رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

حكايات من دفتر المواطنة الشعبية (2) يوم خلعت منوف النقاب عن وجهها الصبوح


19-2-2026 | 18:55

.

طباعة
بقلم: حمدى رزق

ورثت أمى الكحل الأسود وفنونه من أمها روحية، ولكنها أهملت الشَّشْم الأبيض، اختفى تمامًا من بيتنا كما اختفت البركة، واشتعلت الأسعار نارًا، ولم يعد أجر والدى اليومية كافيًا، فاضطرت والدتى إلى بعض الأعمال الإضافية كتقطيف السمر فى صناعة الحصير.

أصبحت أمى هى الركن الثانى لأسرتنا الصغيرة، ولكنه الركن الأهم، فمع عملها فى المعهد الإلكترونى بمنوف لساعات طوال، كانت تقوم بشئون البيت كله، أصبحت أمى ست الستات، تحمل كل الأعباء بنفس راضية، وتحمد الله على ما رزقها، وتبتسم ابتسامة الرضا فى السراء والضراء.

 

 

وعندما ماتت أمى رجاء بنت عبد اللطيف بن موسى نصر، كنت فى سرى أناديها (رجاء من الله)، وخشيت انقطاع الرجاء الإلهى برحيلها، شعرت أننى سأسير عاجزًا من قسوة الفقد، فقد كان الألم الذى انتابنى ثقيلًا لدرجة أنه أعجز قدمى عن الحركة لأيام، فقد ماتت جميلة الجميلات التى حملتنى فى بطنها ثم حملتنى فى حياتى كلها بعد ذلك.

**

وكان المعهد الإلكترونى شهيرًا وقتها، ومقصدًا للصعايدة من أسيوط والمنيا، وهذا المعهد تحديدًا لعب دورًا خطيرًا فيما شهدته منوف من تغيير فى بنيتها الاجتماعية، جلب الجماعات المسماة وقتئذ بـ«الإسلامية» قبل افتضاح تطرفها وإرهابها إلى مدينة منوف، وترك بصماته الغائرة على تركيبتها السكانية .

قبله «قبل الطوفان» كانت منوف مدينة راقية، متحضرة، ترتدى بنات الناحية البحرية، الحى الإفرنجى، أو حى الأفندية، ما يحلو لهم من ثياب آمنين مطمئنين .

الناحية البحرية كانت موطن كبار الموظفين، والعائدين من الخليج إلا العائدين من العراق، فهؤلاء أبناء الناحية القبلية، العراق كانت مصدر رزق الناحية القبلية، وتسببت فى خراب الناحية، عندما سافر شبابها جماعات إلى بغداد وأجوارها، وكما سحبت الكويت شباب سوهاج، سحبت العراق شباب منوف، وغالبية بيوت عزبة المغربى المبنية من الطوب الأحمر من حصاد رحلة الشقاء إلى العراق.

لم تعرف عزبة المغربى التسجيلات أم اتنين سماعة إلا مع العائدين من العراق، كما لم تعرف الناحية البحرية البناء بالمسلح إلا مع العائدين من السعودية والكويت، لا أعتقد أن قطر أو البحرين أو الإمارات استقبلت منايفة.

مع القادمين من الصعيد إلى منوف، عرفت البلدة التجارية التى لا ينافسها فى المحافظة سوق، عرفت اللحى والجلابيب القصيرة، عرفت التطرف، وخافت البنات على نفسها، وانتشر الحجاب وتطور إلى نقاب، منوف تحجبت، وصار خروج فتاة إلى الشارع بدون حجاب من العيب، بنت متربتش، أو ناقصة رباية، وتبعها اختفاء محلات المشروبات الروحية، وكانت الأسارية «الميدان الأوسط» فقط بها محلَّان لبيعها، قبل أن تختفى مثل هذه المسميات تمامًا من المدينة الصغيرة .

