رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

الفارق بين منى زكى وعبدالفتاح القصرى


22-1-2026 | 19:43

.

طباعة
بقلـم: أشرف غريب

رغم انتهاء عام 2025 الذى شهد الاحتفال بخمسينية وفاة سيدة الغناء العربى أم كلثوم، فإنها لا تزال الـ«التريند» الذى يشغل بال الأوساط الإعلامية وربما غير الإعلامية أيضا، ربما بفضل ظهور فيلم «الست» قبل ثلاثة أسابيع من نهاية العام المنقضى والجدل الكبير الذى أثاره الفيلم، أو ما يحب أن يسميه مؤلفه أحمد مراد «شق الصف»، معتبرا أن إحدى مهام الفن الناجح هو قدرته على شقّ الصف وإحداث هذا الحراك الواسع.

فى تقديرى أن حالة الاختلاف التى نشأت حول الفيلم ربما تكون الأقوى تجاه أى فيلم مصرى على مدى تاريخ السينما الروائية الطويلة فى مصر، التى أوشكت على أن تتم عامها المائة، وهى تعكس مدى تغلغل كوكب الشرق أم كلثوم بفنها وشخصها فى نفوس المصريين والعرب، بصورة لم تنَل منها الأيام والسنون التى تفصلنها عن يوم رحيلها قبل خمسين عاما، فى الثالث من فبراير 1975.

وإذا كانت الفنانة منى زكى التى أدت شخصية كوكب الشرق قد طالها هذا الجدل بين متقبل لأدائها والرافض له، فإن غالبيتنا –وأنا منهم– ما زلنا نرى أنها اجتهت قدر ما استطاعت، وتركت نفسها لورق قيل إنه متعوب عليه فوثقت فيه، ولمخرج هو مروان حامد كانت كل أفلامه السابقة تؤكد أنه مخرج كبير له أسلوبه الخاص، ويستطيع أن يتحمل مسئولية فيلم ضخم يستوحى سيرة حياة هذه السيدة العظيمة، التى تجاوز دورها كونها أعظم مطربة وصل إلينا صوتها على مدى تاريخ العرب، إلى واحدة من أكثر النساء تأثيرا فى محيطها العام فى وقت كان بالغ الحساسية من عمر مصر، ومشكلة منى زكى –فى ظنى– ليست فى أن أدواتها كممثلة قد خانتها، وإنما فى أنها قبلت منذ البداية القيام بهذه المهمة الخادعة، فشخصية أم كلثوم بها من المشهيات الدرامية ما تغرى أى ممثلة على قبولها، لكن كان عليها -مهما اجتهدت- أن تدرك أن مقولة الممثل الجيد يؤدى كل الأدوار هى مقولة ملغومة مملوءة بالفخاخ، لأن الحقيقة التى أثبتتها تجارب الآخرين هى أن الدور المناسب للممثل المناسب خاصة إذا كان الممثل سوف يلعب شخصية حقيقية خبرها الناس وعاشوها وشاهدوها لحمًا ودمًا، صوتًا وصورة، عطاء فنيا ومواقف إنسانية ووطنية كحالة كوكب الشرق أم كلثوم، ومن هنا فإن خطأ منى زكى فى تقديرى أنها قبلت الدور من الأساس، ولو كانت استوعبت خطأ مسلسل «السندريلّا» الذى لعبت بطولته قبل سنوات لما وقعت فى خطيئة فيلم «الست»، ومن هنا فقد ظلمت منى نفسها وظلمت قدراتها كممثلة، وخدعها مَن زيّن لها أنها تناسب الشخصية، وخانها ذكاؤها حين قبلت، وخذلها من صاغ لها ماكياجها، ومن قام بتوجيهها أمام الكاميرا، فكانت النتيجة كحال أعظم هداف تاريخى لفريق فى كرة القدم قبل طواعية ودون غصب أو إجبار أن يقف حارسا للمرمى، وهو لا يملك مؤهلات هذا المركز الحساس فى الملعب.

وتحضرنى هنا فى هذا السياق واقعة حدثت عام 1952 بطلاها هما المخرج الكبير أحمد بدرخان والفنان الكوميدى عبدالفتاح القصرى، فقد كان بدرخان يجهز لفيلمه المهم عن الزعيم الوطنى مصطفى كامل، فاختار للزعيم شخصية غير تقليدية تقوم بدوره هو المحامى الشهير أنور أحمد الذى تعهد للمخرج الكبير بأنه لن يستمر فى عالم التمثيل، وأن بطولته الأولى والأخيرة ستكون فقط فى هذا الفيلم، وبالفعل أوفى أنور أحمد بما عاهد عليه مخرج فيلم «مصطفى كامل» لكن بدرخان لم يكتفِ بهذا الاختيار غير التقليدى، وإنما فكر فى مغامرة أخرى، وذات مساء بينما كان عبدالفتاح القصرى المعروف بأدائه لأدوار أولاد البلد يؤدى دوره على المسرح مع فرقة الريحانى فوجئ بمَن يخبره بأن المخرج أحمد بدرخان ينتظره فى مكتب بديع خيرى مدير الفرقة، فهرع إليه القصرى ممنيا نفسه بفيلم يؤدى فيه دور المعلم الذى اشتهر به، لكن المخرج المعروف فاجأ القصرى بما لم يكن يتوقعه، بدأ بدرخان يحكى له فى وجود بديع خيرى عن فيلم «مصطفى كامل» وعن اختياره للمحامى أنور أحمد، وعن ماجدة وأمينة رزق وحسين رياض الأبطال المشاركين بالفيلم، وأنه يتبقى له فى الترشيحات شخصية واحدة، يريده أن يؤديها فى الفيلم، وهنا ابتسم القصرى قبل أن يكمل بدرخان كلامه، وقال له بلغته المحببة: «ما عنديش مانع، وأهى الجلابية جاهزة وكل شيء تمام»، لكن بدرخان فاجأه بأنه لا يريده فى دور معلم، وإنما يريده القيام بدور المحامى على كامل بك شقيق الزعيم مصطفى كامل، وهنا ضحك القصرى ضحكته المعروفة، وقام من مجلسه وهو يقول له: «باشا مين وبيه مين يا عم، ومحامى إيه اللى أمثله؟! أنت عاوز الناس تضحك عليا، أنا أطلع جزار، معلم فى قهوة، حانوتى، عضو فى عصابة ممكن، لكن محامى وبيه ومن بتوع السياسة والكلام المزوق لا يا عم، الناس مش ح تقتنع أو تقبل منى ده، وأنا عارف إيه اللى أنفع فيه وإيه إللى يناسبنى».

وعبثًا حاول بدرخان وتدخل بديع خيرى من أجل إقناعه، لكن القصرى أصرّ على موقفه، وقال له إنه تحت أمره ولكن فى الأدوار التى تناسبه، ثم تركه لاستكمال دوره فى المسرحية التى كان يشارك فيها، فما كان من بدرخان إلا أن اختار محمود المليجى لهذا الدور الذى أداه المليجى على أكمل وجه، لسببين بسيطين هما أن القصرى احترم قدراته كممثل، وأن المليجى بما لديه من قدرات خاصة يستطيع أن يؤدى كل الشخصيات، تماما كرأس الحربة فى كرة القدم الذى يجيد اللعب فى أكثر من مركز فى الفريق.. باختصار: هذا هو الفارق بين منى زكى وعبدالفتاح القصرى.

 
 
 

أخبار الساعة

الاكثر قراءة