رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

الأمية الدينية ومؤسسات التعليم


1-1-2026 | 09:28

.

طباعة
بقلم: إيمان رسلان

منذ أيام وقّعت وزارة التعليم بمقر دار الإفتاء بروتوكولًا للتعاون، كان عنوانه كما جاء ببيان الوزارة هو محاربة الأمية الدينية، وهى الجملة التى أصر الكيبورد وخوارزمياته بكتابتها الأمية التعليمية، وتضمن البيان كلمات مثل نشر الأمان الفكرى، وقبلها بأشهر كان هناك أيضا توقيع بروتوكول مع وزارة الأوقاف للتعاون، وربما بنفس الأهداف والكلمات، وإن زاد عليها فى بروتوكول الأوقاف هى التعاون لاستخدام باحات المساجد فى مرحلة رياض الأطفال وهى نقطة مهمة لاستغلال الأصول الموجودة. يتداعى ذلك إلى ذهنى فى الوقت الذى قلصت فيه وزارة التعليم من تدريس الفلسفة ومناهج التفكير النقدى من المرحلة الثانوية وألغتها تماما بالبكالوريا والثانوية العامة، وكأننا نضع مناهج التربية الدينية فى مقابل الفلسفة فى استقراء أرسطى انتهى منذ قرون.

 

 

فى البداية سوف أضع نص بيان وزارة التعليم كاملا -كوبى بست- وكان العنوان له مذكرة تفاهم بين دار الإفتاء ووزارة التربية والتعليم لمحو الأمية الدينية وترسيخ الفكر الوسطى ومواجهة كافة أشكال الغزو الثقافى والفكرى.

وقّع فضيلة الدكتور نظير عياد، مفتى الديار المصرية، والسيد محمد عبداللطيف، وزير التربية والتعليم والتعليم الفنى، مذكرة تفاهم، بمقر دار الإفتاء؛ بهدف محو الأمية الدينية وترسيخ الفكر الوسطى ومواجهة كافة أشكال الغزو الثقافى والفكرى التى تستهدف الهوية.

وأكد الجانبان خلال مراسم التوقيع أهمية التكامل المؤسسى بين وزارة التربية والتعليم ودار الإفتاء، باعتباره ركيزة أساسية فى حماية النشء من الأفكار الهدامة، وتعزيز ثقافة الحوار والتسامح وقبول الآخر، بما يسهم فى دعم الأمن الفكرى وترسيخ قيم المواطنة والانتماء.

وتشمل أهداف التعاون بين دار الإفتاء المصرية ووزارة التربية والتعليم إدماج مفاهيم الوسطية والفتوى الرشيدة فى مناهج التربية الدينية والوطنية والأنشطة المصاحبة لها، وفق آليات الوزارة المختصة بالمناهج التعليمية، بما يناسب المراحل العمرية المختلفة، فضلا عن تدريب المعلمين والموجهين وأخصائيى الأنشطة على مهارات الحوار، ومواجهة الشبهات، والتعامل مع الأخبار الزائفة وخطاب الكراهية عبر مركز التدريب فى دار الإفتاء المصرية.

كما يشمل التعاون إطلاق حملات مشتركة لمحو الأمية الدينية، ودعم مراكز محو الأمية، والتعليم الأساسى، فضلا عن إنتاج برامج ومحتوى ثقافى وفنى داعم للهوية، والقيم الإيجابية، بالتعاون مع المؤسسات التابعة لوزارة الثقافة.

كما يتضمن التعاون إقامة مسابقات توعوية تستهدف الطلاب والمعلمين، والأخصائيين لتوجيه اهتمامهم نحو القضايا الوطنية ذات الأولوية، والتى تدخل فى إطار مجالات عمل الوزارة ودار الإفتاء، مع تقديم جوائز للفائزين فيها.

وتأتى هذه الخطوة فى سياق حرص دار الإفتاء المصرية ووزارة التربية والتعليم والتعليم الفنى على تنفيذ استراتيجية شاملة لبناء الإنسان المصرى، من خلال شراكات فاعلة بما يدعم الجهود الوطنية الرامية إلى نشر الوعى الصحيح وتعزيز الاستقرار الفكرى.

