شهدت السنوات الأخيرة تصاعدًا واضحًا فى وتيرة الصفقات الاستثمارية الخليجية مع مصر، من مشاريع عقارية وسياحية إلى استثمارات صناعية وبنية تحتية. هذه الصفقات ليست مجرد تحويلات رأسمالية، بل تحمل أبعادًا سياسية واستراتيجية.
وتشكّل الشراكة المصرية - الخليجية ضرورة متبادلة، وقد تكون خطوة فعلية نحو تكامل عربى اقتصادى أكبر، وهو حلم «السوق العربية المشتركة».
جاءت صفقة تطوير منطقة علم الروم التى تم التوقيع عليها هذا الأسبوع فى إطار اتفاقية الاستثمار القطرى فى مصر وتوسيع الاستثمارات القطرية فى السوق المصرى، وبشكل خاص فى المشروعات السياحية والعقارية ذات القيمة المضافة المرتفعة. المنطقة تمتلك واحدًا من أجمل الشواطئ على ساحل «المتوسط»، ما يجعلها مؤهّلة للتحول إلى وجهة سياحية إقليمية وعالمية، وذلك من خلال توقيع عقد شراكة بين هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة وشركة الديار القطرية، لتنفيذ مدينة سياحية بمنطقة علم الروم بالبحر المتوسط على مساحة 4900 فدان، حيث تبلغ قيمة الأرض نحو 7 مليارات دولار، فيما من المقرر أن تضخّ الشركة القطرية استثمارات فى حدود 29 مليار دولار، على أن تحصل هيئة المجتمعات العمرانية على حصة عينية وحصة نقدية تتمثل فى حصول الجانب المصرى على قيمة أرض مشروع علم الروم البالغة 3.5 مليار دولار، بالإضافة إلى حصة عينية من الوحدات السكنية بمساحة 397 ألف متر تقدر قيمتها بـ1.8 مليار دولار، بالإضافة إلى نسبة 15 فى المائة من صافى أرباح المشروع التى تؤول لهيئة المجتمعات العمرانية بعد استرداد الجانب القطرى للتكاليف الاستثمارية التى أنفقها على المشروع، ما يساعد على تخفيض الفجوة التمويلية التى يعانى منها الاقتصاد المصرى.
ومن المتوقع تحقيق تدفقات نقدية بالدولار تدخل الاقتصاد مباشرة وتُحسن من موقف ميزان المدفوعات، وأيضا رفع القيمة السوقية للأراضى غير المستغلة وتحويلها إلى أصل منتج عالى العائد وخلق فرص عمل واسعة مباشرة فى أعمال البناء والتشييد وغير مباشرة فى الخدمات والضيافة والنقل، ما يساعد فى تحسين جاذبية مصر للاستثمار السياحى الأجنبى والخليجى من خلال نموذج شراكة ناجح، خاصه أنه من المخطط للمشروع بناء مدينة متكاملة بها كل الخدمات لتشغيلها طوال العام، وليس فترة الصيف، وأيضا زيادة الغرف الفندقية وجذب سائحين من الدول الأوروبية.
كما أن هذا المشروع وغيره سيكون عامل جذب لزيادة أعداد السائحين إلى 30 مليون سائح، كما هو مخطط له حتى عام 2030. أيضا وجود هذا المشروع ومن قبله «رأس الحكمة» سيكون له عامل مؤثر فى تنمية الساحل الشمالى، وجعله منطقة مستغلة طوال العام وليس فترة الصيف، وسيشجع المستثمرين المحليين والأجانب على عمل مشروعات سياحية تنموية فى هذه المنطقة.
إضافة لذلك، سجّلت مصر تدفقات مباشرة كبيرة لمرحلة 2023-2025 مدفوعة بصفقات كبرى من دول الخليج (بما فى ذلك عمليات بيع وشراء أصول كبرى مثل صفقة رأس الحكمة وصفقة تطوير منطقه سوما باى بالبحر الأحمر)، وغيرها من الصفقات الخليجية، ما أسهم فى ارتفاع صافى تدفقات الاستثمار الأجنبى المباشر فى فترات معيّنة، حيث تشير بيانات رسمية وتقارير دولية إلى أن هناك زيادات ملحوظة فى دخول رءوس أموال خليجية خلال هذه الفترة.
