رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

الاقتصاد الوطنى فى مواجهة الصدمة


12-3-2026 | 13:32

.

طباعة
بقلم: د. وفاء على

لاشك أن مآلات المشهد الاقتصادى العالمى يجب النظر إليه على أنه صراع مفتوح من أجل الوجود والسيادة المطلقة فى خطة لتمزيق الشعوب التى هى تمثل المظلة الأمنية لأى دولة فى مرحلة تكسير العظام الجيوسياسى، ويشهد الاقتصاد العالمى حالة غير مسبوقة من الانكشاف فى مرحلة الانفجار لعصب النظام المالى والطاقوى والتجارى وكأن زمن الأمن والاستقرار جعل الشعوب والحكومات فى حالة من التضخم الانفجارى، فالكل يرى الحصار الاقتصادى الذى فرض على منطقة الشرق الأوسط، وبالتالى مصر ليست بعيدة عن الواقع المر الذى فرض علينا وجعلنا فى بؤرة الاشتباك، ولكن مصر تعافر كالعادة بمسئولية.

إننا أمام حالة محكمة من العدوان السياسى والاقتصادى ومجمل القول نحن أمة فى خطر يلقى بظلاله على الاقتصاد العالمى والمصرى، حالة من التطويق الاقتصادى التى تكلف دولة فاتورة باهظة الثمن وتضع كل الدول فى قلب المواجهة قصداً، وقبل الخوض فى هذه الفاتورة نقول إن لنا دورا مهما فى الاصطفاف خلف القيادة السياسية لمواجهة التحديات الوجودية فى هذا الفخ المنصوب لمنطقة الشرق الأوسط والنجاة بأمر الله أمر حتمى بالنفس الطويل، والطمأنة الوحيدة تقف على وعى هذا الشعب العظيم الذى يستهدف فى مشروعه التنموى.

إن تحول البحر الأحمر إلى مسرح عمليات مفتوح منذ حرب غزة وهجوم الحوثيين وكل المعارك الهوليودية، أدى إلى انخفاض عائدات قناة السويس بنسبة ٦٠فى المائة، وعندما بدأت الأحوال تتحسن عدنا إلى سيناريو الحرب الأمريكية على إيران، وعدنا مرة أخرى إلى تحويل المسارات مع قفل مضيق هرمز ومخاطر باب المندب وضرب حركة التجارة العالمية مع آسيا والصين والهند فى مقتل، وحتى تكتمل الصورة وتكتمل الأركان وجعل الاقتصاد فى المنطقة تحت نار الحرب بدأت شركات التأمين العالمية التى يسيطر عليها اللوبى اليهودى الصهيونى الأمريكى فى رفض تأمين السفن العابرة من قناة السويس أو مضيق هرمز، لنكون أمام الإطاحة بمورد مهم للاحتياطى النقدى وهو إيرادات قناة السويس التى قدرت أن تحقق ١٠ مليارات دولار بعدما قامت الدولة بتجهيز ظهير من الموانئ والبنية التحتية لتكون مركزا للتجارة والتداول العالمى للطاقة.

ويواجه ملف الصادرات المصرية تحديا كبيرا فى ظل هذه المعضلة الاقتصادية، خاصة بعد الارتفاع الملحوظ فى تكاليف الشحن واضطرار العديد من خطوط التجارة العالمية إلى تغيير مساراتها والالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، وقد انعكست هذه التطورات فى صورة ضغوط متزايدة لا تقتصر على التجارة فقط، بل تمتد أيضا إلى مناخ الاستثمار فى منطقة الشرق الأوسط بأكملها التى تتعرض لسلسلة من الضربات المتلاحقة نتيجة حالة عدم اليقين الجيوسياسي.

وفى ظل تزايد التحديات المالية والتجارية يبرز السؤال الأهم: هل تشبه هذه الأزمة ما شهده العالم خلال جائحة كورونا أو تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية؟ أم أن الاقتصاد المصرى أصبح اليوم أكثر قدرة على الصمود وامتصاص الصدمات مقارنة بالماضى؟ فى هذا السياق تتضح ثلاثة مسارات رئيسية يتجلى من خلالها تأثير هذه التطورات فى عمق الاقتصاد المصرى: أولها ارتفاع الأسعار العالمية وما يفرضه من ضغوط على كلفة الواردات، وثانيها تراجع أو اضطراب التدفقات النقدية نتيجة التوترات الجيوسياسية، وثالثها ملف الطاقة بكل مكوناته، من النفط والغاز إلى مختلف المشتقات البترولية، وما يحمله من تأثيرات مباشرة على حركة الاقتصاد والأسواق مما ينعكس على الحياة اليومية فى كل شىء حولنا، ومع إطالة أمد الصراع الذى تحول من الردع العسكرى إلى التدمير الاقتصادى للمنطقة، ستخرج الأموال الساخنة بوتيرة أسرع، وبالتالى خروج المستثمرين من الأسواق الناشئة، وبالطبع سيكون هناك تأثر كبير لملف السياحة والسفر.

بالنظر إلى الموازنة العامة للدولة التى وضعت تحت الضغط المزدوج فقد بنيت على تسعير برميل النفط بـ٧٥ دولارا، وها هو النفط يصعد وكل دولار زيادة يحمل الموازنة العامة للدولة ٤ مليارات جنيه إضافية، ومع تقليص مخصصات دعم الوقود فى العام المالى الجديد لوحت الدولة بإمكانية اتخاذ إجراءات استثنائية فى أسعار الوقود إذا طال أمد الصراع، نعم الاحتياطيات آمنة وهناك خطط للتعامل مع الطوارئ والمخاطر، وتعدد الشركاء التجاريين أعطى لمصر مساحة كبيرة لتنويع مصادر التغطية الطاقوية والحفاظ على الاستدامة، لكن تأثيرات الحرب ستكون سلبية على المنطقة بأكملها.

فى الوقت الذى كانت فيه مصر تلتقط أنفاسها وتبدأ مرحلة التعافى مع تحسن مؤشرات النمو الاقتصادى، جاءت هذه الحرب لتقطع مسارات التعافى وتفرض ضغوطا تمويلية جديدة، وهكذا وجدت الدولة المصرية نفسها أمام اختبار محورى لقدرتها على الحفاظ على توازنها الاقتصادي، رغم موسم سياحى قوى خلال عام 2025 وبداية 2026، ومع تصاعد التوترات بدأت تظهر إشارات تحذيرية فى الأسواق تمثلت فى تراجع سعر الصرف بنحو 3.8 فى المائة متجاوزا مستوى 50 جنيها للدولار، إلى جانب موجة من المبيعات المكثفة من قبل بعض المستثمرين وما صاحبها من تخارجات من السوق.

وبالعودة إلى تقرير مورجان ستانلى الذى تناول خارطة الطريق للاقتصاد المصرى فى ظل ضغوط التوترات الجيوسياسية وتأثيرها على أجندة الاقتصاد الوطني، نجده قد حذر من استمرار الضغوط على الجنيه وارتفاع تكاليف الطاقة واحتمالات تذبذب مسار التضخم، باعتبارها انعكاسات طبيعية لظروف الأسواق الناشئة وارتفاع أسعار الواردات، فضلا عن التأثيرات المحتملة على قطاع السياحة وتراجع إيرادات قناة السويس، وارتفاع أسعار الطاقة عالميا بسبة ١٠ في المائة مما يمثل زيادة فى حجم أو مؤشر التضخم فى عام ٢٠٢٦ إلى ١١فى المائة مع إبقاء أسعار الفائدة من دون تغيير فى اجتماع أبريل القادم.

وقد شهدت أدوات الدين المحلية موجة من خروج بعض المستثمرين سواء عبر تعاملات البورصة أو من خلال القطاع المصرفي، مدفوعين بحالة القلق المرتبطة بتصاعد المخاطر الجيوسياسية، كما انعكست هذه التطورات على قطاع السياحة والطيران، حيث أدت الأحداث إلى إلغاء نحو 12 ألف رحلة الأمر الذى ألقى بظلاله على حركة السفر والسياحة، خاصة مع تعطل جزء من حركة السفر القادمة من دول الخليج، وهو ما قد يترتب عليه خسائر ملحوظة لهذا القطاع الحيوى.

مجمل القول: إننا أمام إدارة اقتصاد "الكلفة الاقتصادية" أو "اقتصاد الحرب" أو "إدارة المخاطر بالأيدى المتشابكة"، إننا أمام اختبار محورى يرفع عنصر المخاطرة والقدرة على الاقتراض الخارجى أو إصدار سندات دولية جديدة بسبب حالة اللايقين العالمى وتغيير أسعار الفائدة وتأثر مؤشرات النمو الاقتصادى والاستثمار، وتأثر جوهرى لعجز الموازنة مع خروج الأموال الساخنة التى خرجت من البورصة فى الفترة الأخيرة بمقدار ١,٣ مليار دولار من السوق الثانوية بالبورصة، فكل هذه الآثار تعتمد على الفناء الزمنى للحرب.

وزيادة على ما سبق، يبرز السؤال الأهم: كيف يمكن الخروج من هذه الأزمة فى وقت تقف فيه بلادنا على خريطة إقليمية شديدة الاضطراب؟ فالمشهد الدولى يبدو وكأنه ساحة مفتوحة لصراعات النفوذ، حيث تتقاطع حروب الوكالة مع تصفية الحسابات بين القوى الدولية والإقليمية، فى ظل شبكة معقدة من المصالح المتشابكة، وفى خضم هذه المعادلة الصعبة تجد دول المنطقة نفسها عرضة لضغوط متزايدة، بينما تستمر دوائر الصراع فى استنزاف الموارد وتعميق الأزمات، وكأن ما شهدته المنطقة من حروب وكوارث لم يكن كافيا فى ظل سباق محموم على النفوذ وثروات الشعوب، فانتبهوا لما يحاك لنا جميعا وحكموا عقولكم وحبكم لهذا الوطن تحت مظلة "مصر الآمنة بكم".

أخبار الساعة