حبا الله سلطنة عُمان موقعاً استراتيجياً فريداً في الركن الجنوبي الشرقي لشبه الجزيرة العربية، يربط بين الشرق والغرب، ويشرف مباشرة على مضيق هرمز وبحري العرب وعمان، هذا الموقع المتميز يمنحها سهولة الوصول إلى الأسواق العالمية في آسيا وأفريقيا، ويجعلها بوابة تجارية واقتصادية حيوية، تجمع بين سواحل طويلة وسلاسل جبلية وبيئة متنوعة.
مكَّن هذا الموقع الفريد لسلطنة عُمان من تقديم نفسها كـ"حل لوجستي" للشركات والدول الباحثة عن مسارات أكثر أمانًا، خاصة مع التوجه العالمي لتنويع سلاسل الإمداد وتقليل الاعتماد على نقاط محدودة.
وتعتبر الموانئ العُمانية أحد الأذرع الرئيسية التي اعتمدت عليها سلطنة عُمان في دفع التحول الاقتصادي وربط الداخل بالخارج على أُسُس عمليَّة؛ فالتعامل مع الموانئ خرج من إطار الخدمة اللوجستيَّة الضيِّق إلى رؤية أوسع تَعدُّها أدوات لإدارة الموقع وتعزيز دَوْر السَّلطنة داخل حركة التجارة العالميَّة، وذلك بسبب النقلة النوعية التي حققتها في النمو الاقتصادي الإقليمي والدولي من خلال تمركزها على خارطة خطوط الشحن العالمية.
يَقُوم هذا التَّوَجُّه الجديد على ربط الميناء بالصناعة وسلاسل الإمداد والاستثمار، بحيثُ يتحول الموقع الجغرافي إلى قِيمة مضافة حقيقيَّة تدعم التنويع الاقتصادي، وتزيد من قدرة الاقتصاد الوطني على التكيُّف مع المتغيِّرات الدوليَّة.
ولعل هذا التوجه جاء نابعاً من قراءة عميقة لطبيعة التحديات والصراعات الإقليمية والدولية، فالنزاعات الجيوسياسية، أدت إلى تباطؤ النمو، وارتفاع تكاليف الشحن والطاقة، والاعتماد المفرط على ممرات محدودة.
وفي خضم هذه التحولات، رسخت الموانئ العُمانية مكانتها ضمن عناصر المشهد الاقتصادي، لا بوصفها مرافق خدمية، بل كروافد استراتيجية تؤثر في الأمن الاقتصادي العالمي، فاستثمرت عُمان في موقعها الجغرافي الفريد، لتقدّم موانئ الدقم وصحار وصلالة كممرات استراتيجية موثوقة في وقت يبحث فيه العالم عن الاستقرار والأمان.
ويُعد ميناء الدقم حجر الزاوية في الاستراتيجية اللوجستية العُمانية؛ فالميناء، الذي يقع ضمن المنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم، لا يُختزل في كونه رصيفًا بحريًا، بل يمثل منظومة متكاملة تجمع بين الميناء التجاري، والمنطقة الصناعية، والمنطقة اللوجستية، والبنية الأساسية للطاقة والصناعات الثقيلة ووفق بيانات رسمية، كما يتمتع الميناء بقدرة على استقبال السفن العملاقة، وموقع مفتوح مباشرة على المحيط الهندي وطرق الملاحة الدولية، ما يقلل زمن الرحلات وتكاليفها، ويمنحه ميزة تنافسية واضحة في زمن أصبحت فيه الكفاءة عاملًا حاسمًا.
وتشمل الأفضليات التنافسية الأخرى التي يقدّمها ميناء الدقم خاصية اندماج الميناء التام مع المنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم التي تسجّل صعودًا سريعًا لتصبح أحد أكثر المراكز اللوجيستية تنافسيةً وفعاليةً في الخليج العربي. وإلى جانب الميناء ذو المستوى العالمي، تضمّ هذه المنطقة مصفاة نفطٍ بسعة 230 ألف برميل يوميًا، وتجمعات صناعية ثقيلة ومتوسطة وخفيفة، ومناطق سكنية وتجارية، ومنطقة سياحية ومطارًا دوليًا. ففي هذه المنطقة، يستفيد المستثمرون من إمكانية تملّك أجنبي كامل للمشاريع، وإعفاء من الضرائب على الدخل لمدة تصل إلى 30 سنة قابلة للتجديد اعتبارًا من تاريخ إنشاء الشركة، وحقوق انتفاع من أراضي الدولة لمدة تصل إلى 99 سنةً قابلةً للتجديد، وإعفاء تام من ضرائب الاستيراد وإعادة التصدير، وإعفاء تام من ضريبة الدخل للأفراد العاملين.
ولذا تتسابق الشركات العالمية للاستفادة من الخدمات التي تعرضها المنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم. فقد كشفت الاحصاءات الرسمية عن تجاوز الاستثمارات المُعلنة في المنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم نحو 6.3 مليار ريال عُماني (أكثر من 15 مليار دولار)، موزعة على قطاعات الطاقة، والبتروكيماويات، والصناعات التحويلية، والخدمات اللوجستية، وتم إبرام 34 اتفاقية في مختلف القطاعات الصناعية والتجارية والسكنية والسياحية في عام 2019 وحده، وبلغ عدد اتفاقيات الانتفاع التي تتيح للشركات استخدام منشآت المنطقة الحرّة حوالي 200 اتفاقية.
