رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

مصر تخلد ذكرى أبنائها المخلصين


12-3-2026 | 13:23

.

طباعة
تقرير: منار عصام

تولى الدولة المصرية اهتماما كبيرا بأسر الشهداء، انطلاقا من إيمان راسخ بأن تضحيات أبنائهم ستظل مصدر فخر واعتزاز لكل المصريين، فهؤلاء الأبطال قدموا أرواحهم دفاعا عن أمن الوطن واستقراره، ليبقى الشعب آمنا مطمئنا وتظل مصر قوية قادرة على مواجهة مختلف التحديات، ويأتى هذا الاهتمام ليؤكد رسالة واضحة مفادها أن الوطن لا ينسى أبناءه المخلصين الذين بذلوا أغلى ما يملكون فداء لترابه.

 

ويعد «يوم الشهيد» مناسبة وطنية جليلة تستحضر خلالها مصر بطولات رجالها الذين ضحوا بأرواحهم دفاعا عن الوطن لتقى رايته مرفوعة عاليًا، وفى هذه المناسبة تتجدد مشاعر الفخر والامتنان لشهداء القوات المسلحة، بينما تواصل الدولة جهودها فى دعم ورعاية أسرهم وتخليد ذكراهم وتأكيدا على أن تضحياتهم ستظل نبراسا يضيء طريق الأجيال القادمة.

فى هذا التقرير، التقت «المصور» بأسر الشهداء ليشاركوا قصص أبنائهم الذين ضحوا بأرواحهم فداء لأمن الوطن واستقراره، وتحدثت الأسر عن البطولة والوفاء الذى كان يميز أبناءهم، وعن اللحظات الصغيرة التى كانت تصنع يومياتهم بين العمل والعائلة، وعن الحنان الذى أظهروه فى بيوتهم وبين زملائهم فى وحداتهم العسكرية، بعض الزوجات والأمهات تحدثن عن الصعوبات التى واجهنها بعد فقدانهم، وكيف تحولت هذه الذكريات إلى مصدر فخر وإلهام لأبناء الشهداء، بينما أشار بعض الجنود الذين خدموا مع الشهداء إلى الدور القيادى والنموذجى الذى لعبوه مع زملائهم، مؤكدين أن ذكراهم باقية حية فى نفوسهم دائما.

تضحية وشهادة

تحدثت الدكتورة رشا فريد، زوجة الشهيد العقيد أركان حرب رامى حسنين، قائد الكتيبة 103 صاعقة، الذى استشهد فى 29 أكتوبر 2016 إثر انفجار عبوة ناسفة استهدفت مدرعته جنوب الشيخ زويد، أثناء مشاركته فى عملية «حق الشهيد» لمكافحة الإرهاب فى شمال سيناء، قائلة:«إن الشهيد رامى حسنين تخرج فى الكلية الحربية ضمن الدفعة 90 عام 1996، واختار منذ تخرجه الانضمام إلى وحدات الصاعقة، وأمضى معظم سنوات خدمته بين صفوفها وشارك فى بعثات حفظ السلام فى الكونغو قبل أن يكلف بالعمل فى سيناء أواخر عام 2015، ثم تولى قيادة الكتيبة 103 صاعقة عام 2016 بعد أن كان يشغل منصب القائد الثانى لها، وكان معروفا بين زملائه بمهارته العالية فى الرماية، إذ كان دائما فى مقدمة فريق الصاعقة، فضلًا عن انضباطه الشديد وشخصيته القيادية التى جعلته محل تقدير واحترام من جنوده وقياداته».

وعن قصة استشهاده، قالت: «إنه كان عائدا لتوه من إجازة قصيرة وأخبرنى أنه سيتأخر قليلاً بسبب عملية أمنية مهمة وقد تنقطع الاتصالات بسبب ضعف الشبكة فى المنطقة. لم يشعرنى أبداً بأى خطر أو تهديد، بل كان يطمئننى دائماً بأن الوضع طبيعى تماماً، كما كان يخدم فى أى مكان آخر مثل الإسكندرية أو القاهرة قبل ذلك، وعلمت بخبر استشهاده من خلال مواقع الإنترنت، بعدما تداولت الأخبار سريعا بأن الانفجار وقع فى مدرعته أثناء التحرك الصباحى».

وأضافت الزوجة، بصوت يغلبه الحزن، عن آخر إجازة قضاها مع العائلة: «كانت تلك الإجازة الأخيرة قبل أن يغادر مرة أخرى يوم الجمعة صباحا، واستشهد صباح السبت، ولم يتمكن من حضور ولادة ابنتنا الصغرى بسبب التزامات أمنية واجهها ضمن عمله، كان أبا حنونا لبنتينا الكبرى كانت على وشك إكمال الخمس سنوات والصغرى لم تتجاوز الخمسة أشهر حين فقدنا والدهما، واليوم أصبحتا فى سن المراهقة والطفولة المتوسطة وأحكى للصغرى عن حبه ودفئه وحنانه، رغم أنها لم تعرفه شخصيا، أما الذكريات مع الكبرى فهى مليئة بالضحك واللعب والخروجات وهى تشعر بالافتقاد الكبير لكننى أذكرها دائما بأن هذا كان اختيار الله ومشيئته».

وعن علاقاته الإنسانية، أكدت الدكتورة رشا فريد أن «الشهيد رامى حسنين كان مثال الابن الصالح فكان بارًا جدًا بوالديه رحمهما الله، اللذين توفيا بعد استشهاده بخمس سنوات، وكان والديه يصفانه دائما بأنه القائد الرائع والابن المثالى، ومع جنوده كان بمثابة الأب الروحى دائم الحرص على رعايتهم وعلى أن يكون قدوة لهم فى الحياة حتى بعد خروجهم من الخدمة، كان يتصل بعضهم من الأردن أو السعودية ليطمئنوا على أسرته ويستذكروا أيام الوحدة والمعايشة، ومع أصدقائه وإخوته فهو له أخ أكبر وأختان وكان السند الحنون للجميع يزورهم فى إجازاته ويحتوى العائلة بكل دفء وحنان، وهم يؤكدون أنه كان الأكثر عطاء واهتماما بكل من حوله».

وعن علاقته بها شخصيا، قالت بحرارة: «كان زوجا صالحا وحنونا، مليئا بالرحمة والحب والتفاهم، علاقتنا كانت قائمة على المودة الكبيرة، وهناك مواقف كثيرة لا أنساها أبدًا، فهو بالفعل مثال حقيقى للرجل الصالح»، وفيما يخص دور الدولة تجاه أسر الشهداء فقد أعربت عن تقديرها العميق، فالرئيس عبدالفتاح السيسى حريص على متابعة أبناء الشهداء، لاسيما الأطفال الذين فقدوا حنان الأب، قائلة:«يوجه دائما الجيش بأن يكون معهم فى كل مناسباتهم مثل اليوم الأول فى المدرسة، ويتابع أحوالهم باستمرار وهذا الدعم يعوض جزءا من الفقد الكبير، ويجعلهم يشعرون بأن لهم مكانة خاصة فى وطنهم».

صبر زوجة وفخر ابنة

بينما أكدت نسمة الصياد، أرملة الشهيد العقيد أركان حرب أحمد محمود شعبان، الذى استشهد فى 8 نوفمبر 2017 إثر إصابته خلال مداهمة لأحد الأوكار الإرهابية فى منطقة الشيخ زويد شمال سيناء، بأن يوم الشهيد يمثل عيدًا قوميا يخلد تضحيات شهداء مصر عبر العصور، فكان حلم أحمد محمود شعبان منذ طفولته أن يرتدى البدلة العسكرية ولم يتمكن من الانضمام مباشرة بعد الثانوية، فالتحق بكلية التجارة لكنه أصر على تحقيق حلمه فأعاد الثانوية العامة وتمكن من دخول الكلية الحربية ضمن دفعة 94، وبعد التخرج عين مدرسا فى الكلية الحربية لفترة، ثم خدم فى عدة مواقع عسكرية منها الإسماعيلية ورفح والشيخ زويد والسويس، وكان آخرها الشيخ زويد حيث استشهد.

وأضافت: «كان أحمد دائم الحرص على تطوير نفسه، فحصل على دورة أركان حرب الدورة 63 وكان يتبع سلاح المدرعات طوال خدمته، وتميز بالالتزام والانضباط وكان يسعى دائما لأن يكون قدوة لزملائه وجنوده، محققا حلمه الكبير فى الدفاع عن وطنه بكل إخلاص، كما كان يتعامل مع الجيران والأقارب والغرباء بالود والتواضع الشديد، حتى إن الناس كانت دائما تشهد له بهذا القدر الكبير من التواضع، وإذا احتاج أحد مساعدة – ولو كان كبيراً فى السن – كان يلجأ إليه، فيجد الصبر والحكمة والقدرة على حل المشكلات بأبسط الطرق، كما كان زوجاً لا يُضاهى يحبنى حباً عميقاً وفى كل إجازة يجعل سعادتنا أولويته الأولى رغم قصر الوقت، أما ابنته الوحيدة حبيبة فكانت دنياه كلها لا يسمح لى بزعلها أبداً ويطلب منى دوماً تلبية كل رغباتها وكان يحلم أن يراها دكتورة وكان يشجعها فى السباحة والدراسة بكل حماس».

وتابعت: «كان يردد دائماً أن مصر زوجته الثانية، ويطلب منى ألا أغضب من غيابه الطويل أو انشغاله بالعمل، بعد رحيله علمت من زملائه أنه كان يدعو الله بالشهادة منذ أن كان فى الحج عام 2016، وأنه كان يقول إنه لا يريد أن يموت إلا شهيداً وأصيب مرات عدة لكنه لم يخبرنى يوماً بتفاصيل خطيرة، وكان يصف الإصابات دائماً بأنها بسيطة، وفى آخر إصابة قبل الاستشهاد كانت الشظايا قد أصابت ذراعه بشدة ومع ذلك طمأننى أن الأمر عابر».

وروت أرملة الشهيد العقيد أركان حرب أحمد محمود شعبان، تفاصيل اليوم الأخير معه، قائلة: «فى آخر إجازة له بدا مختلفا سرحانا قليل الكلام، وكأن شيئا يثقل قلبه وفجأة قطع الإجازة بعد مكالمة عمل ولم يخبرنى بالسبب، وفى صباح اليوم الذى غادر فيه أصر على أن يوصل حبيبة إلى المدرسة بنفسه وهو أمر غير معتاد ووقف يراقبها حتى دخلت الطابور، ثم عاد إلى فى الشارع صافح يدى وسلم على بحنان، لاحقًا أدركنا أن كل هذه اللحظات كانت وداعًا».

أما عن لحظة الاستشهاد، فأكدت أنه أصيب برصاصة فى مؤخرة الرأس خلال مداهمة، وأُبلغ أخوه أولاً حسب وصيته، ثم نقل إلى المستشفى العسكرى، وعندما رأته كان موصولًا بالأجهزة غير مدرك لشيء وكانت تتمنى أن يعيش حتى لو لم يعد طبيعيا، لكن القدر كان أقوى واستشهد فى اليوم التالى وكان الخبر صاعقا لها ولأمه ولابنته التى كانت فى السابعة تقريبا، مبينة أنها قضت معه عشر سنوات كانت أجمل سنوات عمرها لم يجرحها يوما وكان دائما يقول: أنا أصالحك حتى لو كنت مخطئًا، لكن لا أقبل أن تبقى زعلانة.

وتحدثت عن علاقته بزملائه موضحة أنه كان يحبهم كإخوة ويقود الصفوف دائمًا فى العمليات إذا سقط شهيد أمامه يعود حزينًا لكنه يجبر نفسه على الثبات، وكان يشجع الجنود ويذكرهم بأن الشهادة شرف وأن الرصاصة لا تؤلم، وكتب مرة على فيسبوك: «اللى بيهرى ما يعرفش معنى الوطن، لكن شرف الوطن مهمتنا، ولن نتركه إلا باستشهادنا، ويأتى بعدنا من يكمل».

وعن ابنتها اليوم قالت: «حبيبة الآن فى الخامسة عشرة تقريبا وكانت صغيرة حين رحل لكنها تفتقده بشدة، وتسأل مين هيوصلنى يوم فرحى؟ مين هيشجعنى فى السباحة؟' وأحاول أن أعوضها قدر استطاعتي، وأذكرها أن والدها ضحى من أجل أن تعيش آمنة. هى فخورة به جدًا، لكنها أحيانا ترفض قبول الواقع»، مؤكدة أن الرئيس عبدالفتاح السيسى يولى أسر الشهداء اهتماما بالغا وأى طلب أو احتياج يتم تقديمه إليه يُلبّى بسرعة، لأنه يؤمن أن تضحيات الشهداء سبب أمان المصريين، وأن أسرهم يجب أن تكون فى المقام الأول، وهناك مدارس تحمل أسماء الشهداء ومنها مدرسة باسم أحمد، وتشعر بالفخر كلما حضرت تكريم المتفوقين فيها أو سمعت اسمها.

حلم الصاعقة

فيما فتحت ندى حسن، زوجة الشهيد البطل أحمد الشبراوى، قلبها لتروى ذكرياتها عن زوجها الذى استشهد أثناء أداء واجبه فى مواجهة الإرهاب بسيناء، مسلطة الضوء على شجاعته وإخلاصه، وكيف تحولت حياتها بعد رحيله إلى رسالة أمل وصبر، قائلة بصوت حزين: «كان أحمد، رحمه الله، طفلاً صغيراً يحلم بالانضمام إلى قوات الصاعقة وكان يتابع كل ما يتعلق بالوحدات الخاصة بشغف كبير وشعر بسعادة غامرة عندما التحق بإحدى وحدات الصاعقة الخاصة فى عام 2011 خلال الثورة المصرية وخدم خلالها ثلاث سنوات صعبة، مشاركاً فى تأمين منشآت حيوية، بينها السفارة الأمريكية، وكان يعيش عمله بكل حماس وإخلاص».

وأضافت أن زوجها انتقل بعد ذلك إلى الكتيبة 103 فى بداية 2015 حيث تولى قيادة سرية فيها وكان ذلك الخبر صدمة كبيرة بالنسبة لها خاصة أن الوضع فى سيناء كان شديد الخطورة وكان ابنه عمر صغيرا جدا، وكانا فى بداية زواجهما فشعرت بالقلق لكن زوجها الشهيد هدأها وأكد لها أن هذا جزء من طبيعة حياته وأن عليهما أن يقبلا قدر الله، سواء ذهب هنا أو هناك، وبدأت تتقبل الأمر تدريجياً وتدعو له بالسلامة، خاصة أنه كان ماهراً جداً فى الرماية والمهارات القتالية، مما أعطاها ثقة بأنه سيكون بخير إن شاء الله، وكان أكبر ما يقلقها هو طريق السفر حيث كانت تخاف عليه خلال سفره أكثر من المداهمات نفسها.

وكشفت ندى عن أن البطل كانت له علاقة جيدة جدا مع العقيد رامى حسنين، رحمه الله، قائد كتيبته السابق، ومع الشهيد أحمد المنسى أيضاً وعندما استشهد رامى حسنين كان ذلك من أصعب المواقف التى مر بها إذ صدم صدمة كبيرة، وكان يعامل قائده كأحد أفراد عائلته فهم هناك يقضون وقتا أطول مع بعضهم، وقبل ذلك استشهد جندى معهم وكان أحمد متأثراً جداً قليل الكلام معها، وفى فترة حرب الإرهاب لم يكن يتحدث عن عمله بسبب سريته لكنه كان يطمئن أسرته دائماً وكان يقول لهم:«أنا بخير، الدنيا تمام، الجيش لا يقصر فى شيء، والأمور تتحسن»، وكان يعطيهم أملاً كبيراً بأن ينتهى الإرهاب قريباً.

وعن اللحظات الأخيرة قبل استشهاده، أكدت زوجة الشهيد أنه جاء يوم استشهاده بعد عيد ميلاد ابنها عمر بخمسة أيام، حيث اتصل بها معايداً عمر وأوصاها به وبابنتهما تالين التى كانت حاملاً بها، وكانت المكالمة الأخيرة مليئة بالتوصيات والنصائح، وكأن الله أراد له أن يودعهم، وفى اليوم التالى علمت أن الكتيبة تعرضت لكمين فى تمركز البرث وأن أحمد استشهد رحمه الله، وكانت فى نهاية الشهر السادس من الحمل وولدت تالين بعد استشهاده بشهرين ونصف، وأبلغتها الخبر والدته صباحا بأن الكتيبة ضربت، وكانت فى حالة إنكار شديد وتقول فى نفسها: «أحمد كلمنى من ساعات، هو بخير»، ثم اتصلت بأختها وهى تقول لها إن الخبر لم يذكر اسمه فحمدت الله، لكن الأمل كان زائفاً، وذكرتها بأن الاسم المذكور هو أحمد المنسى، فقد كان قائد كتيبة أحمد، وهنا شعرت أنه استشهد لكن بقى الأمل حتى اتصل زميل له مؤكداً خبر استشهاده بلطف بسبب حملها، وكان الخبر صعباً جداً فى فترة الحمل.

وأضافت ندى أن زوجها أحمد كان يقول دائماً «أتمنى أن أستشهد واقفاً ماسكاً سلاحي» وعندما تأكدت من حالته فى اللحظة الأخيرة، علمت أنه مات كما تمنى، مع رفاقه رجالاً صامدين، فاطمأنت نفسها، فقد كان زوجها مثالاً للبر والوفاء، وكان الابن البار لوالديه الحنون على إخوته وصاحب أصحابه الحقيقى، الشهم الذى يهرع للمساعدة دائما وحتى أولاده عمر وتالين يتذكرونه دائماً ويقتدون به، وعن دعم أسر الشهداء، قالت:»إن زيارة زملاء أبيهم لأول يوم لهم فى المدرسة يعطيهم شعوراً بالفخر والاعتزاز بتضحياته ويعزز قيم الوطنية فى نفوسهم، نعم الفقد لا يعوض لكنه يترك أثراً إيجابياً ويؤكد تقدير الوطن لأبطاله».

ذكرى أبدية

بصوت يخفق بالفخر والحزن، فتحت السيدة نسرين علي قلبها لتروى قصة زوجها الشهيد العقيد أركان حرب حازم إبراهيم حامد، الذى استشهد فى 8 سبتمبر 2016 أثناء مداهمة إرهابية فى الشيخ زويد بسيناء، مؤكدة أن هذه الرواية ليست مجرد ذكريات بل شهادة حية على إخلاصه وتضحياته، وكشف للجانب الإنسانى وراء البطل العسكرى، قائلة:»أتذكر الكثير من المواقف مع زوجى الشهيد حازم، رحمه الله، وأول ما يتبادر إلى ذهنى هو ذلك اليوم الذى أخبرنى فيه برحيله إلى سيناء حيث كان يجد صعوبة فى إخبارى، فاقترب منى وقال: «أريد أن أخبرك بشيء مهم، أنا ذاهب إلى سيناء»، انفعلت حينها وقلت له: «من يذهب إلى سيناء غالبًا لا يعود ونحن بحاجة إليك وأولادنا بحاجة إليك»، فرد على بهدوء:»دعينى أسألك سؤالًا: لو كنت نائمًا بجانبك وأيقظتينى قائلة: يا حازم، حان وقت الجهاد، هل تستطيعين إيقافي؟ قلت له: لا، لن أستطيع، فقال:إذن، دعينى أذهب من فضلك».

وأضافت أنه بعد ذلك بستة أشهر، كان فى العريش وانفجرت عبوة ناسفة تحت السيارة التى كان يركبها، فأصيب إصابة بالغة حتى أن الشظايا أصابت ساقيه وكادت تقطع الشريان الرئيسى المتصل بالقلب، وكان جسده مليئًا بالشظايا فى ذلك الوقت، وفى أعقاب ذلك تولى قيادة الكتيبة الخامسة فى الشيخ زويد عام 2016 وكان يتولى المنصب وهو مصاب لم يزل السلك من جراحه ووجهه مليء بالندوب، وأن والده كان مريضًا جدًا وكان بإمكانه طلب النزول من الخدمة عبر القيادة بسبب ذلك، لكنه رفض وقال لن أترك أبنائى يقصد جنوده، وقبل استشهاده بفترة قصيرة عرض عليه صديق فى الكتيبة التقدم للحج معًا فرد:أنا أنتظر شيئًا أكبر من ذلك بكثير.

وأشارت إلى أنه فى اليوم السابق لاستشهاده، جمع كل الجنود الذين كانوا يستعدون لعملية المداهمة وطمأنهم بألا يخافوا وإن كان أحد لن يعود فسيكون هو، وبالفعل استشهد زوجها برصاصة قناص أثناء مداهمة فى الشيخ زويد، وفى تلك اللحظة أصابته الرصاصة فسقط على الأرض وجرى نحوه أحد الجنود، فصرخ فيه: أنا بخير، لا تقترب مني، وبينما كانوا يحملونه قال له:لو أصابتك رصاصة أو إصابة لعاقبتك، مشيدة بشجاعته وبطولته التى ترويها لأبنائه الثلاثة وهم: جومانا سبع عشرة سنة ونصف، وهنا ست عشرة سنة، وآدم عشر سنوات ونصف.

وعن دعم أسر الشهداء قالت:»إن الدولة تدعم أسر الشهداء بشكل كبير، وأنا أراها كذلك فهم لا يتركوننا أبدًا ودائمًا معنا، وأى طلب أقدمه يُنفذ فورًا، سواء كان ماليًا أو إداريًا وأى شيء أطلبه يتم تنفيذه على الفور، فهم لا يتركوننا حقًا»، مثمنة تضحيات الشهداء بأنهم لو لم يقوموا بما فعلوه فماذا كنا سنفعل؟ بالتأكيد كان الإرهابيون فى سيناء سيدخلون تدريجيًا إلى باقى المناطق بدلًا من البقاء هناك، ولحدثت تفجيرات كثيرة، واستشهد مدنيون كثيرون.

قصة وفاء

فيما عبرت النائبة إيمان الألفى، عضو مجلس النواب وزوجة الشهيد المقدم أركان حرب عادل عبدالحميد، الذى استشهد فى شمال سيناء عام 2016 دفاعا عن أرض الوطن وأمنه، عن فخرها العميق وحزنها الكبير لفقدان زوجها البطل، قائلة» «إن حياة الشهيد كانت مثالاً للشجاعة والتفانى وأن حياتهما المشتركة حملت العديد من اللحظات الإنسانية التى لا تُنسى، واستشهاده شكّل نقطة تحول كبيرة فى حياة أسرتها، وجعلها تواجه تحديات جديدة بصبر وإيمان، وأن قيم الوفاء والتضحية التى غرسها الشهيد فى أبنائه أصبحت نبراسًا لهم فى حياتهم اليومية، وأن ذكراه الحية تلهمهم للاقتداء بشجاعته وحرصه على حماية الوطن، وأن الدعم المجتمعى والدولة لأسر الشهداء يعزز الشعور بالفخر والانتماء ويؤكد تقدير الوطن لتضحيات أبنائه الأبطال.

وأوضحت إيمان أن الشهيد عادل عبدالحميد ينتمى إلى أسرة عسكرية عريقة فوالده كان صف ضابط فى القوات المسلحة، وله ثلاثة إخوة ضباط أيضا فقد كان الأصغر بين ستة إخوة، وكان حلمه الوحيد الانضمام إلى صفوف الجيش رغم رفض والده فى البداية خشية تكرار تجربة الأبناء الكبار، لكن إصراره دفعه إلى سرقة بطاقة والده الشخصية مع والدته ليتقدم للكلية الحربية، وعندما علم النتيجة بقبوله لم يصدق نفسه، وظل يتأكد مرارا من الاسم على اللوحة حتى أدرك أن حلمه تحقق.

وأشارت إلى أنه خلال فترة الخطوبة عام 2007، سأله والد خطيبته عن اختياره سلاح المدرعات فقال له بثقة:«أريد أن أكون فى الخط الأول، حتى يكرمنى الله بالشهادة فمصر دائمًا مستهدفة، وأتمنى أن يُكرمنى الله بالشهادة فى يوم من الأيام» وكانت تلك الكلمات قبل استشهاده بتسع سنوات مما يعكس إيمانه العميق بقضية الوطن، وكان محبوبًا جدًا فى أسرته وأوساط عمله يتميز بروح مرحة، يلعب مع أبناء إخوته وأحفاده، ويشاركهم السهرات والأعياد، ورغم كونه الأصغر سنًا كان بيته مفتوحًا كبيت الكبير، وكان يُعامل كأب روحى لأبناء إخوته، وبعد استشهاده تأثر أحد أبناء أخيه بشدة حتى أصيب بمرض السكرى من شدة الحزن وفقد شعر رموشه وحواجبه كما توفيت والدته بعد ثلاث سنوات فقط، غير قادرة على تحمل فراقه.

وأوضحت أنه فى وحدته العسكرية ترك بصمة قوية؛ فقد جمع الجنود من جيوبهم أموالا لشراء «كولدير» ووضعوه فى الجامع الذى كان يصلى فيه تعبيرًا عن حبهم له فقد كان يعامل جنوده كأبنائه يقلهم فى سيارته لتوفير تكاليف المواصلات ويرفض الهدايا منهم وكان يشترى احتياجاتهم بنفسه.

وعن يوم استشهادة، قالت: «استشهد الشهيد عادل يوم الإثنين 2 شعبان وكان صائمًا، وفى الليلة السابقة تحدثنا طويلاً على الهاتف بشكل غير معتاد رغم ضعف الشبكة فى شمال سيناء، ووقتها شعرت بارتياح غريب أول مرة منذ الخطوبة عند سفره، كأنها مطمئنة تمامًا واشترى ملابس جديدة وحلق شعره وأصلح سيارته وتأخرت السيارة صباح الاستشهاد لأول مرة فى حياته المهنية، وكان يقول إنه يريد الصيام رغم ظروفه، وترك الشهيد ثلاثة أبناء: محمد الأكبر، وأحمد فى أولى ثانوى حاليا، وأيسل فى رابعة ابتدائى، وتأثر محمد نفسيًا وبدنيًا بينما يسعى أحمد لاستكمال مسيرة والده، يتدرب على الرماية والسباحة وركوب الخيل، آملاً الانضمام إلى الكلية الحربية، أما أيسل فقد عانت فى طفولتها من غياب الصور مع والدها، لكنها تحولت من الحزن إلى الفخر بعد تكريم الرئيس عبدالفتاح السيسى لها، ودخول ضباط المدرسة معها مما جعلها تشعر بأن والدها ذو شأن».

وتقدمت النائبة إيمان بالشكر لدفعة الشهيد (95 حربية) ومؤسسة القوات المسلحة على دعمهم المستمر لأسرة الشهيد على مدار عشر سنوات، معتبرة إياهم «إخوة» حقيقيين يحضرون المناسبات ويساندون فى كل أمر، وأن استشهاد زوجها لم يكن نهاية بل بداية لوعى أعمق بقيمة التضحية، وأن الله يُعدّ الشهداء وأسرهم لمكانة رفيعة، وأن الشعب المصرى لن يفرط فى شبر من أرضه.

 
    كلمات البحث
  • أسر
  • الشهداء
  • أمن
  • الوطن
  • رسالة

أخبار الساعة