مشيرا إلى أن المقولة الشهيرة: «القرآن نزل فى مكة، وطُبع فى إسطنبول، وقُرئ فى مصر» لم تأتِ من فراغ، بل تعكس مكانة رسختها مصر عبر عقود طويلة من العطاء فى خدمة كتاب الله تعالى.

وأوضح أن «تلاوة القرآن الكريم عبادة متجذرة فى وجدان المصريين، تتجلى بوضوح فى شهر رمضان، حيث تمتلئ المساجد بالأصوات الخاشعة، وتتحول البيوت إلى محاريب عامرة بالذكر، مضيفا أن المدرسة المصرية فى التلاوة تتميز بثراء إنسانى وفنى فريد؛ إذ جمع القراء المصريون بين حلاوة الصوت، والدراسة الدقيقة لأحكام التجويد، والإلمام بالقراءات، فضلًا عن الإحساس العالى بالمعنى، وهو ما منح التلاوة المصرية طابعها الخاص المؤثر».

وأشار الشيخ المالكي، إلى أن «مكانة مصر العلمية جعلت شيخ المقارئ المصرية يُلقب بـ«شيخ الدنيا»، ولم يكن يُعتمد أى مصحف إلا بعد مراجعته من لجنة المصحف بالأزهر الشريف ومشيخة القراء، فى دلالة واضحة على الثقة الكبيرة فى المنهج الأزهرى ودقته العلمية»، لافتا إلى أن «شهادات التقدير جاءت من خارج مصر أيضًا، حيث وصف بعض قراء كردستان العراق القراء المصريين بأنهم «يجتازون عتبات الأذن» ليصلوا بالمستمع إلى «قمة النشوة القرآنية»، فى إشارة إلى قوة التأثير الروحى الذى تتميز به التلاوة المصرية».

كما أشار إلى عدد من المؤلفات التى وثّقت هذه المدرسة، مثل «ألحان السماء» و«سفراء القرآن الكريم» و«عباقرة التلاوة فى القرن العشرين»، والتى تناولت مسيرة أعلام كبار، منهم الشيخ محمد رفعت، والشيخ محمود خليل الحصري، والشيخ محمود على البنا، والشيخ مصطفى إسماعيل، والشيخ محمد صديق المنشاوي، وغيرهم ممن صنعوا مجد التلاوة فى القرن العشرين، موضحًا أن «سر هذا التفوق يعود إلى ما يمكن تسميته بـ«مثلث صناعة القارئ المصري»، والمتمثل فى الكُتّاب الذى يبدأ فيه الحفظ المبكر، والأزهر الشريف الذى يضبط الأداء علميًا، ثم طبيعة المجتمع المصرى الذى يمنح القارئ مكانة رفيعة ويصقل ذوقه الفنى والروحي».

واختتم الشيخ أحمد المالكى تصريحاته، بالتأكيد على أن «القارئ المصرى الحقيقى هو حامل رسالة، يؤدى القرآن بوقار وخشوع وترسّل، ويجعل المعنى حاضرًا فى أدائه قبل المقام»، مشددًا على أن مصر ستظل – بإذن الله – منارةً للتلاوة، ما دام كتاب الله حاضرًا فى وجدان أبنائها ومؤسساتها العلمية.

فيما أكد الشيخ محمد حشاد، نقيب قراء القرآن الكريم، أن مصر ستظل «دولة التلاوة» بلا منازع، بما تمتلكه من إرث تاريخى عريق ومدرسة متفردة فى الأداء والتجويد، جعلتها قبلة لعشاق القرآن الكريم فى مختلف أنحاء العالم.