ويأتي ميناء صحار والمنطقة الحُرَّة كأحد النماذج العُمانية الفريدة ضمن سلاسل الإمداد العالميَّة، حيثُ تعمل مرافق الميناء والمنطقة الصناعيَّة والاستثماريَّة في سياق منظومة واحدة متكاملة؛ تَقُوم على التخطيط الإستراتيجي طويل الأمد، وهو ما انعكس في نُمو حركة التجارة وارتفاع ثقة خطوط الشحن والمستثمرين، استناداً إلى بيئة عُمانية آمنة مستقرَّة، وإدارة واضحة، وبنية أساسيَّة قادرة على الاستمرار في خضم أجواء عالميَّة تتسم باضطراب سلاسل الإمداد وتراجع الموثوقيَّة العالمية.
تكشف قراءة معدلات النُّمو في ميناء صحار والمنطقة الحُرَّة، عن الكثير من الدلالات، فارتفاع إجمالي المناولة من نَحْوِ (62) مليون طن متري في عام 2019 إلى قرابة (72) مليون طن متري بنهاية عام 2025 لا يعكس توسعا تشغيليا فقط، إنما يعكس انتظاما في الأداء والتطور في بيئة دوليَّة مضطربة، شهد العالم فيها اختناقات حادة في سلاسل الإمداد وارتفاعا كبيرا في كلفة النقل واضطرابا في الممرات التقليدية.
كما أن ارتفاع عدد السفن المارة في ميناء صحار من (3144) سفينة إلى (3427) سفينة، خلال ذات الفترة، يُعد مؤشِّراً على الثقة المتزايدة من خطوط الشحن العالمية، وهو ما يكشف عن قدرة الميناء على العمل داخل سلاسل الإمداد العالمية كحلقة يُمكن الاعتماد عليها.
وتم ترجمة هذه الثقة العالمية في الأداء، في مسار الاستثمارات الَّتي استقطبها ميناء صحار والمنطقة الحُرَّة خلال العام 2025؛ فتوقيع ثماني اتفاقيَّات باستثمارات تقارب (968) مليون دولار، وتخصيص نَحْوِ (76) هكتارًا لمشروعات صناعيَّة ولوجستيَّة جديدة، يكشف طبيعة مختلفة لرأس المال الداخل إلى المنظومة.
ولعل الرغبة العالمية في الاستثمارات في الموانئ العُمانية، لا ترتبط فقط بالعائد الاقتصادي، وإنما تسعى إلى الاندماج داخل سلاسل الإنتاج والتصدير، ومن هنا تتقدم فكرة توطين القِيمة المضافة على فكرة الاستفادة من الموقع فقط، حيثُ يتحول الميناء إلى نقطة انطلاق للصناعة والصادرات، لا محطَّة عبور مؤقتة، وهو ما يعكس توافقا برجماتياً مع أولويات التنويع الاقتصادي ويُعزز قدرة الموانئ العُمانية على أداء دورها وفق مستهدفات رؤية "عُمان 2040".
فضلاً عن أنه مع اتجاه الدول والشركات إلى إعادة توزيع المخاطر ورغبتها في الاستثمار في مناخ آمن يتمتع بالاستقرار، باتت الموانئ الواقعة في بيئات مستقرة سياسيًا ذات قيمة مضاعفة، فعُمان، بسياساتها المتوازنة وعلاقاتها الدولية المستقرة، استطاعت أن تقدم نفسها كشريك موثوق، لا يتأثر سريعًا بالاستقطابات الحادة. وهذا العامل غير المادي بات عنصرًا حاسمًا في قرارات الاستثمار طويلة الأجل.
إجمالاً .. يمكن القول أن ميناء صحار والمنطقة الحرة رسّخ مكانته كأحد أبرز النماذج التشغيلية الوطنية التي تُجسّد التحول الاقتصادي على أرض الواقع، عبر منظومة متكاملة تربط بين التجارة والصناعة والاستثمار ضمن بيئة تنافسية عالية الكفاءة، إذ يضطلع ميناء صحار والمنطقة الحرة بدورٍ محوري في تعزيز الربط اللوجستي ورفع تنافسية سلاسل الإمداد، ودعم التنويع الاقتصادي، وتعظيم القيمة المضافة من خلال توطين سلاسل الإنتاج وتنمية المحتوى المحلي، ويعمل كمنظومة وطنية متكاملة تدعم التنمية الشاملة والمستدامة، وترتكز على شراكات راسخة بين الحكومة والقطاع الصناعي والمجتمع المحلي.
وجاءت الفعالية التي نظمها ميناء صحار والمنطقة الحرة مؤخراً بمشاركة عددٍ من المسؤولين والمستثمرين والشركاء، بمثابة منصة جمعت صُنّاع القرار ورواد القطاع لمناقشة فرص النمو وتعزيز الشراكات ذات الأثر، في مرحلةٍ تشهد فيها عُمان تسارعًا اقتصاديًّا ملموسًا خلال السنوات الست الماضية، أسهم في إعادة توجيه الأولويات وتعزيز الاستدامة المالية وتهيئة بيئة أكثر جاذبية للاستثمار، بما يترجم مستهدفات رؤية عُمان 2040 إلى برامج ومشروعات قابلة للقياس، في ظل القيادة الحكيمة للسلطان هيثم بن طارق، سلطان عُمان.