وفيما لم تزد الكنيسة الوحيدة فى منوف شبرًا واحدًا عما تركتها الإبراشية، شهدت النواحى الأربع للمدينة حركة بناء مساجد، حتى توارت المساجد القزمية القديمة بأعلامها الشهيرة تحت وطأة زخرف المساجد الجديدة التى أمَّها الإخوان والسلفيون، وسيطروا على الحراك الدينى فى مدينة لم تعرف الطائفية، الحركة التجارية لم تصمد طويلًا أمام الغزو الممنهج للتدين القشرى الذى بات يلعب برءوس الشباب، واختفت مظاهر المدنية تمامًا، إلا أخيرًا مع ثورة الشباب الذى أعاد لمنوف أنوارها من جديد، وعادت الحركة التجارية نشطة مدفوعة بملايين مُمَلينة لا أحد يجد تفسيرًا لها سوى تجارة العقارات وأشياء أخرى.

منوف التى ظن الإخوان يومًا أنها صارت إخوانية هى المدينة الوحيدة فى عموم القطر المصرى التى قالت لدستور الإخوان 2012 «لا» غليظة، ووقفت فى حلوقهم طويلًا، وحاولوا كثيرًا اختراق بنيتها البشرية، فلم يفلحوا، ورغم ما بدا ظاهرًا للعيان من سيطرة اللحى والجلباب والحجاب، إلا أن المدنية والتعليم والثقافة عبرت عن نفسها فى وضوح الشمس، ووقت سلَّمت القاهرة رايتها للإخوان، وسلَّمت شقيقتها الإسكندرية رايتها للسلفيين، أبت المنوفية، ولم يتمكن الإخوان من تنصيب محافظ إخوانى على المنوفية، ولم يدخل مبنى المحافظة فى شبين الكوم المحافظ الإخوانى، سدَّ أبناء المنوفية الباب بأجسادهم .

ويوم انتخابات الجنرال أحمد شفيق ضد مرشح الإخوان محمد مرسى وقفت المنوفية مع شفيق، لدرجة وصفها بـ(محافظة المليون شفيق)، حصل شفيق على ما يزيد على المليون صوت من المنوفية، وكانت الطليعة من مركز منوف الذى حار الإخوان فيه طويلًا، ولم يفكر مرسى فى عنفوانه أن يتحدى المنايفة، أجَّل السيطرة عليها حتى يستتب لهم الأمر فى منطقة القناة، وكان فُرض عليها حظر تجوال فاشل، لم يُطبَّق منه الجيش سوى الشكل، أما الجوهر فتجسد فى شعار الجيش والشعب إيد واحدة، وكان من مظاهره مباريات الكرة بين جنود الجيش وشباب المدن الثلاث ليلًا فى ظل حظر التجوال الإخوانى الظالم.

ويوم 30 يونيو كان من أيام منوف المجيدة، تنادت الجوامع على الناس بالخروج، ودقت الكنيسة أجراس الفرح، وطاف فى منوف المنادى يعلن نهاية الإخوان، وينادى على الإخوان ومنْ والاهم: منْ لزم قعر بيته فهو آمن، وحلق المتأخونون لحاهم، وارتدوا الثياب المدنية، ومكثت منقباتهن فى البيوت، وخلت منوف إذ فجأة من الإخوان والتابعين.

كانت فرحة أختى «نادية» الله يرحمها عظيمة، وخرجت مع النسوة الخارجات، شكَّلن مظاهرة نسائية ضد الإخوان، وهتفن بسقوط المرشد، لسبب أننى كنت من ألدّ أعداء الإخوان، وتتهمهم (نادية) دومًا بأنهم وراء استقالتى من رئاسة تحرير مجلتنا الحبيبة «المصور»، وكانت تخشى على حياتى قدر ما تسمع عن إجرامهم، ويصلها الدعاء على شخصى فى مساجدهم بالمدينة .

وعاشت نادية والعائلة أيامًا وليالى قاسية تستمع للمذيع القروى «توفيق عكاشة» صاحب الصيت الذائع، والذى كان يمر على اسمى ومقالاتى فى «المصرى اليوم» كثيرًا، ويمجد ويعظم فى موقفى العتيد من الإخوان، وكان هذا يخلع قلب أختى، وبدلًا من مكالمة واحدة يوميًا تعددت المكالمات للاطمئنان، وكادت تترك بيتها عندما تعرضت لتهديدات، وفكرت أن أعود إلى منوف حتى تنزاح الغمة الإخوانية ولكن هيهات، النداهة (القاهرة) لا تزال تمسك بخناقى.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة