رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

إفطار المطرية.. ورمضان المصرى


12-3-2026 | 13:34

.

طباعة
بقلـم: حلمى النمنم

فى وسط اللهيب والنار، الحرب والدمار، تأبى الحياة إلا البقاء والانتصار، وتظل للبهجة مساحة ودور مهم فى حياة البشر، هذا هو حالنا وقدرنا كمصريين، نحن نعيش منطقة، كأنها نُذرت للصراعات وللحروب التى لا تتوقف، الآن والأمس القريب منه والبعيد، ونحن -الآن- ومنذ عقود نعيش وسط حزام من النيران، كلما حاولنا إطفاءها اشتعلت فى مكان آخر، ربما لا يمر عقد دون حرب كبرى فى المنطقة، ومؤخرا ازداد معدل الحروب، فى سنة 1948 كانت حرب فلسطين، وفى سنة 1956 كان العدوان الثلاثى، وفى سنة 1967 كانت حرب يونيو، ثم حرب 1973، وبعدها اجتياح لبنان سنة 1982، ثم حرب العراق وإيران، بعدها حرب الكويت سنة 1991، ثم حرب العراق سنة 2003، وبعدها حرب غزة، وأخيرًا حرب إيران، الحرب الأولى كانت فى يونيو الماضى والآن الحرب الثانية.. التى دفعت بها إيران نحو 8 عواصم عربية، ونحن فى القلب من كل هذا، نتحمل فواتير إنسانية واقتصادية باهظة، وحتى الآن من الكوارث الطبيعية مثل «كوفيد 19»، وقبلها إنفلونزا الخنازير، وقبلها وقبلها...

 

نجحت الجهود المصرية فى إطفاء جحيم غزة وعودة الحياة مرة ثانية إلى أهلها، ونحاول إطفاءها فى السودان ومنعها من التوهج فى ليبيا، ثم فجأة يهبّ إعصار النار فى إيران وفى منطقة الخليج، حيث يعمل ملايين المصريين وتحاول الجهود المصرية أن توقف النار، الرئيس السيسى نصح وما زال ينصح من اللحظة الأولى لضرورة العودة إلى مائدة الحوار، وسوف يحدث ذلك، بعد أن تكون مخازن السلاح أوشكت على النفاد.

وسط هذا كله يعيش المصريون بهجة أيام وليالى رمضان، هناك مَن يرى فى هذا الشهر، مجرد جوع وعطش وتغير عادات الطعام والشراب سنويا، لكن المصريين قرروا أن يكون شهرًا للشبع الروحى والارتواء النفسى طوال العام، ارتواء بالتكافل والتحاب واللقاء والتسامح والغفران.

يعرف خبراء الأنثروبولوجيا الثقافية أن المصريين برعوا طوال التاريخ فى اختراع واستحداث مناسبات وأعياد تشعرهم بالبهجة، تكون فرصة للتخلص مؤقتا من أعباء الحياة ومواقفها الصعبة، فكان عيد شم النسيم وعيد وفاء النيل وعيد الحصاد.. مناسبات كثيرة تحولت إلى أفراح، سبوع المولود مثلا، أربعين المتوفى، وغير ذلك كثير، لكن شهر رمضان تحديدا له العديد من القصص فى حياة المصريين طوال التاريخ، منذ أن دخل الإسلام مصر مع الصحابى الجليل عمرو بن العاص زمن الخليفة الثانى عمر بن الخطاب رضى الله عنه.

كان المصريون هم مَن قدموا مبكرًا فكرة «موائد الرحمن»، كان الأصل فيها أن هناك عابر السبيل أو الغريب الذى يمر بمدينة أو قرية ما، ولم تكن هناك مطاعم عامة ولا فنادق، كما هو الحال فى الحياة الحديثة، فكانت مائدة الرحمن تُجهز لمَن دهمه الوقت ولم يصل إلى المكان الذى يقصده ولا وصل إلى مستقره، بل غريب.. ثم أضيف إليها أبناء المدينة من الفقراء أو مَن ليست لديه أسرة تجهز له الإفطار، وهكذا انتشرت الموائد، وصارت مظهرًا عامًا فى الأعوام والعقود الأخيرة، لا يقصدها الغريب وعابر السبيل ولا الفقير فقط، بل كذلك مَن يفضلون أن يكون الإفطار جماعيا وسط زملاء وأصدقاء وأحباء.. ليست الموائد وقفًا على القاهرة أو الإسكندرية فقط، بل صارت فى كل مدن مصر تقريبا، وكذلك فى بعض القرى.

هنا يكون التنافس بين مَن يتقدم للمساهمة المالية، فى صمت دون إعلان ودون مَنّ، هنا تبدو القاعدة الإسلامية جلية، وهى أن لا تعلم يدك اليسرى ماذا قدمت اليد اليمنى، والقصد أنه عمل للخير ولوجه الله تعالى، لا رياء ولا مباهاة.

وهنا أيضًا يكون التنافس فى العمل الطوعى، مَن يقومون بتجهيز كل شيء، واستقبال المفطرين بالترحاب والتواد، وتقديم الخدمة لهم، لا يريدون جزاءً ولا يطلبون شكورًا، يقصدون وجه الله تعالى فقط.. وهنا نجد معنى العطاء ومعنى التطوع، وحبّ الآخرين وتقديم النفع والخير لهم.. يكفى أن يقصدك صائم يريد أن يفطر، ولو سحبنا هذه المعانى إلى بقية جوانب المجتمع لصرنا فى حال أفضل وقلت الإحن والضغينة.

ومن موائد الرحمن ظهرت فكرة ومشروع الإفطار الجماعى، إفطار يقوم على تجهيزه مجموعة من الشبان والفتيان، يُقام فى مكان عام، يلتقى فيه الجميع، وكلٌّ يسهم بقدرته، مَن يتطوع بالجهود، مَن تقوم بإعداد الوجبات، ومَن يقدم ما تجود به نفسه من المال، وهكذا وُلد «إفطار المطرية» سنة بعد سنة، رمضان يعقب رمضان حتى صار عيدًا رمضانيًا، يقصده الجميع، مواطنون ومسئولون ووزراء وخفراء.. سفراء.. كتاب وصحفيون.. الكل يجتمع فى مكان واحد.. لحظة واحدة، يوم 15 رمضان من كل سنة.

بدأت الفكرة بسيطة، ثم نجحت وتوسعت حتى دخل إفطار المطرية موسوعة جينيس للأرقام القياسية، من حيث أعداد الذين يتناولون وجبة الإفطار.

إفطار الخميس الماضى كان به تسعون ألف وجبة، أى أن هناك تسعين ألف مواطن ومواطنة جلسوا معا فى مكان واحد، توقيت واحد، يتناولون وجبة الإفطار، صار عيدًا بالمعنى الكامل، شارك فيه سفراء أجانب، ليس كلهم من المسلمين - السفير التركى كان مهتما بتوزيع الطرشى والمخللات وكأنه ابن حى السيدة زينب، السفيرة الألمانية بالقاهرة وجدتها فرصة وراحت تجهز أصابع المحشى، سعيدة أنها تجيد تلك الوجبة المصرية، الوزيرة السابقة نبيلة مكرم، تعد «القطايف» بيديها، حين كانت قنصل مصر فى إيطاليا، كان بيتها يوميًا طوال رمضان يعجّ بالضيوف من قناصل الدول العربية والإسلامية على الإفطار، وهكذا عشرات الأسماء البارزة ذهبوا وذهبن إلى المطرية.

المطرية حىّ شعبىّ، شرق القاهرة على حدود مصر الجديدة من ناحية وعين شمس من ناحية أخرى، حاول بعض المتطرفين أن يجعلوا من الحىّ سنوات التسعينيات وكرًا لهم ومركزًا لعملياتهم، لكن جهود أجهزة الأمن نجحت فى اكتشافهم وإزاحتهم، وانتصرت روح الحىّ التى تغلب على أهله من التحاب والتواد، باختصار السلام الاجتماعى والإنسانى لذا لم يكن غريبا أن تظهر فكرة الإفطار الجماعى بين أبناء الحى وشبابه، ثم تكبر الفكرة، وتصبح علامة رمضانية مصرية بامتياز.

إلى جوار شباب وأبناء الحى، دخلت جمعيات أهلية تدعم وتساند، ثم جهات رسمية مثل وزارة التضامن تمد يد العون والمساعدة، حتى صار معلما مصريا وحدثا ينتظره الجميع كل سنة.

الطريف هذا العام ليس فقط عدد السفراء والسفارات الأجنبية التى حرص ممثلوها على المشاركة والحضور، بل إن هناك عددًا من السياح والأشقاء العرب جاءوا مصر خصيصا ليشاركوا هذا الإفطار، أرادوا أن يكونوا داخل هذا المشهد الفريد.

عُرفت المطرية ببعض المعالم الأثرية، حيث كانت مقر «جامعة أون»، أقدم جامعة فى التاريخ الإنسانى، أُقيمت قبل أكثر من خمسة آلاف وخمسمائة سنة، والمنطقة بها بعض المواقع الأثرية من أيام مصر القديمة، وفى سنة 2021 اكتُشف بها موقع جديد يعود إلى عهد الأسرات.

هى كذلك شهدت مرور العائلة المقدسة بها، فى رحلة الهروب من فلسطين إلى مصر، وبها بئر موجودة إلى اليوم وشجرة قديمة، يُطلق عليها شجرة مريم، يقال إن السيدة العذراء استراحت تحتها، وإن البئر استحم فيها السيد المسيح، لذا تعد الشجرة مقدسة ومباركة إلى اليوم وكذلك البئر هى معلم حى مهم، ويقصدها أيضًا الكثير من المصريين للتبرك والاستراحة، عندها ورد اسم المطرية فى بعض كتب الرحالة المسلمين، باعتبارها فى الطريق من مكة المكرمة إلى مصر، وأنها أول ما يقابل القادم إلى مصر من الصحراء الشرقية.. وفى العصر الحديث صارت أقرب إلى ضاحية من ضواحى القاهرة تخلو من ضوضاء وصخب العاصمة، سكن فيها بعض الوقت الشيخ محمد عبده وأمير الشعراء أحمد شوقى، ومع التوسعات فى القاهرة لم تعد ضاحية ،بل صارت حيًّا من أحياء العاصمة.

الإفطار الرمضانى أكد أن التاريخ لا ينفصل عن الحاضر ولا يبتعد عنه، المطرية مقر العلم والمعرفة، فى مصر القديمة والتى شهدت استراحة العائلة المقدسة، السيدة العذراء وابنها السيد المسيح، والتى استقبلت كذلك الرحالة العرب والمسلمين، هى التى تفتح أذرعها اليوم أمام هؤلاء الباحثين عن السلام النفسى والروحى.

لم يعد الإفطار الرمضانى مناسبة دينية وإيمانية فقط، لكنه فرصة لتحويل الإيمان إلى سلوك اجتماعى وإنسانى متحضر، يقول إن الحياة إرادة، يجب أن تنتصر وأن تتغلب على كل عوامل النزاع والحروب والعنصرية البغيضة.

بعض الأرقام تدلنا على ضخامة الحدث، أكثر من 8 أطنان لحومًا، وعدة أطنان من الأرز، وأكثر من 4 آلاف دجاجة، وهكذا، هذا جهد ضخم، تكاتف الجميع كى يخرج بهذه الصورة الوضاءة والمبهجة، والبداية كانت فكرة بعض أبناء الحى، تحديدا عزبة حمادة بالمطرية.. المشاريع والإنجازات الكبرى يمكن أن تبدأ بفكرة بسيطة وإنسانية للغاية.

أهم ما فى إفطار المطرية، ليس فقط المشهد الرائع الذى وصل إليه وأصبح عليه، بل اللحظة التى وُلدت فيها الفكرة وتأسست، كان ذلك فى شهر رمضان سنة 2013، فى تلك السنة كنا قمنا بثورة 30 يونيو، وصدرت قرارات 2 يوليو الشهيرة، وتمت إزاحة إخوان البنا بعد فشلهم الذريع، وشنت ميليشيات الجماعة الحرب على المصريين كافة، وأرادوا تحويل الشهر الفضيل إلى شهر للعنف وللدماء، جعلوا من منصة رابعة مذبحة للوجدان المصرى، البلتاجى يهدد جهارًا نهارًا، صفوت حجازى يضع مسدسًا بارزًا فى جيب المؤخرة، وهكذا.. رفعوا شعار «نحكمكم أو نحرقكم».

كانت غالبية الشعب المصرى اتخذت قرارها وأزاحت الجماعة، وقررت الجماعة أن تعاقب هذا الشعب كله، وجاءت ردود كثيرة من المصريين، إفطار المطرية كان أحد تلك الردود، أقام الشباب إفطارًا جماعيًا فى الشارع، متمسكين فيه بالأمن والسلام.. يعلنون للجميع أن الإسلام لا يقبل العنف ولا القتل، لا يقبل بالإرهاب.. هو دين السلام والتآخي.. ومَن يفعل غير ذلك فهى مشكلته هو.

نجح الإفطار، وأكد أن المصريين يحبون الحياة والأمن والسلام وهزموا الجماعة الإرهابية.. وحين تتناقل وكالات الأنباء العالمية أخبار هذا الإفطار وما يجرى فيه، هو أكبر رد على أولئك الذين وقفوا وراء إشعال الإسلاموفوبيا.

إفطار المطرية قدم لوحة مصرية إلى العالم، تُغنى عن مئات المحاضرات والرسائل العلمية.

الطريف أيضا أن «إفطار المطرية» ليس حالة استثنائية، بل هو حالة عامة فى مصر كلها، فى إمبابة إفطار مشابه وإن لم يصل إلى حجم إفطار المطرية.. وفى المحافظات إفطارات مشابهة، فى الأقصر وفى المنوفية وفى الشرقية وكذا المنيا وأسيوط. ربما يكون فى كل حى وفى كل مدينة إفطار مشابه، ذلك أن روح الجماعة تسود الشهر الفضيل، وتغلب تلك الروح علينا.

قدمت مصر إلى العالم فكرة فانوس رمضان ومدفع الإفطار والمسحراتى، ثم القطايف والحلويات وموائد الرحمن، وهى الآن تقدم مشروع الإفطار الجماعى.. إفطار المطرية الحالة الأوضح، حيث يلتقى الجميع، فى توقيت واحد، ينتظرون مدفع الإفطار ويجلسون معًا، الفقير قبل الغنى، والغفير إلى جوار الوزير.. المصرى والأجنبى، المسلم والمسيحى، كل مَن على أرض مصر ويستظل بظلها، وكل مَن شهد رمضان.

إنها رسالة مصر إلى الإنسانية وإلى العالم.. إنه رمضان والإسلام المصرى.. حيث حب الحياة وإعمار الأرض، هذه هى مصر.

 

أخبار الساعة

الاكثر قراءة