رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

إبداع الألفية الثالثة (3) شيخ العرب «عبد الرحيم كمال»


21-11-2025 | 11:25

.

طباعة
بقلم: د. مصطفى الضبع

لم ألتق به شخصيا، لكننا فى لقاء متجدد، حاضر فى جدول أعمالى اليومية، فى صحبة تفاصيل نصوصه الدرامية بوصفها أنشطة الاستئناس فى الغربة ولياليها، (الغربة ترفع عنك التزاماتك الاجتماعية، فتمنحك مساحات من الوقت يكون عليك تنظيمه لاستثماره)، عبر هذه السنوات أعدت اكتشاف كثير من الأعمال الدرامية الجادة، عربيا وعالميا، مساحة تتبع تحولات الدراما المصرية وموقعها على الخريطة العالمية.

 
 

(مطمئنا لتوفرها عبر منصات المشاهدة المختلفة، تعودت بفعل ضيق الوقت ألا أتابع الأعمال الدرامية عند عرضها للمرة الأولى، كما أن ذائقتى الروائية تضيق بمتابعة الأعمال المسلسلة، قراءة الرواية تمنحك القدرة على التحكم فى المتابعة، التوقف والمتابعة خلافًا للمسلسلات المعروضة تليفزيونيا تتحكم أوقات إذاعتها فى إدارة وقتك فلا تملك سوى أن ترتب نفسك وظروفك على مواعيد الإذاعة وإلا فقدت القدرة على المتابعة).

«على جنب يا أسطى»، كانت بداية الرحلة مع عبد الرحيم كمال، فيلم يبدو ظاهره كوميديا، لكنه فى الحقيقة يحمل بذرة/ بذور واقع لا يبدو كوميديا بالمرة، أنت تتابع شخصيات تبدو تمثيلا لنفسها، لكنك بعد تأمل تكتشف أن الهو ما هو إلا أنت وأنا وكل فئات المجتمع المصرى، كل شخصية نموذج إنسانى يمثل فئته، كل شخصية جملة فى رواية مصرية بامتياز، رحلة فى الإنسان قبل أن تكون فى المكان، التاكسى لا يتحرك فى المكان بقدر ما هو رحلة فى الشخصية، وهو ما يتأكد عبر أعمال الكاتب الأخرى، فالكاتب معنى بالرحلة عبر الذات، عشرة من أعمال الكاتب تبرز فيها الذات، متصدرة العمل كاشفة عن عنصره الأبرز، الإنسان: على جنب يا أسطى - تيتة رهيبة – خيال مآتة – شباب أون لاين – شيخ العرب همام – الخواجة عبد القادر – يونس ولد فضة – ونوس – نجيب زاهى زركش – الحشاشين )، وفى المستوى الثانى يأتى المكان متحققا فى أربعة من أعماله: دهشة – القاهرة كابول – جزيرة غمام – قهوة المحطة، وجميعها عناوين تمثل مفاتيح لقراءة النصوص الدرامية، والعناوين بهذا النظام يمثل كل منها المبتدأ لجملة درامية خبره النص الدرامى نفسه، وهو ما يعنى التدرج فى معرفة الذات أولا والمكان، ثانيًا (معرفة الذات تختلف عن معرفة المكان، معرفة المكان تقوم على البصر بالأساس، خلافا لمعرفة الذات القائمة على البصيرة)..

نجح عبد الرحيم كمال فى تحويل المكان لاستديو يدير فيه مشروعه متعدد التفاصيل والأنواع، مستثمرا خبراته بالتاريخ والمكان والإنسان، وموسعًا من دائرة المكان عبر استثمار آخر يتشكل عبر تقنية الفانتازيا (الكاتب لا يكتب عن الفانتازيا بقدر ما يكتب بها، إنها تقنية فنية جمالية بالأساس)، وهى واحدة من أبرز سمات كتابة عبد الرحيم كمال، أعنى قدرته على توظيف التيمات الفنية جميعها تقنيات يكتب بها قبل أن يكتب عنها، عندها يكون عليك أن ترى ما وراء الصورة وما وراء الشخصية وحتى ما وراء المكان، فالمتلقى هنا متلقيان: من يكتفى بالحكاية فى حبكتها، ومن ينطلق إلى دلالتها، من يكتفى بما يبصر، ومن ينطلق إلى ما يستبصر، من يرى ما يريده هو ومن يرى ما يريد النص أن يقوله، فهناك دائما ما يبدو قائما على بنية الحذف المقصود (على سبيل المثال فى عنوان روايته «كل الألعاب للتسلية»، العبارة ليست حكما مطلقا، ولكنه حكم مقيد بما هو محذوف (كل الألعاب للتسلية باستثناء ......).

عبد الرحيم كمال، كاتب روايات مرئية (الرواية فيلم مقروء، والدراما رواية مبصرة)، خلافا للصورة التى توقف تدفق الخيال، فإنها تفتح مجالا لما هو وراء الصورة فى ظاهرها.

نصوص عبد الرحيم كمال (أراها جميعا نصوصا وإن اختلفت أدواتها: مكتوبة أم مرئية)، نصوص لديها القدرة على طرح ما تراه كأنك لا تراه (ما يسجله التاريخ عن شيخ العرب همام يظل خبرا استاتيكيا، صحيح هو عن إنسان، ولكنه ماض تام انتهى، مجرد صفحات فى كتاب التاريخ، لكن الشخصية دراميا، كما قدمها عبد الرحيم كمال تجعله مساحة من الحضور الإنسانى الدال فليس هو فى الدراما هو ذاته فى الواقع التاريخى، هنا يتحول إلى فن جميل مقصود لذاته، ويجعل من الأشخاص من حوله شخصيات إعلامية، تعلن عنه، وسائل للكشف عن طبقاته الإنسانية، مما يجعلها شخصيات مقصودة لغيرها وليست لذاتها، هنا تتحول كل الشخصيات إلى ديناميكية فاعلة قادرة على أن تأخذك إلى قضاياها / قضاياك / قضايا الآخرين )، شخصية الخواجة عبد القادر جاءت للكشف عن النماذج البشرية (فى السودان أولا وفى صعيد مصر ثانيا)، وفى «جزيرة غمام» جاء خلدون والعايقة للكشف عن النماذج الإنسانية فى الجزيرة.

شأنها شأن الدراما الجادة فإن دراما عبد الرحيم كمال تثير مشكلة نقدية، تتمثل فى نقد الدراما عامة والسينما خاصة، إذ تعانى الدراما من قصور نقدى واضح (كما وكيفا)، قليلة هى الأعمال النقدية الجادة التى تتعامل مع الدراما بوصفها نصا جماليا، فإما أن النقد يتعامل مع الدراما من خارجها، مع الظروف المحيطة بها، دون ممارسة التحليل النقدى الكاشف عن مستوياتها الجمالية (على مستوى النقد السينمائى والدرامى نحن فى حاجة إلى نموذج الراحل عمار الشريعى وتجربته فى «غواص فى بحر النغم».

على مستوى الكتابة البيئية (عن الصعيد) احتفظ عبدالرحيم كمال بالشخصية بوصفها نموذجا إنسانيا لا بوصفها شخصية لصيقة عاداتها السلبية، كاشفا عن وجوه أخرى تتجاوز تقليدية التناول القديم.

 

أخبار الساعة

الاكثر قراءة