رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

صُناع «النصر الـخالد»

12-3-2026 | 13:20
طباعة

فى تاريخ الأوطان أيامٌ مشهودة، ومناسباتٌ مشهورة، وأحداثٌ معلومة، لأنها عظيمة القدر، رفيعة المكانة، وعالية الشأن، فهى محفورة فى الذاكرة القومية، وموثقة فى سجلات الشرف الوطنى بأحرف من نور، ومنقوشة فى الأذهان بمداد الفخر، لأن بطولات صناعها تتحدى النسيان، وتضحيات أصحابها ضد التلاشي، وملاحم القائمين عليها عصية على التراجع، ويأتى فى صدارة هذه الأيام الخالدة يوم الشهيد، لأن رجالنا البواسل قدموا أغلى ما لديهم، وجادوا بالروح والدم فداءً للوطن، وانتصروا لعزته، وصانوا سيادته جيلًا بعد جيل لتظل رايته مرفوعة وهيبته محفوظة، فسلام على أصحاب العطاء وحصن الوطنية.

 
 

يوم الشهيد، ذكرى تزداد بريقًا عامًا بعد عام، ومسيرة تتجدد عبر السنوات، وسيرة تتلألأ بمرور الزمان لأنه يجسد بلغة الأفعال عزيمة المصريين الصلبة، وإرادتهم القوية على حماية الوطن الغالى من أية مخاطر، ومجابهة أية مهددات، فأرض الوطن لديهم أغلى ما فى الوجود، ويفتدونها بالروح، ولا يترددون وقت الضرورة فى تقديمها عن طيب خاطر لتحرير تراب المحروسة من أى عدوان خارجى على الجبهات كافة والاتجاهات جمعاء، ومن يقترب يحترق أو يُدفن فى رمالها محسورًا مخذولًا، وقائمة الأعداء الذين نالوا هذا المصير طويلة عبر التاريخ وخصوصًا فى العصر الحديث من العدوان الثلاثى إلى حرب 1967 مرورًا بحرب الاستنزاف وصولًا إلى نصر أكتوبر المجيد، لأن للوطن جيشًا يحميه، وبنفس الهمة واجه أبطالنا فى القوات المسلحة والشرطة المصرية التنظيمات الإرهابية التى صوّر لهم خيالهم المريض أنهم يمكنهم تحدى إصرار المصريين، ومجابهة الدولة بتدنيس أرضها، وإقامة دويلة مارقة على ترابها، فتحولت أوهامهم الخبيثة إلى كوابيس مزعجة، وذهبت أباطيلهم أدراج الرياح، فمن لم يُقتل مدحورًا مهانًا هرب مطرودًا يجر أذيال الخيبة، وعلى الباغى تدور الدوائر.

وكل ذكرى جديدة ليوم الشهيد، من حقنا أن نتفاخر ببطولات شهدائنا الأبرار، فهم صناع المجد الخالد، ومشاعل المسيرة الوطنية، وقدوتنا جيلًا بعد جيل فى التضحية والفداء حتى تظل أعلامنا مرتفعة هاماتها، عزيزة صواريها، فهم كما وصفهم الرئيس عبد الفتاح السيسى فى الندوة التثقيفية الـ 43 للقوات المسلحة، رجال قدموا أرواحهم الطاهرة فداءً للوطن، مؤمنين بأن الوطن أمانة، والحفاظ عليه شرف، والشهادة فى سبيله مجد، وجادوا بحياتهم دفاعًا عن تراب هذا الوطن، وحفاظًا على كرامته، وضمانًا لأمنه، وصونًا لاستقراره، ليبقى شامخًا قويًا، قادرًا على مواصلة مسيرة البناء والتنمية، وساعيًا إلى رسم المستقبل المنشود للشعب المصرى العظيم، ونجدد العهد بأننا سنبقى فخورين بتضحياتهم على مدار الأيام والسنين، فطريق الشهادة ممتد، وأهل مصر فى رباط مستمر من أجل الحفاظ على حقوق بلدنا، ومقدرات شعبنا من أطماع الباغين وحقد الموتورين.

وهنا علينا التوقف بتمعن، والنظر بعمق وتدبر فى مضمون نهاية كلمة الرئيس السيسى وهي: «إن الاحتفال بيوم الشهيد ليس مجرد كلمات تُقال، بل هو عهد يتجدد بأن نصون ما ضحوا من أجله، وأن نعمل بإخلاص واجتهاد من أجل رفعة مصر وتقدمها، وأن نربى أبناءنا على حب الوطن والدفاع عنه، كلٌّ فى موقعه ومجاله».. فعلينا جميعًا أن نكون جنودًا فى معركة التنمية الشاملة التى تقودها الجمهورية الجديدة على مدى أكثر من 12 عامًا فى كل المجالات، والتسلح بالاصطفاف الوطنى والتحصن بالوعى السليم فى مواجهة جميع المخططات الهدامة والمؤامرات التى تستهدف الأمن القومى المصرى فى هذه المرحلة الفارقة فى عمر منطقة الشرق الأوسط كلها، وأن نقتفى أثر شهداء مصر الأبرار، ونسلك طريقهم بأن نجعل تضحياتهم نورًا يضيء لنا طريق المستقبل، وذكراهم تصبح وقودًا لمواصلة ملحمة البناء، فهم لم يضحوا بأنفسهم ويكتبوا التاريخ بدمائهم بدون هدف، بل فعلوا ذلك من أجل حلم عظيم وهو أن تتقدم مصر الصفوف فى كل المجالات، وتتبوأ مكانتها التى تستحقها بين الأمم، وعلينا جميعًا أن نكون على قدر ثقتهم وبحجم أحلامهم.

ومن المؤكد أن هذه ليست المرة الأولى التى يمجد فيها الرئيس السيسى تضحيات شهدائنا الأبرار، فهو حريص دائمًا على إنعاش الذاكرة المصرية فى كل المناسبات الجامعة بسرد قبسًا من نور سيرتهم العطرة، ومواقفهم الوطنية حتى تكون نبراسًا للأجيال الجديدة، وقدوة حسنة لهم فى مسار الدفاع عن الوطن، مع الاسترشاد بعطائهم الوافر فى مهمة التطوير والتحديث بالمجالات كافة، ففى ذكرى يوم الشهيد 2024 أكد الرئيس أن الشهداء سيبقون فى وجدان أمتنا، محل تقدير واحترام الضمير الوطني، ودليلًا قاطعًا على أن حب الأوطان ليس شعارات تُرفع أو عبارات تُنطق، وإنما تضحيات حقيقية، عرق وجهد ودماء ثمنًا لصون مصر وأمنها واستقرارها وتقدمها، وعلى نفس المنوال لفت الرئيس السيسى الانتباه فى كلمته بالندوة التثقيفية الـ 35 للقوات المسلحة بمناسبة يوم الشهيد فى 2022 أن هذا اليوم المشهود هو يوم نكرم فيه ليس فقط أرواح من استشهدوا من أبطالنا الأبرار من رجال القوات المسلحة والشرطة البواسل، وإنما نكرم فيه أيضًا عطاء الصامدين الذين يحملون مسؤولية هذا الوطن، ويصلون الليل بالنهار ليحيا شعب مصر العظيم فى سلام وأمان واستقرار، ولتؤكد مصر أنها غنية بأبنائها الأوفياء جيلًا بعد جيل، وفى كل مرة تتتابع الرسائل الرئاسية لجموع المصريين سواء الحاضرين داخل القاعة أو عبر الشاشات وصولًا إلى صفحات الصحف لتبصيرهم بكل الحقائق والرد على جميع التساؤلات، وشرح جهود الدولة فى ملحمة التنمية الشاملة جنبًا إلى جنب مع معركة حماية الأمن القومى وفرض خطوط مصر الحمراء فى هذا الإقليم المضطرب.

إن سيرة شهدائنا العطرة وسمعتهم الحسنة أطول من العمر، فهم الغائبون الحاضرون دائمًا فى كل نجاحات مصرنا المحروسة، وسيظلون على الدوام أيقونات الوطنية ورمز الصمود، بداية من الجنرال الذهبى عبد المنعم رياض رئيس أركان القوات المسلحة الذى استشهد فى الخطوط الأمامية على جبهة القتال مع العدو، ووسط جنوده خلال تفقده خطة تدمير خط بارليف، مما يؤكد أن رجال القوات المسلحة الباسلة على قلب رجل واحد من الجندى المقاتل إلى أكبر القادة مستعدون لفداء الوطن مهما كانت المخاطر، فهم رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فلا يهابون الموت، ولا يترددون فى لقاء العدو، بل هم أحرص على الشهادة أكثر من تمسكهم بالحياة، لأنهم يعلمون أن الوطن غالٍ ويستحق كل نفيس من جهة، والشهداء أحياء عند ربهم يرزقون من جهة أخرى، وقد أصبح يوم استشهاد البطل فى 9 مارس 1969 يوم الشهيد والمحارب القديم تقديرًا لتضحيته، وبالطبع بطولات الجنرال الذهبى وإنجازاته العسكرية عصية على الحصر، صعبة على العد، وستبقى خالدة أبد الدهر تتحدى النسيان وتهزم الطغيان.

ومن سلسال الشهداء العظماء يأتى الشهيد البطل أحمد حمدي، وقد استشهد أيضًا فى ميدان القتال وبين جنوده خلال مشاركته فى إصلاح أحد الكبارى بنطاق الجيش الثالث فى 14 أكتوبر 1973، وهو أحد أبطال وحدات الكبارى بسلاح المهندسين وقائدها فى معركة العبور، وأعطى لهذه المعركة الفاصلة كل حياته، وأنشأ المعابر التى عبر عليها الجيش المصرى من الغرب إلى الشرق، ليعبر من الهزيمة إلى النصر، وسجل بطولاته زاخـر، فقد شارك فى حروب 1956 والاستنزاف وأكتوبر، وشهد له جميع زملائه وقادته بالنبوغ والعبقرية، فهو موسوعة علمية هندسية عسكرية فى الميكانيكا والمعمار والتكتيك، ويكفى أن نشير إلى أنه خلال ساعتين من انطلاق الشرارة الأولى لحرب أكتوبر المجيدة عبر 15000 من قوات المهندسين العسكريين إلى القناة، وأخذوا يعملون فوق الساتر الترابى لضفة القناة، وفى الموجة الثانية عبرت 80 وحدة هندسية فى قواربها الخشبية المحملة بالأفراد والطلمبات والخراطيم والمهمات لفتح ممرات فى الساتر الترابي، ورغم محاولات العدو لمنع الإنشاءات وتشغيل الكبارى والمعديات بالقصف المستمر أرضًا وجوًا لمناطق تمركز الوحدات وطرق تحركاتها، لكن المخطط تم تحت قيادة الشهيد البطل أحمد حمدي.

وعلى نفس الدرب العظيم سار فخر الصاعقة المصرية الشهيد البطل إبراهيم الرفاعى الذى صال وجال مع رجاله من المجموعة 39 قتال، وكبد العدو الإسرائيلى خسائر فادحة فى قواته سواء فى الأرواح أو المعدات، ونال الشهادة أيضًا فى أرض الميدان فى 19 أكتوبر 1973 خلال مواجهة ضارية بمنطقة فايد، كان هو فى مقدمة الصفوف رغم القصف الشديد، ورفض أن ينزل من موقع القيادة الأمامى استجابة لطلب رجاله، وواصل إطلاق النار على قوات العدو حتى أصيب واستشهد رافعًا رأسه فى عزة وفخر، فهو صاحب مقولة: «نحن أصحاب الحق فى الأرض، ولن أحنى رأسى فى أرضى أبدًا».

ومن تحرير تراب سيناء من الاحتلال الإسرائيلى إلى تطهير أرضها من الإرهاب اللعين، تتابع حكايات شهداء الوطن، فمنذ 2013 وحتى 2022 خاضت مصر حربًا شرسة ضد التنظيمات الإرهابية والجماعات المتطرفة من حلفاء أهل الشر الذين تآمروا ودبروا ليل نهار بهدف إسقاط الدولة بعد خروج المصريين فى ثورة 30 يونيو العظيمة وإنهاء حكم المرشد، لكن رجالنا فى القوات المسلحة كانوا لهم بالمرصاد، وسطروا بدمائهم وكتبوا بأرواحهم شهادة إخلاء أرض الفيروز من الإرهاب بينما كان يشكك البعض فى استحالة ذلك، لكنها إرادة أبطالنا وقوة عقيدتهم، فالنصر أو الشهادة مبدأ لا تنازل عنه، وعلى مدى هذا العقد تتابعت تضحيات الشهداء وتلاحقت بطولات جنودنا السمر الشداد، ومنهم قائد الشهداء العقيد أحمد المنسي، فهو خير خلف لخير سلف، فقد قاد عشرات العمليات الناجحة فى استئصال العناصر الإرهابية من سيناء، ووأد مخطط زعزعة استقرار الدولة واستهداف مؤسساتها الأمنية، وملحمة البرث فى 2017 علامة فارقة فى الحرب على الإرهاب، لأن المنسى ورفاقه انتصروا على مجموعة إرهابية كانت مسلحة بأعتى المعدات وأشد المتفجرات بهدف السيطرة على كمين البرث ورفع الرايات السوداء كناية عن خروج المنطقة عن سيطرة الدولة، لكن المنسى ورجاله الأبطال قاتلوا بشجاعة ورفضوا الانسحاب، ومن عباراته المأثورة فى هذه المعركة: «يا رجالة محدش يسيب سلاحه.. هنموت كلنا بس مش هنسيب حد منهم يعدي»، إنها عقيدة رجال الجيش المصرى فى كل عصر، وهى الدفاع عن أرض الوطن حتى آخر لحظة.

حمى الله مصر وشعبها وقيادتها

ومؤسساتها الوطنية من كل سوء

أخبار الساعة

الاكثر قراءة