عدت للأقصر بعد 28 عامًا من الغياب فوجدت مدينة عالمية، عروسًا متألقة فى يوم عرسها، ملكة متوجة، متحفًا مفتوحًا يضم كل الحضارات والعصور التى مرت على مصر، فرعونية، ورومانية يونانية، وقبطية، وإسلامية، فاتحة أبوابها للزوار، تستقبل الضيوف بابتسامة وكرم ضيافة، تتعانق فيها المسلات المصرية القديمة مع مآذن المساجد وأجراس الكنائس، المدينة السمحة الطيبة، وكأن لها من اسمها القديم نصيبًا، (طيبة).
تحتفل الأقصر بعيدها القومى فى منتصف ديسمبر من كل عام، وهو ما يتوافق مع اعتبارها محافظة بعد أن كانت مدينة تابعة لقنا، وكان أول محافظ لها اللواء سمير فرج، المدير الأسبق لدار الأوبرا، والمقاتل الذى شهد انتصارات أكتوبر 73 كأصغر ضابط فى غرفة العمليات مع الرئيس السادات وقادة النصر، وابن بورسعيد الوطنى الشهم الذى أفحم (شارون) وهو يدرس فى لندن، والمدينة تتمتع بالتأمين الصحى الشامل لكل المواطنين من كشف وتحاليل وأشعة وعلاج وعمليات مجانا.
وشهادة حق ما التقيت مواطنًا من أبناء الأقصر إلا وأثنى على اللواء سمير فرج، وقال إن ما شهدته الأقصر من تطور حضارى يرجع إليه، وإليكم بعض مآثره، شق وفتح وصيانة طريق الكباش بطول ثلاثة كيلو مترات من معبد الأقصر حتى الكرنك، وتطوير الكورنيش والشوارع الرئيسية، وتأسيس الميادين، وتسهيل الانتقال للمدينة من خارجها، وكان حلمه النهائى أن تصبح متحفًا مفتوحًا.
أيضًا يتواكب احتفال المدينة بعيدها السنوى مع المهرجان القومى للتحطيب، هذا المهرجان الذى أسسه الفنان الشعبى الراحل عبدالرحمن الشافعى، امتداد الرائد زكريا الحجاوى، ويواصل مسيرته اليوم ابنه الفنان أحمدالشافعى، وهو مهرجان مصرى بامتياز، وانتهت من أيام دورته الخامسة عشرة، والتحطيب أو اللعب بالعصا، لعبة مصرية أصيلة وجُدت مرسومة على جدران المعابد والمقابر، خاصة فى مقابر بنى حسن فى المنيا، ونجحت مساعى مصر فى تسجيلها على قائمة التراث فى منظمة (اليونسكو) سنة 2016م، وهى لعبة الرجال، وشريك أساسى فى موالد الأولياء والصالحين، وفى أفراح أهلنا فى الصعيد من بنى سويف والمنيا حتى دراو فى أسوان، مرورا بأسيوط وسوهاج وقنا، ولها مسابقات، ومحكمون، وشيخ للعصا، ولها تقاليد متوارثة من آلاف السنين، وبحاجة لرشاقة وليونة ومرونة وأدب، لأن الخطأ مكلف، والمهرجان يقام سنويًا فى ساحة أبى الحجاج الأقصرى ومعبد الأقصر، وسط المدينة، وتلتف حول عروضه جماهير عريضة من أبناء الأقصر، أمهات وآباء، نساء ورجال، وشباب وبنات، ومن السياح الأجانب من كل الجنسيات، وما إن ينطلق صوت المزمار البلدى وقرع الطبول حتى يتوافد الناس من كل مكان للاستمتاع بعروض التحطيب.
