علينا أن نعترف بأن اهتماماتنا الرمضانية المعتادة قد شغلتنا عن الالتفات بالقدر الكافى لنبأ رحيل شيخ الإذاعيين فهمى عمر قبل أيام، وهو الذى كان فى حياته المهنية والسياسية والرياضية ملء الأسماع والأبصار طيلة ما يقرب من مائة عام عاشها هذا الإعلامى القدير بين السادس من مارس 1928 والخامس والعشرين من فبراير 2026 ( ثمانية وتسعين عاما إلا عشرة أيام) أما إذا أردت أن تحسبها بالتاريخ الهجرى فقد ولد الرجل فى الرابع عشر من رمضان 1346 هجرية، وشاء القدر أن يرحل أيضا فى السابع من الشهر نفسه سنة 1447 هجرية، وهذا معناه أنه أمضى فى هذه الدنيا مائة عام وعام وفق التقويم الهجرى.
أما لماذا نحن مقصرون فى حق سيرة هذا الرجل فلأنه لم يكن مجرد مذيع مصرى ساقته الصدفة للوقوف خلف ميكروفون الإذاعة مرددا قولة كل المذيعين الشهيرة «هنا القاهرة» وإنما كان من الجيل الثانى للرواد الإذاعيين الأوائل الذين حملوا عبء إرساء دعائم هذا الفن الإعلامى وإيجاده من العدم أمثال أحمد سالم وعلى خليل ومحمد فتحى وعبدالحميد يونس وعبدالتواب يوسف وحافظ عبدالوهاب، وغيرهم، فإذا بجيل فهمى عمر الذى التحق بالإذاعة على مشارف الخمسينيات(سعد لبيب وأحمد طاهر ومحمد علوان ومحمد محمود شعبان وصفية المهندس وآمال فهمى وأحمد سعيد على سبيل المثال) يكملون البناء، ويحققون للإذاعة المصرية هذه الجماهيرية الطاغية، وذلك الإرث العظيم الذى ربما لا تزال الإذاعة المصرية تعيش عليه إلى اليوم.
كان ابن صعيد مصر الخال فهمى عمر – كما كان يحب أن يلقبه مقربوه – شاهدا حيا على كل الأحداث الكبرى التى مرت بها مصر والمنطقة العربية، فقد كان هو مذيع الاستوديو فى صباح الثالث والعشرين من يوليو 1952 الذى فتح ميكروفون الهواء للضابط محمد أنور السادات كى يلقى على الشعب بيان حركة الضباط الأحرار فى هذا الصباح الصيفى الحار، وكان هو ذلك الصوت الإذاعى الذى صاحب رحلات قطار الرحمة فى ديسمبر 1952 ويناير 1953 مشروع الرئيس محمد نجيب كأول مشاريع الثورة للمشاركة المجتمعية، وهو الذى كرس مع الإذاعى أحمد طاهر لوجود البرنامج الإذاعى الأشهر «ساعة لقلبك» وعلى يديه خرج جيل كامل من نجوم الكوميديا أمثال فؤاد المهندس وعبدالمنعم مدبولى ويوسف عوف وأمين الهنيدى ومحمد عوض وخيرية أحمد وأبو لمعة والمعلم شكل وغيرهم، الأمر نفسه فعله مع الإذاعى سعد لبيب فى واحد من أشهر البرامج الإذاعية فى حينه «مجلة الهواء» صاحب الخبطات الإذاعية الرنانة.
وفهمى عمر هو الباعث الحقيقى لـ«إذاعة الشعب من القاهرة» أحد المشاريع الإعلامية الكبرى لثورة يوليو والجسر الذى أمدته التجربة الناصرية بينها وبين عمال وفلاحى مصر لعشرات السنين، فهمى عمر هو المؤسس الفعلى للبرامج الرياضية فى الإعلام المصرى، وأول من ابتدع فكرة التعليق الأسبوعى على مباريات الكرة المصرية، وصاحب التغطيات الإذاعية المميزة للدورات الأولمبية وبطولات كأس العالم، فهمى عمر الذى ظل يعطى للميكروفون حتى تولى رئاسة الإذاعة المصرية بين عام 1982 و 1988، وفى عهده أعيدت هيكلة الإذاعة إداريا، وعرفنا عهد الشبكات الإذاعية، وامتد الإرسال لمدة أربع وعشرين ساعة ووصل تقريبا إلى كل شبر فى أرض مصر.