وقال «حشاد» إن المقولة الشهيرة «القرآن نزل بمكة، وطُبع بالشام، وقُرئ فى مصر» تعكس حقيقة راسخة، مفادها أن مصر هى التى علَّمت الدنيا تلاوة القرآن مجوداً ومرتلاً، مشيراً إلى أن الله وهب القارئ المصرى لهجة سهلة وأداءً واضحاً يصل إلى القلوب دون تكلف. وأضاف أنه لمس ذلك بنفسه خلال زياراته لما يقرب من ثلاثين دولة، حيث كان الجمهور يلتف حول القارئ المصرى تحديداً، تقديراً لعذوبة صوته وإتقانه للأحكام.

وأوضح نقيب القراء أن ما نعيشه اليوم من حراك لإحياء «دولة التلاوة» هو امتداد طبيعى لدولة قديمة، سبقت حتى عصر الإذاعة، وضمت أسماء لامعة مثل الشيخ على محمود والشيخ محمد جبلة، ثم جاء عصر الإذاعة ليشهد ميلاد عمالقة كبار، على رأسهم الشيخ محمد رفعت، والشيخ مصطفى إسماعيل، والشيخ عبد الباسط عبد الصمد، والشيخ محمود خليل الحصري، والشيخ محمود على البنا، وغيرهم ممن أسسوا مدرسة مصرية خالصة فى التلاوة.

وأشار إلى أن الدولة تولى اهتماماً واضحاً باكتشاف المواهب الجديدة ورعايتها، من خلال مسابقات منظمة، بالتعاون بين وزارة الأوقاف والشركة المتحدة للإعلام، بهدف إعادة تقديم أصوات مصرية متميزة إلى الساحة. لكنه شدد فى الوقت نفسه على أن الموهبة وحدها لا تكفي، فهناك أطفال وشباب يمتلكون أصواتاً ندية وحفظاً متقناً، إلا أنهم فى حاجة إلى رعاية علمية متخصصة، لصقل أدائهم وتصحيح ما قد يشوب تلاوتهم من أخطاء.

واقترح «حشاد» إلحاق الموهوبين بأكاديمية الأوقاف العالمية بمدينة السادس من أكتوبر، لتلقى التدريب على أيدى كبار المتخصصين، مع ضرورة تصنيف المتسابقين إلى فئات عمرية متقاربة، حتى تتحقق الاستفادة وتبادل الخبرات بشكل عادل، مؤكداً أن الصغار يحتاجون دائماً إلى توجيه «أهل الخبرة» حتى لا تضل بهم الطريق.

وفيما يتعلق بعلم التجويد، شدد نقيب القراء على أنه علم لازم لا غنى عنه، مستشهداً بقول الإمام ابن الجزري: «منْ لم يجوّد القرآن آثم»، موضحاً أن التجويد يمنح القارئ القدرة على الوقف والابتداء الصحيحين، ويساعده على إيصال المعنى التفسيرى بدقة للمستمع. وأكد أن القرآن لا يُتلقى إلا بالمشافهة، وجهاً لوجه عن معلم متقن، اقتداءً بسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذى تلقاه عن سيدنا جبريل عليه السلام، لافتاً إلى أن مخارج الحروف وصفاتها لا يمكن إتقانها من الكتب وحدها.

ووجّه «حشاد» نصيحة مباشرة للقراء الشباب، دعاهم فيها إلى الاستماع للمدرسة المصرية الأصيلة، وفى مقدمتها الشيخ الحصرى فى الترتيل، والشيخ عبد الباسط والشيخ مصطفى إسماعيل فى التجويد، محذراً من التعجل فى طلب الشهرة قبل إتمام الحفظ وإتقان الأحكام ومجالسة الكبار. كما أشار إلى إمكانية الاستفادة من دراسة المقامات الصوتية لتحسين الأداء، بشرط ألا يكون ذلك على حساب أحكام التجويد.

وأكد نقيب قراء القرآن الكريم على أهمية دعم إذاعة القرآن الكريم المصرية، باعتبارها أول إذاعة فى العالم تُعنى ببث القرآن مرتلاً، ومشدداً على أن الحفاظ على مكانتها الريادية هو حفاظ على هوية مصر القرآنية وتاريخها الممتد فى خدمة كتاب الله.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة