رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

«فقه الاستدامة».. يجمع بين حكمة الأجداد وذكاء الأحفاد


1-1-2026 | 09:27

.

طباعة
بقلـم: محمود علوان

مع إشراقة شمس عام 2026، نستشرف «الفتوح البيئى» فى مصر لا كمشروع مادى فحسب، بل كتحقيق عملى للعبودية لله تعالى، وكرؤية شاملة تدرك أن التنمية المستدامة هى تطبيق إعمار طبقاً لفهمنا لنهج سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وأن فهمنا لنهج سيدنا محمد أن ذلك خلق واجب نهجه، وأن الدين لتسهيل وتعظيم مكتسبات الحياة، هذا الفتح هو لقاءٌ روحى عملى، حيث تلتقى تقوى القلوب بتكنولوجيا العصر فى تناغمٍ واحد، لن تُزهر الأرض إلا إذا أزهر القلب أولاً، الفتح البيئى يبدأ بفتح فى البصيرة: أن ترى فى الشجرة أختاً روحية، وفى النهر شريان حياة، وفى الهواء نعمة مُسْتَدَامَة، حينها يصير الحفاظ عليها جزءاً من وجودك، لا جزءًا من واجباتك.

 
 

إننا هنا، بعهد القلب والدعاء، وبرسالةٍ عالميةٍ نرفعها من أرض الكنانة، نحمل شعارنا الذى هو منهجنا: «السجادة العلوانية الخلوتية» جهادنا اجتهاد فى العلم، وعملاً دؤوباً لخدمة الوطن تحت ضياء الإيمان»، وكما أن توضيح أقوال الإمام ابن علوان هو فهم لنهج سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فى التوحيد والعمل والإحسان، فإننا اليوم نترجم هذا الفهم إلى حركة عمران شاملة، وهذا الفهم المشترك هو أساس الوحدة بين أبناء الوطن والكيانات الجيوسياسية وغيرها، حيث يجمعنا مشروع إنسانى حضارى تتسع دائرته لتشمل كل من يشاركنا الأرض والإيمان بضرورة حفظها، وهو تطبيق لفهمنا من أشياخنا أن أحب الناس إلى الله أنفعهم لعباده.

فإذا كان الإمام الفقير لله أحمد بن علوان قد جعل ثمرة الإخلاص بالعبودية لله منارة لخدمة الخلق، ورأى أن الطريق إلى الخالق يمر عبر الإحسان إلى صنعته، مستلهمين مقولة سماحة الفقير لله الشيخ محمد محمود علوان شيخ مشايخ الطرق الصوفية: «التصوف قوة وبعث لدفع عجلة الحياة والنهوض بمقومات الوجود واعتصام بفضائل الروح والأخلاق وتمسك بالمثل العليا للإيمان بالله بعنفوان الإيجابية البناءة النشطة بالدارين»، فإننا اليوم مدعوون لنجعل من أرض مصر كلها «محراباً» للإعمار، حيث تتناغم تقنية الذكاء البيئى مع حكمة القلب والتقوى، منفذين من تعاليم سماحته: «تطبيق التربية الروحية فى كافة جوانب الحياة بمنظور الإحسان بعبادة الله».

المنبع الأول: الفصل المنزلى للمخلفات من «تطهير النفس» إلى تنقية البيئة

يأتى الفتح البيئى أول ما يأتى من محراب البيت، حيث تلتزم الأسرة بـ«الورع» فى الاستهلاك و«الأدب» مع النعمة، الفصل المنزلى للمخلفات ليس مجرد إجراء إدارى، بل هو عبادة عملية وأول خطوة ملموسة نحو تحقيق الاقتصاد الدائرى الذى يتناغم مع الفطرة، لا نأخذ من الأرض إلا بقدر، ونعيد إليها ما يصلحها، إنها ترجمة حية للحكمة النبوية «لا تسرف فى الماء ولو كنت على نهر جار» لتشمل كل النعم، وتطبيق لمبدأ «لا يضيع شيء عند المؤمن»، هذا الفعل البسيط هو شكل من المراقبة الذاتية ومحاسبة النفس على الاستهلاك، يجعل من كل أسرة خلية نحل منتجة تسهم فى توفير مواد لصناعات التدوير وتوليد دخل، وتقلل العبء على موارد الأرض، إنه جهاد صغير فى معركة الفتح البيئى الكبرى، ولبنة أساسية فى الوحدة العملية للمجتمع، وهو تطبيق عملى لتعظيم الفائدة من الاقتصاد التدويرى، وتحويل البيت إلى وحدة إنتاجية.

غرس البذرة: ألعاب يدوية للأطفال «تربية «حراس الأمانة»

لن يثمر الفتح دون تربية الورثة، الطفل هو الحارس المستقبلى لأمانة الأرض، وغرس القيم فيه يحتاج لغة اللعب، تشجيع الأطفال على صنع ألعاب يدوية من مواد معاد استخدامها هو درس عملى فى الإبداع والاقتصاد واحترام النعمة، هذه الألعاب أدوات تربية ذوقية وبيئية تهدف لربط الطفل بمحيطه وتعزيز مبدأ «الوصاية» وتنمية «الذكاء البيئى»، إدخال أنشطة «الاقتصاد الدائرى» فى المناهج والأنشطة المدرسية يبنى جيلاً يرى فى مخلوقات الله أخوة، ويرى فى التكنولوجيا أداة لخدمتها لا للقطيعة معها.

توحيد الرؤية: تطبيق المبادئ عبر المقررات كافة

إن منهجنا القائم على تكامل العلم والعمل والتقوى يرفض حشر التربية البيئية والروحية فى مادة واحدة، بل يجب أن تكون نسجاً يتخلل جميع المقررات، لتصير ثقافة وسليقة مجتمعية، وهذا يعنى تطبيق موضوعات الاستدامة فيما يسمح بالمقررات كافة وعدم الاقتصار على مقرر متخصص فقط فى الرياضيات بحساب ترشيد الاستهلاك، وفى اللغة العربية بنصوص عن جمال الطبيعة، وفى العلوم بالانتقال إلى المدرسة المنتجة الخضراء، وفى التربية الدينية بالتعمق فى «فقه الاستدامة» وربط الآيات بالممارسة، هذا التكامل المنهجى – وهو تطبيق لقول شيخنا «تطبيق التربية الروحية فى كافة جوانب الحياة» – يبنى الوحدة الفكرية والعملية للجيل، ويجعل الاستدامة منهج عيش يجمع بين حكمة الأجداد وذكاء الأحفاد، وهذا النهج فى ترابط العلم والعمل والتقوى يؤدى إلى الإخلاص لله فى تطبيق ذلك، وتحقيق العبودية الكاملة.

الفتوح البيئية: من «الخلوة» إلى «الجلوة» التنموية

فى فكر السجادة العلوانية، ليس الولى من انعزل عن الناس فى خلوة انقطاع، بل من «جلا» عليهم بنفعه بعد أن تزود فى خلوته، واليوم يتجسد هذا المعنى فى مشروعات مصر القومية؛ فما هى إلا «تكنولوجيا التقوى»، استخدام العقل الذى وهبه الله لنا، واستخلاف الآلة التى صنعناها، فى مقام الحفاظ على الأمانة والإحسان، وهو تطبيق عملى لفهمنا لنهج النبى صلى الله عليه وسلم فى إعمار الأرض:

الطاقات المتجددة: فى «بنبان» وغيرها، هى «زهد عملى» وتمرد على ثقافة الاستهلاك، وتحرر من تبعية المصادر الملوثة، وانتقالٌ روحى من استهلاك المادة إلى استثمار نور الله فى كونه.

الزراعة الذكية: استخدام تقنيات الاستشعار عن بُعد والرى الدقيق هو «ورعٌ» فى استخدام كل قطرة ماء وكريم رزق، فالمؤمن الحقيقى لا يهدر نعم الله. وهذا يتوافق مع فهمنا لنهج النبى صلى الله عليه وسلم الذى حث على عدم الإسراف حتى فى ظل الوفرة.

-الذكاء الاصطناعى الأخضر: استخدام الخوارزميات لتحقيق «عدالة التوزيع»، لضمان وصول الموارد والخدمات للقرى الأكثر احتياجاً، هو تجسيدٌ عملى لمبدأ «الخلق عيال الله، وأحبهم إليه أنفعهم لعياله»، وهذا التطبيق العادل هو أساس الوحدة الحقيقية، لأنه يزيل أسباب الاحتقان ويبنى الثقة بين الدولة والمواطن، وبين الأغنياء والفقراء.

وللحديث بقية.

أخبار الساعة