ليس هذا فقط، فقد كان فهمى عمر هو القيادة الإعلامية الوحيدة الذى كان له دوره البرلمانى المميز بفضل عضويته فى مجلس الشعب بين عامى 1987 و 2002، وهو الذى قدم ابنه شهيدا من أجل الواجب الوطنى فى إحدى جرائم الإرهاب فى الصعيد، وهو الوكيل الشرفى لنادى الزمالك حتى وفاته، وعضو مجلس إدارته فى أكثر من دورة .. هل أزيدكم من الشعر بيتا؟ لقد مثل فهمى عمر للسينما فى فيلم «كهرمان» سنة 1958 وظهر صوته معلقا فى كثير من الأفلام وخاصة أفلام محمد فوزى وأشهرها فيلم «معجزة السماء» سنة 1956 من إخراج عاطف سالم.
وعلى المستوى الشخصى، فقد عرفت الأستاذ وأنا دون الثانية عشرة من عمرى حين أتانى صوته مهنئا عبر الهاتف بعد أن حققت المركز الأول على مستوى الجمهورية فى امتحانات الشهادة الابتدائية، وأخبرنى أنه حصل على رقم هاتف منزلنا من مدرستى الابتدائية وأنه سوف يرسل لى مذيعا شابا – أصبح صديقا لى بعد ذلك هو الراحل عاطف عبدالعزيز – كى يجرى معى حوارا إذاعيا بهذه المناسبة، الأمر الذى تكرر لاحقا بمذيعين آخرين فى الشهادتين الإعدادية والثانوية، وحينما انتسبت إلى بلاط صاحبة الجلالة كان بديهيا أن يصبح فهمى عمر أحد أهم مصادرى المقربة، هو الذى حكى لى قصة المطرب الصاعد محمد رشدى الذى كان موجودا بمبنى الإذاعة القديم بالشريفين صباح الثالث والعشرين من يوليو 1952 وكيف عطف عليه الضابطان أنور السادات وجمال حماد وجعلاه يغنى أغنيته الشهيرة «قولوا لمأذون البلد» حتى يتمكن من تقاضى مقابلها المالى، وهو الذى حكى لى قصة تعارفه الأول على الموسيقار محمد فوزى أثناء رحلة قطار الرحمة إلى الصعيد، وكيف عزم كل نجوم القطار فى قريته واسمها «الرئيسية» مركز نجع حمادى محافظة قنا، وصداقته التى استمرت مع الموسيقار الكبير ومشاركته فى كتابة تعليقات أفلامه، ولقاءه الأخير معه فى لندن قبل وفاته فى أغسطس 1966 أثناء تغطيته لبطولة كأس العالم فى تلك السنة، وهو الذى حكى لى كيف كان عبدالحليم حافظ زملكاويا متعصبا يحضر معه تغطيته للمباريات فى نادى الزمالك قبل أن يغير العندليب لونه من الأبيض إلى الأحمر على أثر تعارفه بصالح سليم كابتن النادى الأهلى، وهو الذى حسم لى باعتباره شاهدا حيا أكذوبة حجب الإذاعة المصرية لأغنيات كوكب الشرق أم كلثوم فى الأسابيع الأولى لقيام ثورة يوليو مؤكدا أن شيئا من هذا لم يحدث.
باختصار: لقد عاش الأستاذ مائة عام من تاريخ مصر كان خلالها إما شاهد وإما صانع لكثير من أحداثها الكبرى، فرحم الله الخال فهمى عمر.