وبعد شهر من الآن تستضيف الأقصر محبى آل البيت ومريدى الطرق الصوفية من مصر وخارجها، للاحتفال بمولد القطب سيدى أبى الحجاج الأقصرى، وهو أهم علم دينى إسلامى بها، ويقع ضريحه ومسجده فى أقصى طرف معبد الأقصر، فى امتزاج طبيعى يعبر عن الروح المصرية، بين المعبد الذى شيد لعبادة الله تعالى، والمسجد الذى شيد لذات الغرض، والعجيب أن أعمدة المعبد تشكل ذاتها أعمدة المسجد، وأن القطب الكبير حين وفد من الحجاز واستقر بالأقصر لم يتعرض لا هو ولا أتباعه للآثار بسوء، والأكثر دهشة أن بالمسجد وحوله عدة أضرحه لأقارب أبى الحجاج، ويوجد ضريح باسم «السيدة تريزا رضى الله عنها»، وحين سألت إمام المسجد عنها قال إنها كانت من أعلام المدينة ومن كبار الأقباط بها، وتعرفت بالشيخ وحسن إسلامها وطلبت أن تدفن إلى جواره.
وحديثًا تضم الأقصر ساحتين صوفيتين كبيرتين، هما ساحة الشيخ الطيب فى البر الغربى فى (القرنة)، وقد بناها جد د. أحمدالطيب شيخ الأزهر الحالى، واتخذ من منطقة جبلية سكنًا ومقامًا فأصبحت عامرة بالناس، والساحة تضم مسجدًا كبيرًا، ومضيفة لاستقبال وإقامة الزوار، وإطعام الطعام، وإلى جوارها بيت شيخ الأزهر، وبيت شقيقه الأكبر شيخ الطريقة الخلوتية بالسند المتصل إلى سيدى أحمدالدردير، ود. الطيب لا يغيب عن بيته أكثر من ثلاثة أسابيع، حيث تظل زوجته وابنته وابنه محمود يعيشون هناك، ويستقبل شقيقه وابنه الضيوف ويقومون على خدمتهم.
أما الساحة الصوفية الثانية فهى (الرضوانية)، وهى جنوب الأقصر، وتتبع (نجع البغدادى)، وأقامها العارف بالله الشيخ أحمد رضوان، المنتقل سنة 1969م، والذى كان يجله الرئيس عبدالناصر كثيرًا، وقام الوزير السابق د. حسن عباس زكى، بتوطيد الصلة بينهما، والساحة تضم ضريح الشيخ، ومسجده، وأماكن فسيحة جدًا لاستقبال الضيوف وإقامتهم، وإطعام الطعام، وهى زاخرة بالزوار على مدار العام، وكان وزير الأوقاف د. أسامة الأزهرى ضيفًا حل بها قبل أسبوعين لتكريم حفظة القرآن الكريم.
أما الحديث عن الكرنك فلا تسعه صفحات، فهى مجموعة معابد تمثل كل العصور، وعلى مساحة 62 فدانًا، وتضم 134 عامودًا ضخمًا، وعدة مسلات لحتشبسوت ورمسيس الثانى وتحتمس، والبحيرة المقدسة، وحجرة الإسكندر الأكبر الذى قدم القرابين هناك، وكذلك آثارًا قبطية، وخارج المتحف موقف كبير لسيارات الزوار، وسوق تجارى حضارى لبيع التذكارات.
وهناك معبد الأقصر، ومتحف الأقصر القومى، ومتحف التحنيط، وهناك البر الغربى حيث معبد حتشبسوت، ومقابر لا مثيل لها منحوتة فى عمق الجبل.
أيضًا يشهد يوم 21 ديسمبر التعامد فى معبد الأقصر حيث تسقط أشعة الشمس على قدس الأقداس، وهو مشهد يتابعه السياح بشغف، وينتظرونه من العام للعام.
تجولت فى المدينة وشوارعها الخلفية، وتحدثت مع أهالينا، ورأيت السياح فى كل مكان، يسيرون فى أمان، وتحيطهم محبة الناس، الخدمات الأساسية تعم القرى، لدرجة أنى شعرت أنى أسير بأحد أحياء القاهرة، وتأكدت أننا جميعًا مقصرون فى حق الأقصر وذكر سيرتها الخالدة والعصرية.
وسألت محافظ الأقصر المهندس عبدالمطلب عمارة عن طموحه للمدينة فى العام الجديد فقال: (هدفنا تحويل الأقصر لمتحف عالمى مفتوح، ونواصل الافتتاحات فى كل اتجاه، للارتقاء بالبنية التحتية، فالأقصر التى تضم ثلث آثار العالم تستحق أن تكون درة متألقة على مدار العام).