رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

رمضان إللى عشناه وعايش جوانا


19-2-2026 | 18:51

.

طباعة
بقلـم: أحمد النبوى

الكتابة عن شهر رمضان مجهدة جدًا فى التفكير خصوصًا عندما تجد أن كل أفكارك عن شهر رمضان تحن إلى الماضى إلى رمضان الذى ارتبطت به منذ طفولتك وما تحمله من ذكريات كثيرة لا تنتهى تدخل البهجة والسعادة على الروح لمجرد التفكير بها وتقع فى فخ المقارنة مع ما نعيش فيه الآن وتتساءل، هل تغير شهر رمضان؟ أم أننا نحن الذين تغيرنا؟

 

الإجابة أن رمضان هو نفس الشهر الكريم ونفس الطقوس الدينية، فالجميع يواظب على الصلاة فى المسجد وصلاة التراويح والأغلبية تحرص على صلاة الفجر ونختم القرآن الكريم ونحاول أن نتقرب إلى الله وأن يشملنا بعفوه وكرمه علينا بإدراك ليلة القدر، ومن هذه الإجابة علينا أن نعترف بأن الشهر الكريم لم يتغير ولكننا نحن مَن تغيرنا اجتماعيًا وليس دينيًا، ولا أقصد هنا العمر ولكن المجتمع والسرعة فى الحياة التى نعيشها وأننا فى حالة تباعد مجتمعى مستمر لأن أهم ما يميز ذكرياتنا عن رمضان كانت التجمعات العائلية والأصدقاء و(اللمة الجميلة) التى لا تتوقف إلا بعد انتهاء العيد، ولا أقصد من حديثى هذا الهروب إلى الماضى من الحاضر، ولكنها محاولة لتعريف الجيل الجديد بطقوس الماضى وكمحاولة لتواصل الأجيال حتى لو كانت بمجرد ذكريات عن ارتباطنا بشهر رمضان بداية من صناعة الزينة وتعليقها سواء فى الشارع مع الجيران أو داخل المنزل مع الإخوة والعائلة، وهنا تجد أن الزينة ما زالت موجودة بأشكال جميلة ومتنوعة، ولكنها جاهزة تشتريها من المحلات وتعلقها فى ثوانٍ معدودة، وهنا لا تجد أى متعة حقيقية، خاصة عندما يعلم أبناء الجيل الجديد أننا كنا نقوم بصناعة الزينة بورق الكشاكيل القديم والخيط والغراء ويتم تعليقها فى كل بلكونات الشارع ونقوم بصناعة الفانوس من (الورق القزاز) يغطى الهيكل الخشبى ونضع (لمبة بداخلة) ويكون سلكها طويلاً، ويتبرع أحد الأهالى باستضافة (الفيشة) طوال الشهر لإنارة الفانوس والشارع؛ هذه الكلمات القليلة تعكس ساعات من المتعة والتجهيزات والتعاون بين أطفال الشارع والأهالى للاحتفال بقدوم رمضان، وهى نفس المتعة عندما يصطحبك الأب أنت وإخوتك للذهاب لشراء فانوس رمضان جديد أو حتى استخدام القديم سواء بشراء شمع صغير له أو بطاريات حسب نوعه ولم تكن المتعة فى امتلاك الفانوس بقدر ما كانت المتعة باللعب بالفانوس مع الإخوة وأطفال العائلة والأصدقاء بالشارع، وأهم ما يميز الشهر الكريم لمة العائلة كلها على مائدة واحدة والعزومات والكنافة والقطايف والخشاف وترقب لحظة أذان المغرب كل يوم بصوت الشيخ محمد رفعت وأدعية الشيخ النقشبندى والمسحراتى لعم فؤاد حداد وبصوت الشيخ سيد مكاوى، وفى آخر أيام رمضان طبعًا لبس العيد وعمل الكحك والبسكويت، والتى كانت مشاركة الأطفال فى صناعتها متعة ما بعدها متعة.

من الممكن أن تكون ذكرياتنا مع رمضان مختلفة بعض الشىء عن بعضنا فى التفاصيل، ولكن مصر بأكملها ومعها أغلب شعوب العالم العربى تجمعوا فى ذكريات واحدة لا يمكن أن يختلف عليها اثنان وهو التجمع حول التليفزيون لمشاهدة أعمال محفورة فى وجدان كل فرد فى الوطن العربى مثل ليالى الحلمية والمال والبنون ورأفت الهجان وفوازير رمضان نيللى وشريهان وفطوطة وسمورة وألف ليلة وليلة وبكار وبوجى وطمطم وعمو فؤاد والمسلسل الدينى وبرامج المسابقات وبدون كلام، وكان بعد الفطار على طول مسلسل إذاعى و«أغانى رمضان جانا ووحوى يا وحوى ومرحب شهر الصوم مرحب»، وغيرها من الأعمال المختلفة، والأغانى كثيرة ارتبطت معنا بشهر رمضان وحتى الآن عندما نسمعها أو نشاهدها فى أى وقت من العام على الفور نتذكر شهر رمضان.

والمتعة الحقيقية فى هذه الذكريات الجميلة أنك عندما تستعديها تشعر بداخلك بإحساس الماضى وبالسعادة والفرحة مهما كنت متوترًا أو «قلقان» أو حجم المسئوليات الواقعة على عاتقك ستجد أنك أصبحت ذلك الطفل الذى تعرفه من الماضى.

فالسرعة التى نعيش فيها تجعلنا نجرى ونلهث باللحاق بها ومع التقدم التكنولوجى والتنوع فى وسائل الحياة المختلفة أصبح أبناء الجيل الجديد مسجونًا بزنزانة انفرادية بداخل شاشة هاتفة المحمول معتقدًا أنه بذلك يمارس أقصى أنواع الحرية الشخصية، لذا لم أكتب عن رمضان اللى عشناه وعايش جوانا على أمل أن يقرأ أبناء الجيل الحالى ويشكل فرقًا معهم ولو بجزء بسيط فى حياتهم وطريقة تفكيرهم ومنحهم مزيدًا من المعلومات عن تاريخينا، وحتى إن فشلت المحاولة فى الوصول إلى أبناء الجيل الحالى ومن ضمنهم بناتى فيكفينى ما أشعر به من سعادة وفرحة، وأنا أكتب تلك الذكريات والتى قد تشكل فارقًا مع مَن يقرأ من أبناء جيلى ويتذكر هو الآخر رمضان اللى عشناه وعايش جوانا.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة