رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

اللواء محمد إبراهيم الدويرى: قرار إنهاء حرب إيران يترنح فى «نفق مظلم»


12-3-2026 | 13:26

اللواء محمد إبراهيم الدويرى.. نائب المدير العام للمركز المصرى للفكر والدراسات الاستراتيجية

طباعة
حوار: أحمد جمعة

على وقع حرب غير مسبوقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، تقف منطقة الشرق الأوسط أمام منعطف بالغ الخطورة يهدد بإعادة تشكيل توازنات القوة فى الإقليم، وسط تصاعد المخاوف من اتساع رقعة الصراع وتحوله إلى مواجهة إقليمية مفتوحة قد تمتد تداعياتها إلى ما هو أبعد من ساحات القتال المباشرة. فى هذا الحوار، يقدم اللواء محمد إبراهيم الدويرى، نائب المدير العام للمركز المصرى للفكر والدراسات الاستراتيجية، قراءة معمقة لمجريات الحرب وتداعياتها، محللًا أهداف الضربات الأمريكية والإسرائيلية داخل إيران، واحتمالات توسع الصراع، وسيناريوهات سقوط النظام الإيرانى أو انهيار الدولة الإيرانية، وما قد يحمله ذلك من تداعيات خطيرة على استقرار الشرق الأوسط. ويتطرق اللواء «الدويرى» إلى انعكاسات الحرب على الأمن القومى المصرى، والتحديات الاقتصادية والأمنية المحتملة، ودور القاهرة فى جهود الوساطة لاحتواء الأزمة، إلى جانب تحليله لمغزى تحذيرات الرئيس عبدالفتاح السيسى من «الحسابات الخاطئة» فى تلك الحرب، وما قد تقود إليه من تداعيات تتجاوز أطرافها المباشرين.. وإلى نص الحوار:

 

 

فى تقديرك.. إلى أى مدى يمكن أن تستمر حرب إيران؟

لا شك أن الحرب «الأمريكية _ الإسرائيلية» على إيران قد دخلت فى مرحلة أصبح معها التنبؤ بتوقيت نهايتها أمر صعب للغاية حتى من جانب أطراف الحرب أنفسهم، حيث تشير تطورات ومعطيات العمليات العسكرية إلى أننا بدأنا نشهد مراحل أخرى متتالية للحرب قد تستغرق عدة أسابيع حتى لو هدأت نسبيًا فى بعض هذه المراحل.

وفى رأيى أن نهاية الحرب سوف ترتبط بعاملين رئيسيين؛ الأول مدى نجاح جهود الوساطة التى يمكن أن تبذلها بعض الأطراف من أجل عدم توسيع رقعة الحرب وتجنب إلحاق مزيد من الأضرار بمصالحها الاقتصادية أما العامل الثانى فهو أن تصل الولايات المتحدة تحديدًا إلى قناعة بأنها قد حققت أهدافها من الحرب من وجهة نظرها، وبالتالى تتخذ قرارًا بالتنسيق مع إسرائيل بوقف عملياتهما العسكرية.

وفى كلتا الحالتين يمكن القول إن الوقت لا يزال مبكرًا نسبيًا لإنهاء الحرب تمامًا.

إذن.. هل من الممكن أن تتحول إلى حرب استنزاف على غرار أوكرانيا؟

أستبعد تمامًا أن تصل الأمور الراهنة إلى الدخول فى حرب طويلة على غرار الحرب الروسية _ الأوكرانية المشتعلة منذ 4 سنوات؛ نظرًا لاختلاف طبيعة الأهداف والأطراف والقيادات والظروف السابقة والحالية المرتبطة بكل من الحربين.

إلى أى مدى نجحت الضربات الأمريكية والإسرائيلية فى تحقيق أهدافها العسكرية داخل إيران؟

من الواضح أن الضربات الأمريكيـة-الإسـرائيليــة العنيفــة والمتواصلة بكثافة ضد إيران منذ يوم 28 فبراير الماضى وحتى الآن وتنفيذ غارات ضد آلاف الأهداف ألحقت أضرارًا كبيرة بالبرنامجين النووى والصاروخى الإيرانيين وكذلك بقدرات إيران العسكرية، دون أن يكون هناك توضيح أمريكيى رسميى لطبيعة النتائج النهائية لهذه العمليات التى لا نعلمها حتى الآن، إلا أنه من الواضح أن هذه الضربات دمرت عددًا كبيرًا من المؤسسات والمواقع السياسية والأمنية والعسكرية الإيرانية، وكذلك البنية التحتية فى العديد من المدن الإيرانية الرئيسية وخاصة العاصمة طهران ومدينة أصفهان.

ومن المهم أن نأخذ فى اعتبارنا أن التفوق الأمريكى - الإسرائيلى الجوى قد ارتبط بعدة عوامل من أهمها ضعف أو تحييد الدفاعات الجوية الإيرانية، وبالتالى أصبحت الأجواء الإيرانية متاحة فى أى وقت، بالإضافة إلى استخدام الدولتين أحدث وأعقد الطائرات الحربية فى العالم.

كيف تمثل هذه الحرب تحديًا للأمن القومى المصرى، وما التداعيات المحتملة على مصر؟

ليس خافيًا على أحد أن أى توتر فى المنطقة يعكس تأثيراته على الأمن القومى المصرى، سواء فى دائرته المباشرة أو غير المباشرة، ومن ثم فإن هناك تداعيات لهذه الحرب على مصر مثلما الوضع بالنسبة لدول كثيرة ولا سيما فى الجانب الاقتصادى، ومن الطبيعى أن تتأثر مجالات الطاقة والاستثمار والسياحة وسلاسل الإمداد، بالإضافة إلى توتر الوضع فى منطقة البحر الأحمر وتأثر حركة مرور السفن فى قناة السويس التى عانت مصر من تأثيراتها خلال حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة والتى خسرت مصر خلالها أكثر من 7 مليارات دولار.

ومن الضرورى أن أؤكد هنا أن القيادة السياسية المصرية تدرس كافة التطورات بكل دقة وتتحسب لكل الاحتمالات وتعلم متى يتم اتخاذ القرار المناسب فى الوقت المناسب من أجل حماية أمننا القومى مع تأمين كل احتياجات ومتطلبات الجبهة الداخلية لفترة طويلة .

مصر لا تزال تحاول القيام بجهود وساطة لوقف الحرب.. هل من المأمول أن تستجيب أطراف النزاع؟

تتمتع مصر بكافة المواصفات التى تمكنها من أن تقوم بوساطة لوقف هذه الحرب سواء قامت بذلك منفردة أو بالتعاون والتنسيق مع أطراف فاعلة أخرى من بينها سلطنة عمان والصين على سبيل المثال، وذلك فى ضوء العلاقات الجيدة التى تربط مصر بجميع الأطراف، وأعتقد أن هذه الوساطة أصبحت ضرورية اليوم وقبل غدٍ رغم أن الأوضاع لا تزال صعبة، ولكن لا بد من بدء هذه الوساطة مهما كانت نتائجها، وفى رأيى أن الوساطة قد تكون وسيلة مهمة لنزول الأطراف من على سلم طموحاتهم ومطالبهم التى من غير الممكن أن تتحقق كلها.

الرئيس السيسى وصف الحرب بأنها كانت بسبب «الحسابات الخاطئة».. ما قراءتك لتلك الحسابات الخاطئة من جانب الولايات المتحدة وأيضًا من جانب إيران؟

عندما يتحدث الرئيس عبدالفتاح السيسى عن الحسابات الخاطئة فى الحرب يجب على كل المهتمين والمتابعين بل على كافة الأطراف المعنية أن تعى هذا المعنى بكل دقة، حيث إن الحرب بصفة عامة لا يجب أن تكون مجرد مغامرة أو خطوة غير محسوبة، بل إن أى حرب إذا ما كانت هناك حتمية لوقوعها فيجب أن تكون مدروسة تمامًا من كافة جوانبها السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية وتداعياتها وتأثيراتها الحالية والمستقبلية ومتى تبدأ وكيف تنتهى، أما أن تبدأ حرب استنادًا على حسابات خاطئة أو تقديرات غير سليمة أو دون أى أفق واضح فهو أمر له تداعيات سلبية غير متوقعة سوف تطال ليس فقط أطرافها الرئيسيين بل والأطراف الأخرى حتى لو لم تكن منخرطة فى الحرب، وهنا يحسب للرئيس السيسى أنه منذ تولى المسئولية كان ولا يزال حريصًا على عدم توريط الدولة المصرية فى أى حروب ولكن مع الاستعداد الدائم لحماية الأمن القومى المصرى فى الداخل والخارج، وكما قال الرئيس فنحن لدينا جيش وطنى قوى يحمى ولا يهدد يصون ولا يبدد .

لطالما حذرت القيادة المصرية من الحرب الإقليمية، هل يمكن القول إن المنطقة باتت فى حرب إقليمية كبرى، وهل متوقع اتساع نطاقها؟

تتمثل واحدة من الأمور الإيجابية التى تتمتع بها القيادة السياسية فى قدرتها على استشراف طبيعة الأوضاع فى المنطقة ومن هنا حذرت كثيرًا من إمكانية دخول المنطقة فى حرب إقليمية وصراعات وتداعيات لا تنتهى، وفى رأيى أن كافة المعطيات الراهنة المرتبطة بتطورات الحرب تشير إلى عدم استبعاد أن تؤدى هذه الضربات إلى اتساع دائرة الحرب، وهنا أقول إن بداية الحرب كان قرارًا سهلًا نسبيًا إلا أن قرار وقفها سوف يكون صعبًا، حيث لايزال هذا القرار يترنح فى نفق مظلم.

الخليج كان المتضرر الأول من الرد الإيرانى.. لماذا استهدفت طهران الخليج، وهل من الممكن أن يكون هناك رد منسق من دول التعاون الخليجى؟

من المؤكد أن الضربات الإيرانية على دول الخليج التى بلغت حتى الآن حوالى 3 آلاف صاروخ ومسيرة غير مبررة على الإطلاق خاصة أن العلاقات الخليجية - الإيرانية كانت جيدة على كافة المستويات السياسية والاقتصادية وخاصة بالنسبة لسلطنة عمان التى كانت الطرف الرئيسى فى مفاوضات ماراثونية على مدار فترات طويلة بين واشنطن وطهران، بالإضافة إلى أن الضربات الإيرانية طالت مؤسسات ومواقع مدنية خليجية وأدت إلى وقوع ضحايا مدنيين.

وبدون شك هذه الضربات أفقدت إيران عنصرًا مهمًا فى هذه الحرب وهو موقف دول الخليج الذى كان يمكن أن تتحرك فى مجال الوساطة، وللأسف لم تعد إيران تفرق بين أعدائها وأصدقائها، وأتخوف من أن القيادة الإيرانية أصبحت تفكر بمبدأ هدم المعبد الذى لن يكون فى صالحها على الإطلاق.

ومن ناحية أخرى من الواضح أن هناك تنسيقًا بين دول الخليج على أعلى المستويات لبحث كيفية التعامل مع هذه التهديدات والضربات الإيرانية، ومن المؤكد أن هذه الدول تمتلك القدرات اللازمة للرد على إيران بأشكال ووسائل مختلفة، ولكن فى الوقت الذى تراه مناسبًا وطبقًا لحساباتها ومصالحها وتجنب الوقوع فى فخ التوريط والاستنزاف.

ما تداعيات إسقاط النظام الإيرانى على المنطقة؟

لا يمكن حتى الآن الوصول إلى الفهم الدقيق للموقف الأمريكى تجاه مسألة إسقاط النظام الإيرانى لا سيما فى ظل تصريحات الرئيس ترامب المتناقضة فى هذا الشأن، فهل هناك جدية وإرادة لدى واشنطن فى إنجاز هذا الهدف من عدمه؟، وهل تستطيع بالفعل إسقاط النظام؟، وهل ترغب الولايات المتحدة فى التعامل مع القيادة الثلاثية أو أى من القيادات الحالية حتى لو لم تكن تشغل الآن منصبًا رسميًا؟، أم أنها تراهن على شخصية أخرى لا يعرفها أحد سواء من داخل إيران أم من خارجها؟ وهل المطلوب أمريكيًا هو تغيير القيادات فقط أم تغيير السياسات؟

وفى رأيى أن كافة هذه السيناريوهات لا تزال بعيدة عن إمكانية وضعها موضع التنفيذ وعلينا متابعة تصريحات الرئيس الأمريكى فى هذا المجال؛ أملًا فى أن نقف على سيناريو واحد ومحدد فى ذهن ترامب، كما أرى أنه لا بد من التفرقة بين نتائج سقوط النظام وتداعياته التى يمكن احتواؤها نسبيًا وبين سقوط أو انهيار دولة بحجم إيران وتداعياتها السلبية الكبيرة المتوقعة على الوضع الإقليمى ككل.

الولايات المتحدة تعمل على دفع الأكراد لمواجهة النظام الإيرانى.. ما خطورة اللعب بالورقة الكردية؟

محاولة واشنطن استثمار الورقة الكردية لمواجهة النظام الإيرانى تمثل واحدة من الوسائل التى تسعى الولايات المتحدة إلى استخدامها بالتوازى مع العمليات العسكرية المكثفة، ورغم قدرة النظام الإيرانى على إفشال هذه الخطة حتى الآن إلا أن اللعب بالورقة الكردية يعد أمرًا محفوفًا بالمخاطر؛ لأنه لا يرتبط بإيران فقط ولكنه يرتبط بمصالح وسياسات أطراف إقليمية أخرى سوف تتأثر بالورقة الكردية فى حالة استخدامها أو نجاحها.

وما السيناريوهات المحتملة لتوسع الصراع فى المنطقة؟

لا يمكن استبعاد احتمالات توسيع دائرة الصراع فى المنطقة إذا استمرت هذه الحرب دون وضوح أى أفق على توقيت انتهائها سواء بنجاح الوساطة أو قرار أمريكى بوقفها، أما بدون ذلك فإن الأوضاع سوف تكون مرشحة لمزيد من التدهور الأمنى والعسكرى والاقتصادى، وهناك نقطة شديدة الأهمية يجب الإشارة إليها وهى عدم استبعاد عودة الإرهاب للمنطقة مرة أخرى.

وماذا عن بنك الأهداف من هذه الحرب بالنسبة للولايات المتحدة وإسرائيل.. وكذلك بالنسبة لإيران؟

الحديث عن موضوع بنك الأهداف لكافة الأطراف الإسرائيلية والأمريكية والإيرانية أمر به قدر واضح من المبالغة أو التضخيم، خاصة عندما يعلن كل طرف عن أنه دمر آلاف الأهداف خلال أيام قليلة، حيث إن تعريف كلمة الهدف غير واضح أو متفق عليه، لكن الأمر المؤكد أن بنك الأهداف الإسرائيلى الأمريكى ركز على البرنامجين النووى والصاروخى بكافة مشتملاتهما، وكذا المؤسسات الأمنية والعسكرية والاقتصادية والتجارية والسياسية والدينية والبنية التحتية، بالإضافة إلى اغتيال القيادات الرئيسية وعلى رأسهم المرشد الأعلى وقيادات الحرس الثورى أما بنك الأهداف الإيرانية فقد ركز على القواعد الأمريكية فى المنطقة وعلى المؤسسات الأمنية والتجارية والقواعد العسكرية فى إسرائيل ومحاولة المساس بما تصل إليه الضربات الإيرانية فى البنية التحتية.

كيف تفسر قدرة الولايات المتحدة وإسرائيل على الوصول إلى قيادات إيرانية كبرى على غرار المرشد خامنئى ومواقع حساسة بهذا الشكل.. هل نحن أمام اختراق أمنى غير مسبوق داخل إيران؟

لا بد من الربط بين قدرة الولايات المتحدة وإسرائيل ونجاحهما فى اغتيال قيادات إيرانية كبيرة دينية وعسكرية وسياسية وعلماء نووين، وبين أمرين مهمين الأول مدى التقدم التكنولوجى الذى تتمتع به كل من واشنطن وتل أبيب وقدرتهما على استثمار هذا التقدم فى تحقيق أهدافهما وخاصة خارج البلاد، والأمر الثانى يتمثل فى ضرورة وجود اختراق أمنى سواء فى الدوائر المباشرة أو بالقرب منها، حيث إن العنصر البشرى سوف يظل فى النهاية أحد أهم العناصر بالنسبة لطبيعة عمل أجهزة الإستخبارات على مستوى العالم.

إذا شعرت القيادة الإيرانية بأن النظام نفسه بات مهددًا بالانهيار، هل يمكن أن نشهد قرارات أكثر خطورة مثل توسيع الحرب أو ضرب أهداف بعيدة أو إغلاق مضيق هرمز كليًا؟

من المؤكد أنه فى حالة قناعة النظام الإيرانى بأنه على وشك الانهيار فعلينا أن نتوقع أن يستخدم أى أدوات يمتلكها فى القيام بأى عمليات وضربات دون النظر إلى تداعياتها أو نتائجها أو أطرافها، وعلينا متابعة ما يجرى حاليًا من تأثر حركة التجارة الدولية فى مضيق هرمز.

حزب الله جر لبنان إلى الحرب، مع استمرار إسرائيل فى تنفيذ ضربات موسعة على البلاد.. ما التأثيرات المباشرة على لبنان؟

انخراط حزب الله فى الحرب وإطلاق صواريخ على شمال إسرائيل أمر كان متوقعًا عقب اغتيال المرشد الإيرانى الأعلى على خامنئى وهو موقف سبق أن أكد عليه مسؤولو الحزب، إلا أن المشكلة الرئيسية تكمن فى طبيعة رد الفعل الإسرائيلى الذى يقوم بعملية التهجير القسرى لسكان منطقة الجنوب اللبنانى وتدمير مساحات كبيرة من الضاحية الجنوبية فى بيروت وبعض المدن الأخرى واحتلال نقاط جديدة فى الجنوب، بالإضافة إلى القيام بعملية اغتيال للعديد ممن تبقى من القيادات المؤثرة فى الحزب، أما المشكلة الأكبر فهى أن الدولة اللبنانية التى كانت تحاول استعادة قوتها أصبحت فى وضع صعب، حيث لا تستطيع كبح جماح الحزب رغم القرارات التى اتخذتها ضده.

إلى أى مدى يمكن أن تؤدى الحرب إلى إعادة رسم موازين القوى فى الشرق الأوسط.. خاصة مع الحديث الإسرائيلى المتكرر عن شرق أوسط جديد؟

أؤكد أن إسرائيل مهما حاولت أن تتحدث عن شرق أوسط جديد – وهو أمر يفوق قدراتها وحدها – لن تنعم بالأمن والاستقرار أو تندمج فى المنظومة الإقليمية كما تأمل ما دامت تتبنى سياسة فرض السلام بالقوة وكذا استمرار رفضها إقامة الدولة الفلسطينية، وبالرغم من ذلك فمن المتوقع أن نرى معطيات جديدة فى المنطقة مستقبلًا عقب الضربات المؤثرة التى تعرضت لها فصائل المقاومة الفلسطينية وتدمير غزة ومحاولة ضم الضفة الغربية وما تم بالنسبة لسوريا والضربات العنيفة ضد حزب الله والحرب الحالية تجاه إيران، وبالتالى لا بد من مرور فترة من الوقت حتى نرى تأثير نتائج هذه التطورات على المشهد العام فى المنطقة .

وكيف يمكن لمصر أن تتعامل مع التداعيات الاقتصادية أو الأمنية المحتملة لهذه الحرب؟

تعاملت مصر بموضوعية كاملة مع تداعيات هذه الحرب منذ بداية اندلاعها على مستويين الأول على المستوى الخارجى، وذلك من خلال التأكيد على بعض المحددات أهمها ضرورة إنهاء هذه الحرب نظرًا لتأثيراتها الأمنية والعسكرية والاقتصادية على المنطقة كلها، بل على العالم مع احتمالات توسيع دائرة الصراع، وكذلك أهمية العودة إلى سياسة الحوار من أجل حل هذه الأزمة وغيرها من الأزمات المثارة، بالإضافة إلى استعداد مصر للقيام بدور الوساطة من أجل وضع حد للأزمة أما على المستوى الداخلى فقد تم مراجعة كافة متطلبات الجبهة الداخلية وخاصة بالنسبة للسلع الاستراتيجية وطمأنة الرأى العام المصرى على توافرها مع التحذير الشديد من أى محاولات لاستغلال الأزمة لرفع غير مبرر لأسعار السلع والخدمات، كما تم التأكيد على أن مصر دولة قوية قادرة على حماية أمنها القومى من أى مخاطر .

ما أخطر التداعيات الاستراتيجية لهذه الحرب على مستقبل الشرق الأوسط؟

تتمثل أهم التداعيات الاستراتيجية لهذه الحرب على مستقبل الشرق الأوسط فى عدد من المحاور، أولها تبنى بعض الدول مبدأ أن القوة وحدها هى التى تحقق السلام، وبالتالى تصبح هذه عقيدة جديدة فى المرحلة المقبلة، مع التأكيد على أن الحرب هى العنصر الأساسى لحل النزاعات، والتأكيد على أن سياسة الحوار والتفاوض لاجدوى منها .

كما للحرب تداعيات تتضمن إتاحة التدخل فى الشئون الداخلية للدول دون أى رادع، ومزيد من الغطرسة الإسرائيلية استنادًا على الدعم الأمريكى اللامحدود، ومزيد من تراجع القضية المركزية العربية وهى القضية الفلسطينية، ومزيد من ضعف الموقف العربى إلا إذا تعاملت الدول العربية مع الدروس المستفادة من هذه الحرب بموضوعية والوصول إلى القناعة بأن العمل العربى المشترك والجاد فى كافة المجالات هو الطريق الصحيح بل فى رأيى هو الطريق الوحيد للحفاظ على الأمن القومى العربى الذى لن يحافظ عليه إلا العرب أنفسهم.

أخيرًا.. ما تداعيات هذه الحرب على خطة السلام بشأن غزة.. هل يمكن أن تتراجع إسرائيل عن التزاماتها مجددا فى تنفيذ المرحلة الثانية؟

من المؤكد أن هذه الحرب أدت إلى تراجع الاهتمام بتنفيذ المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأمريكى بشأن غزة وهو أمر متوقع ومؤقت، ولكن الخطورة تكمن فى أن هذه الأحداث قد تتيح لإسرائيل الفرصة لعدم تنفيذ متطلبات هذه المرحلة، ومن ثم فإن المطلوب أن تستمر مصر والأطراف المعنية بالتأكيد على ضرورة استكمال تنفيذ الخطة مهما كانت الظروف الأخرى وأن تحافظ على قدر من الزخم فيما يتعلق بخطة غزة حتى تنتهى الحرب ونعود إلى التركيز على أزمة غزة والانخراط فى مراحل الحل المتضمن فى خطة العشرين نقطة.

 
 

أخبار الساعة