انتهى البيان وقبل تناوله طبقا لمذاهب حسن القراءة والفهم والتأويل، وهى أحد المناهج التى تدرسها الفلسفة باسم علم التأويل. أوضح أننى وأولًا لست ضد أى تعاون بين مؤسسات الدولة، خاصة مع التعليم، فهذا فرض عين، ولست ضد أيضا الهيئات ودورها المهم فى المجتمع ومنها الإفتاء، ولكن يبقى السؤال: إذا سمح العقل والأمان الفكرى به -وكان هذا المصطلح أول مرة أسمعه من د. محمود أبو النصر وزير التعليم الأسبق- ما علاقة الإفتاء بتعليم الأطفال والتلاميذ فى التعليم العام وبالسن الصغيرة مثل الإفتاء الرشيد كما جاء بالبيان؟

وإذا كان المقصود هو المناهج الدينية فهى موجودة ومنذ زمن طويل، بل أعلم علم اليقين أن الأزهر يتعاون ويراجع مناهج التربية الدينية، وأذكر أن د. حسين كامل بهاء الدين فى أوائل التسعينيات وهو من أعظم وزراء التعليم- اجتمع بنا مرة -أقصد صحفيى التعليم والمفكرين- وكانت أيامها الحملة شديدة عليه من تيار الإسلام السياسى والإخوان والمتطرفين، ووصلت لتوزيع كتب ضده بالمنصورة على ما أتذكر، وشرح لنا أن مناهج الدين تتم بالتعاون مع الأزهر، ولأنى مشاغبة بالسليقة ذهبت إلى متحف التعليم واطلعت على مناهج الدين قديما وحديثا، والمقصود قديما هى قبل عقود من هذا التاريخ فى التسعينيات، وتوفر لى مادة بحثية أشرت إليها وقتها، ولكن لم أنشر الدراسة المتكاملة عنها، وربما أنشرها لاحقا.

لذلك يبقى السؤال مشروعا عن ما علاقة الإفتاء بالتعليم والمناهج والطالب الصغير أو فى مرحلة المراهقة، ومن الذى سيشرف على تلك المناهج ويراقبها ويراجعها؟ خاصة أن اسمها مادة التربية الدينية وليس الدين لأن إضافة كلمة التربية تعنى أن لها أسسًا علمية وتربوية وفق تخصص أصول المناهج والفارق بينهما كبير للغاية ومهم، وتضمن البيان كذلك عن تعاون مؤسسى فى ذلك، وهو ما لم توضحه تماما وزارة التعليم فى بيانها، عن أمثلة تطبيقية لهذا التعاون، والذى يتضمن مصطلحات مثل الفتوى الرشيدة -كان الإمام الشافعى قد غيّر فتاواه بين بغداد ومصر لاختلاف بيئة الفتوى وظروفها فكيف سنطبق منهج الفتوى الرشيدة الآن بالتعليم العام؟

وهذا ينقلنا إلى جمل بالبيان مثلاً والهدف هو المناهج الوطنية وتدريب المعلمين على الحوار ومواجهة الشبهات والتعامل مع الأخبار الزائفة كما تضمن البيان. ولا أعرف كيف ستسهم الوزارة وليس الإفتاء فقط بمواجهة نشر الأخبار الزائفة كما جاء فى البيان، ونحن أهل الاختصاص خاصة بعدما أصبح هذا الأمر فى ظل تعدد وسائل النشر والسوشيال ميديا قضية بالغة الصعوبة حتى لمَن يعمل بالإعلام، فما بالنا بالآخرين لا سيما فى ظل ثقافة الترند والذى وراءه مكسب مالى، فهو ليس عملاً لوجه الله والمعلومة، وإنما لأن وراءه مكاسب مالية وكبيرة، ويمكن تطبيق ذلك على ما يتم نشره مثل تريند الممثلة ريهام عبد الغفور ونُشر مؤخرا، وكيف ستواجه الإفتاء أو الأوقاف والتعليم ذلك هل بإتاحة الفيديو مثلا كمادة توضيحية ولبيان أنه عمل غير أخلاقى وغير إنسانى أصلا، فيصبح فى نشره تكريسًا للفعل وليس بيان وضاعة العمل! وهل تتم مواجهة ذلك بالفتوى أم بالقوانين مثلما يحدث فى إنجلترا على سبيل المثال؟

وهذا ينقلنا لما تضمنه البيان من العمل أيضا ليس مع الإعلام وإنما مع مؤسسات الثقافة، وهذه نقطة بالغة الأهمية وضرورية فى رأيى، ولكن السؤال: هل سيكون هذا تعاونا ثلاثيا أى الثلاثة فى واحد، وما شكله ومضمونه خاصة أننى من المقتنعين بأن التعليم والثقافة مركب 2 فى واحد ضرورى وحتمى؟

أما البروتوكول الثانى الذى وُقع قبل أشهر مع وزارة الأوقاف والترتيب هنا نظرا لأن بروتوكول الإفتاء كان الأحدث خبريا، وليس للمكانة أو غيره، وهو بروتوكول تضمنه أيضا بيان رسمى من الوزارة عن عقده أيضا بمقر وزارة الأوقاف، ودراسة التعاون فى توفير أماكن رياض الأطفال بالمساجد، وهى خطوة لا بأس بها، وأرى تعميق الحوار حولها عمليا وفنيا وليس دينيا، بمعنى أنه إذا كان مجرد مكان فما المانع منها، شرط أن يستقل بنفسه وبمداخله، وإلا يعتبر جزءا من النشاط الدينى مثل قاعات الأفراح والعزاء والجمعيات الملحقة بالجوامع وأن ينتقل نفس التطبيق إلى الكنائس أيضا، هذا إذا تعاملنا مع الفكرة كمكان فقط، ولكن ربط الأشياء بمضمون دينى تكريسًا لمبدأ المواطنة وحتى يعرف الآخر، فهذا يحتاج حوارا وأقترح أن يتم من خلال المجلس القومى للتعليم، لأننى أرى فى تلك المناهج المقترحة تداخلا بين السلطات والمؤسسات والأفكار والمهام، فقبول الآخر لا يحتاج وزارة الأوقاف أو الإفتاء وإنما يحتاج كل المؤسسات بالمجتمع، وعلى رأسها التعليم.

وفى الأسبوع الماضى، أجرى وزير التعليم حوارا تليفزيونيا مع الزميلة المجتهدة لميس الحديدى، وتم الحديث به عن تغيير درجات مادة التربية الدينية لتصبح 70 فى المائة وأنها لا تُضاف للمجموع، وقال الوزير إن ذلك تم، لأن مادة الدين هى من المفترض أنها أهم مادة عند الطالب، وهنا نعود إلى أهمية تحديد معنى المصطلحات المستخدمة، وهى شرط أساسى فى أى بحث علمى حقيقى، فالدين غير مادة التربية الدينية، وإضافة كلمة التربية تعنى أن لها أسسًا أخرى فى التعامل بالمناهج غير الدين نفسه، وهذه الإضافة مقصودة من علماء التربية والمناهج، وهى مصطلح التربية، وهى أيضا متغيرة عبر السنوات كما هو ثابت فى مناهج متحف التعليم عبر العقود، أى أن التربية الدينية متغيرة ونسبية مقابل الدين المطلق، لذلك توقفت عند استخدام المصطلح على لسانه والخلط بين الثابت والمتغير أو النسبى والمطلق.

وهذا ينقلنا إلى النقطة الثالثة وهى إلغاء تدريس الفلسفة فى البكالوريا والثانوية العامة تماما وحتى ليس كمادة اختيارية أو مستوى رفيع، بالمناسبة كانت مادة الفلسفة وحتى سنوات قريبة متوافرة أيضا كمادة مستوى رفيع فى الثانوية العامة، ومرفق بالمقال صورة لكتاب المستوى الرفيع ومن هم واضعو هذه المناهج ومدى علمهم كقامات فكرية فى مصر، وكيف أن تدريس الفلسفة ساعد على خلق جيل واعٍ ومبدع، ومنهم نجيب محفوظ شخصيا خريج الفلسفة.

إن الأزمة الحقيقية التى نواجهها فى كثير من أزمات المجتمع، سواء الاجتماعية والأخلاقية ومنها التعليم هى عدم وجود التفكير النقدى من أساسه، بل إلغاء الفلسفة ولن أقول كراهيتها على اعتبار أنها ليست كفرًا والعياذ بالله ولكنها لجاجة ونقد وتفكير، مع أنها هى التى أنقذت الحضارة الإسلامية من سيطرة حضارات أخرى فى وقت من الأوقات بل تسيدت من السيادة العلمية والفكرية، وكان ذلك بسبب العقل والتفكير العلمى المنطقى والرياضى، وإلغاؤها يعنى نزع أسس التقدم والتفكير الخلاق والمبدع.

فالتفكير النقدى هو الذى ينمّى ملكة الضمير والعقل بل والإبداع عند الطالب وهى ملكة موجودة عند الجميع من البشر والطلاب بدون استثناء.

 

أخبار الساعة