أولهم القاص حسين بكرى، وقد قرأت له مجموعة قصصية بعنوان (مولانا سيد القط)، صادرة سنة 2024م ورواية عنوانها (أنا المنزل)، صادرة سنة 2021م وأهدى مجموعته الأولى لروح صلاح جاهين، وقال فى مفتتحها: لماذا أكتب عن الواقع ما دام فى الخيال متسع، وأضاف: أنا لست هنا لأفكر، أنت هنا لتفكر، ثم قال: لا أسماء حقيقية، ولا أحداث حقيقية، ولا حقيقة على الإطلاق. والمجموعة التى جاءت فى 128 صفحة من القطع الصغير تضم 38 قصة، من أول (فروة رأس) إلى (فش غل)، ودعونا نتعرف على عالمه من قصته التى تحمل عنوان المجموعة، وهى تدور حول نساء زائرات لضريح من الأضرحة، وفجأة تسلل قط أسود من بين سيقانهن وارتقى سطح الضريح، ونطقت امرأة قائلة إنها روح مولانا الولى!.. وسادت دهشة وصدمة بين بقية النساء، ثم صدقنها، وعبر الكاتب عن ذلك قائلا:
«تحولت التساؤلات إلى شبه تصديق، شموخ القط وثباته فوق الضريح حوَّل شبه التصديق إلى تصديق تام، وعندما رفع القط يده اليمنى الأمامية إلى أعلى ونظر إلى سقف الضريح تحول التصديق إلى إيمان».
قفز القط هابطا ودار حول الضريح وتسلل من بين سيقانهن وغادر المقام، وبعد خمسة أعوام من الحادث غلب اسم مولانا «سيد القط» على الاسم الأصلى لصاحب المقام الشيخ «سيد الأقرع»!
«بعد أعوام كثيرة أخرى، صدر كتاب مكتوبا بالرموز الصوفية وجداول النجوم وطقوس الأحجبة باسم (بركات مولانا القط الأسود»!
«حبلت نساء وتزوجت عوانس وسمنت نحيفات ببركة مولانا القط الأسود، كان نصيب الله من هذه البركة حمدا باللسان وصلاة بنصف سجود»!.
وبذلك وصلت رسالة الكاتب فى حربه ضد الخرافة والجهل، وعشنا معه كيف ولدت أسطورة مولانا القط الأسود من مجرد وهم كاذب تحول إلى تصديق ثم إيمان، وأخيرا عقيدة ويقين فأسطورة تناقلتها الأجيال حول كرامات وبركات مولانا القط الأسود!.
وهكذا نجد غالبية قصص الكاتب تواجه الكذب والخداع، وتكشف زيف ظواهر وأشخاص تعايشنا، علاوة على سمة الذكاء فى قنص الحبكة ثم فكها، فى لغة فصحى سليمة واضحة، قريبة، لا تعقيد فيها ولا افتعال ولا استعراض.
واقتبس الكاتب رباعيتين من صلاح جاهين المعجب به وضفرهما داخل قصتين وهما: «أوصيك يا ابنى بالقمر والزهور، وأوصيك بليل القاهرة المسحور، وإن جيت فى بالك، إشترى عقد فل، لأى سمرا، وقبرى إوعاك تزور، عجبى».
والثانية «أنا شاب لكن عمرى ألف عام، وحيد ولكن بين ضلوعى زحام، خايف ولكن خوفى منى أنا، أخرس ولكن قلبى مليان كلام، عجبى».
أما روايته الأولى «أنا المنزل»، فقد أهداها إلى المخرج هانى لاشين، وافتتحها باقتباس من مسرحية توفيق الحكيم «بجماليون» يقول فيه:
«فينوس، أيتها السخية بالهبات، امنحينى هبة واحدة، انفخى حرارة الحياة فى تمثال جالاتيا، زوجتى جالاتيا العاجية، أعطها حياة يا إلهة الحب والحياة».
