فمثلا أنا أحنّ إلى رؤية فوازير رمضان والاستعراضات والأزياء والموسيقى والفوازير السهلة، واليوم عندما نجلس كأسرة مع زوجتى وابنتىّ جميلة وجاسمين لنشاهد الفوازير على «ماسبيرو زمان»؛ تكون المشاعر متناقضة بيننا، فأنا وزوجتى نشعر بالحنين والسعادة لذكريات الطفولة، وعلى الجانب الآخر أجد ابنتىّ تشعران بالضجر منها وتريان أنها سطحية جدا ولا تتناسب مع العصر، وهنا أنا أتفق مع هذا الرأى؛ ففوازير رمضان زمان لا تصلح للجيل الحالى، ولكن هل معنى هذا أن يموت هذا الفن ويختفى أم يجب أن يتطور ويواكب العصر بشكل يقبل عليه أبناء الجيل الحالى؟.. وأخذت أفكر هل نجاح الفوازير كان بسبب نيللى أم شريهان أم سمير غانم «فطوطة» وغيرهم؟.. ولكن بالبحث وجدت أن الفضل الأكبر يعود إلى المخرج المبدع فهمى عبدالحميد، وحقا كل إنسان يُولد باسم والده، لذا فاسم الفوازير كاملا هى (فوازير فهمى عبدالحميد).
فالمخرج التليفزيونى الكبير الراحل حقا هو الأب الفنى لفوازير رمضان، ولكنه ليس بمفرده، فأى عمل فنى هو عمل جماعى يُخرج لنا مواهب فى كل المجالات، وليست فى مجال واحد فقط وهو الإخراج.
فهمى عبدالحميد اسم اقترن أعوامًا طويلة بشهر رمضان، وتحول لعلامة فارقة من علاماته التى لا تُنسى من خلال «الفوازير» الذى كان مخترعها وساحرها، واستطاع أن يترك بصماته وإبداعاته الذهبية عالقة فى أذهان مشاهدى جيل السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات رغم رحيله، ولم يستطِع أحد أن يكمل مشواره حتى لو كان يحمل اسمه.
يكفى أن نتذكر استعراضات «الفوازير» ونسترجع تفاصيلها وحكاياتها وشخصياتها، فنجد اسم المبدع فهمى عبدالحميد، ولمَ لا؟، وهو المبتكر بأحلامه وعبقريته وإبداعاته السحرية وقدراته على التنفيذ لسلسلة فوازير رمضان التى أدخلت البهجة والمتعة والسرور والخيال الواسع فى النفوس دون استئذان، وكان مع بداية الشهر الكريم محط أنظار المشاهدين على امتداد الوطن العربى بأكمله.
كان فهمى عبدالحميد يسبق عصره، وله نظرة مختلفة، وينظر إلى المستقبل، ويُخرج الفوازير كل عام بشكل جديد وأفكار مختلفة ومتطورة، حيث كان ينقب عن النجوم كما المنقبين عن المجوهرات بعيون لا تخطئ، حيث تنقلت عدساته برشاقة فى إعادة اكتشاف كل من نيللى وسمير غانم وشريهان ويحيى الفخرانى وهالة فؤاد وحتى ليلى علوى ومدحت صالح وشيرين رضا؛ إذ كان دخولهم مصنع فهمى عبدالحميد بداية نقلة جديدة فى حياتهم ومشوارهم الفنى، رغم أن الفوازير بشكلها الاستعراضى بدأت مع ثلاثى أضواء المسرح فى أواخر الستينيات على يد المخرج أحمد سالم، وحققت نجاحًا وانتشارًا.
إلا أن الفوازير لم يكن من الممكن أن تتحول إلى أيقونة رمضانية لاحقًا لو لم يُسهم فى ذلك مخرج الفوازير الأشهر فهمى عبدالحميد من خلال عمله الأول مع النجمة نيللى واعتماده على الأسلوب المميز فى طرح واستخدام العديد من مكونات الموروث المصرى كالسيرك والأراجوز.
فهمى عبدالحميد وُلد بحى العباسية بالقاهرة 1939، وبعد 4 سنوات توفى والده ليستكمل حياته يتيمًا مع والدته، حيث انتقلا إلى منزل العائلة بالقناطر الخيرية حتى وفاته.
التحق «فهمى» بكلية الفنون الجميلة بالقاهرة، وتخرج فيها عام 1963 بقسم الحفر ثم عمل بالتليفزيون المصرى عام 1964 بقسم الرسوم المتحركة، وتتلمذ على يد المخرج الكبير على مهيب، وكان لقبه الرائد الأول والأب الروحى للرسوم المتحركة المصرية هو وأخيه حسام مهيب، وقاما بتأسيس الجمعية المصرية للرسوم المتحركة، وتتلمذ على أيديهما نجوم كبار جدا.
فى بدايات حياته العملية قام بتصميم تترات عدد من المسلسلات التليفزيونية والأفلام السينمائية، ومن أشهرها فيلم «الخط الأبيض» الذى ساعد فيه أستاذه على مهيب، ومسلسل «وليد وراندا فى الفضاء»، ومسلسل «جحا» بطولة عبدالمنعم مدبولي.
وفى عام 1974 كانت البداية الحقيقية للمخرج فهمى عبدالحميد مع فوازير رمضان التليفزيونية، واختار الفنانة نيللى لتقديمها، وكانت فكرتها تعتمد على استضافة فنانى الرسوم المتحركة فى كل حلقة.
بدأ الثنائى فهمى ونيللى رحلة شراكة عمرها 7 سنوات بمشاركة مبدع ثالث هو مصمم الاستعراضات الشهير حسن عفيفى فى فوازير بعنوان «صورة وفزورة»، واستمر هذا الثلاثى فى العمل معًا فى العام التالى فى «صورة وفزورتين»، ثم فى العام التالى مع «صورة و3 فوازير»، وعام 1978 فى «صورة و30 فزورة».
ثم جاءت مرحلة نضج الفوازير -إن صحّ التعبير- مع العملاق الكبير صلاح جاهين فى بداية الثمانينيات، حين كتب لها رائعتين هما «الخاطبة» و«عروستي»، وأجادت نيللى فى كلتيهما بشكل كبير، وإلى الآن يعتبر الكثيرون «عروستي» واحدة من أفضل الفوازير التى قدمها التليفزيون المصري.
بعدها قرر المخرج فهمى عبدالحميد إعادة سمير غانم لتقديم «الفوازير»، مبتكرًا له خصيصًا شخصية «فطوطة» التى كتبها المؤلف عبدالرحمن شوقى، فحققت نجاحًا وقدمها سنوات متتالية، حيث تميزت بطاقة كوميدية ذكية مكّنتها من الوصول إلى قلوب المشاهدين من الصغار والكبار، وكذلك تمتعت بحضور أسماء كبيرة فى تتراتها، وليس أدلّ على ذلك من تلحين سيد مكاوى لأغنيتى المقدمة والنهاية.
واستمر المخرج المبدع فهمى عبدالحميد فى التجديد واكتشاف المواهب الجديدة مع شريهان التى تربعت على عرش الفوازير أسوة بفوازير نيللى، ففى عام 1985، قدم الفراشة الرشيقة فى أول مواسم فوازيرها الشهيرة «ألف ليلة وليلة»، بتجسيدها شخصية «عروس البحور»، تلك الأميرة التى تعيش فى البحر، وتقع فى حب أمير وسيم لا سبيل إلى العيش معه أبدا. استمرت شريهان فى تقديم شخصيات من «ألف ليلة وليلة» فى العام التالى، ثم قدّمت فوازير «حول العالم فى 30 يومًا» فى عام 1987، لتعود فى عام 1988 لتقديم فوازير «ألف ليلة وليلة: كريمة وحليمة وفاطيما». وقد أبهرت شريهان الجميع بعد أن أظهرت موهبتها الاستعراضية المكتملة ورشاقتها وحضورها الاستثنائى.
فى تلك الأثناء انشغلت شريهان بالسينما وبحياتها الخاصة التى امتلأت بالألم، بينما امتنعت نيللى عن العودة لتقديم الفوازير، فاضطر فهمى عبدالحميد للبحث من جديد عن «وجوه جديدة» لتقديم مشروعه الرمضانى.
- وقع اختيار مخرج «الفوازير» على وجهين توسّم فيهما الجذب الجماهيرى، فكانت فوازير رغدة ومدحت صالح فى 1989، ثم حاول إسناد البطولة إلى مطربة الأطفال الشقية فى ذلك الوقت صابرين بمشاركة هالة فؤاد ويحيى الفخرانى فى فوازير «المناسبات»، ثم أتى بحسن يوسف وليلى علوى لتقديم «الأشكيف وست المِلاح»، ثم عاد بمدحت صالح لتقديم فوازير «الفنون» بمشاركة شيرين رضا.
وكانت نهاية أبو الفوازير يوم 17 يناير عام 1990 فى التاسعة مساء، حيث كان يصور حلقات «ألف ليلة وليلة»، بطولة مدحت صالح ورغدة ومنى عبدالغنى، ووافته المنية، وخرجت روحه إلى بارئها إثر أزمة قلبية مفاجئة، ليسدل الستار على مشوار لم يمتد أكثر من 51 سنة.