تقوم الرواية على لعبة ذهنية خيالية بالأساس، حيث تصور الرواية لنا بيتا يتكلم عما شاهده من سكان، وحديثه عن البيوت المجاورة له، وحديثه مع بعض تلك البيوت، ولأن البيت ثنائى الجنس فهو ذكر وأنثى، وعلى ذلك يحب ويكره، ويتمنى، ويتجسس، ويقيم علاقات مع الشقق خاصة الشقة رقم 31، ويتمنى علاقات حميمية، إنها رواية ذهنية أنسنة الجمادات، ولم أقرأ من قبل قصة عن بيت يروى حكايته، وهى أقرب للعبة ذكية وممتعة.
المجموعة القصصية (الإنسان والطبيعة والآيفون) للكاتبة سارة البدرى، وهى مهندسة بالأساس، وصدرت فى 175 صفحة من القطع الصغير العام 2024م، وتضم 55 قصة قصيرة، تدور حول ثلاثة أقسام هى: الإنسان، ثم الطبيعة، وأخيرا الآيفون.
ومن الشهادات التى حازتها الكاتبة نعرف تنوع منطلقاتها الإبداعية، وخصب تجربتها، وتراكم خبراتها، فقد حصلت على هندسة القاهرة، ثم ليسانس الآداب، قسم اللغة العربية من نفس الجامعة، وأخيرا على ماجستير فى إدارة الأعمال، وصدر لها من قبل روايات (فاكهة محرمة) سنة 2012م، و(أرض اللذة) سنة 3016م، و(النصف الحى)، سنة 2022م، وتعتبر مجموعتها الأخيرة التى نتصفحها معكم هى الثانية بعد مجموعة (فعل حب).
وفى الإهداء تقول: (إلى كل من كانت بصيرتهم نافذة، أحياء كانوا أو أمواتا، وأخبرونا بكل ما نحن فيه الآن حين كنا صغار).
فى قصتها (أمنيات شريرة) تحكى عن أربعة أصدقاء أحبوا كسر الملل فارتقوا هضبة، وفكر كل واحد منهم فى أمنية شريرة سيطرت عليه فترة من الوقت، تمنى أولهم خدش كل السيارات الفارهة بمفتاح صدئ، وكسر زجاج الشقق الأنيقة، وتمنى الثانى صب براميل البارود على كل منطقة عشوائية، وتمنى الثالث نزع أقراط النساء بعنف دامٍ، وشق ثيابهن، وتمنى الرابع أن تجتمع كل أمنياتهم الشريرة فى شخصه ويصبحوا هم خواء!
وفى قصة «ما السر» تحكى عن زوجة شابة مات زوجها فجأة فلم تحزن عليه، وخلعت الأسود فى اليوم الثالث، ولما غادرها المعزون دخلت غرفته وفتحت اللاب توب الخاص به، ودخلت على الحسابات التى كان يشاغلها طوال الليل، حيث يمارس الحرام مع بائعات الهوى، ويحول لهن نقوده، وعجزت هى عن أن تفضحه أو تفضح بيتها!.
وفى قصة «فوق البشر» تحدت العاشقة حبيبها المغرور الذى يرى نفسه فوق البشر، وقدمت له كيس السم فتجرعه مع كوب ماء، وظن أنه لن يموت، ولكنه مات واختارت هى الحياة.
وفى قصة «الدكتورة» تحكى عن طبيبة تخرجت بعد كدح لسنوات، وبعد إنفاق أسرتها كل ما تملك من أجل تعليمها، ثم جلست بلا عمل، وأخيرا وجدت عملا فى عيادة تجميل، وبدأت تكسب الزبائن والآلاف، فأثثت بيتا جديدا لأسرتها، وتزوجت أختها، وظلت هى بلا زواج، هجرها حبيبها القديم (ابن الحلاق)، وأصبح الكل يتهامس عن سر عدم زواجها، ويظل صاحب العيادة مجرد اقتراح لعريس فى قائمة الانتظار.
إننا أمام قصص واقعية، تعكس تناقض الحياة، وقصص أخرى رمزية سهلة التأويل، واللغة طيعة فى يد الكاتبة، وأسلوبها لا لغو فيه ولا حشو، وبالختام القاصة موهوبة، وهى بحق إحدى حفيدات شهرزاد.