ومن منظور المستثمر الخليجى، فهى فرص مضاعفة للعائد، لأن مصر سوق كبيرة، نمو سكانى شاب، وطلب محلى وسياحى متزايد يجعل مشاريع العقارات والضيافة والمنتجعات عالية العائد مقارنة ببعض الأسواق الخليجية الناضجة أفضل. وأيضا تنويع المخاطر الجغرافية، فالاستثمار فى السياحة والعقارات المصرية يوفر تنويعًا للأصول لصناديق الاستثمار السيادية والمستثمرين الخاصين، وكذلك الموقع الاستراتيجى لمصر وتكامل لوجستى وقرب مصر من البحر المتوسط وقناة السويس يمنح قيمة مضافة لمشروعات مرتبطة بالخدمات اللوجستية والسياحة.
ومن المنظور الاقتصادى المصرى:
1 - توفير عملة صعبة: الاستثمارات الخليجية تزود الاحتياطيات بالعملة الأجنبية وتخفف ضغوط ميزان المدفوعات، وتحويل جزء من الودائع الخليجية إلى استثمارات.
2 - خلق فرص عمل وبناء سلاسل إمداد محلية: المشاريع العقارية والسياحية والصناعية تخلق طلبًا على التشييد، والخدمات، والتوريدات المحلية إن صُمِّمت بهذا الاتجاه.
3 - تعزيز البنية التحتية والتمويل: دخول رءوس الأموال الخليجية يسرّع تنفيذ مشروعات كبرى يمكن أن تكون عبئًا على الموازنات المحلية. ومن ثم فالنتيجة العملية هى علاقة متبادلة المنفعة إذا ما تمت إدارة الشراكة بشروط تحفز التصنيع المحلى والتوظيف وتحترم المصلحة العامة، فالاستثمار مبنى دائمًا على ثقة سياسية واستقرار مؤسساتى.
فصفقات ضخمة، مثل تلك الإماراتية والقطرية والسعودية، لا تتم بمعزل عن العلاقات الدبلوماسية، وهى إشارة إلى تحسن مستوى التنسيق والتوافق السياسى بين مصر ودول الخليج. كما تمنح هذه الصفقات لكل طرف «رأس جسر» لتثبيت حضور نفوذ اقتصادى وسياسى فى منطقة البحر المتوسط وشمال إفريقيا، وتبنى شبكة مصالح متبادلة قد تخفف التشنجات الإقليمية.
لكن هناك أيضًا مخاطرة من الاعتماد المفرط على مستثمر واحد أو مجموعة محدودة قد تعرّض الاقتصاد لتهديدات خارجية سياسية أو تحول فى الأولويات الاستثمارية لدى البلد المستثمر. لذلك التوزيع والقيود القانونية مهمة وهذا ما تحاول أن تفعله الحكومة المصرية، ولا شك أن الشراكة المصرية - الخليجية ضرورة لصالح الطرفين بمقاييس متعددة. ولمصر، فهى مهمة لتسريع النمو وتوفير العملة الصعبة، نقل خبرات فنية وإدارية، وتنمية قطاع السياحة الفاخرة، وبالنسبة لدول الخليج، فهى مفيدة لتنويع المحافظ والوصول إلى أسواق أكبر وتحقيق عائد أكبر وتعزيز مصداقية استثماراتهم، عبر مشاريع قابلة للظهور فى الأسواق العالمية.
لكن ليست كل الشراكات مُجدية تلقائيًا، فالنجاح يتطلب شروطًا مسبقة وعقودًا واضحة والتزامات زمنية لإنجاز آليات لمشاركة القيمة المحلية، وأيضا ضرورة وجود إطار رقابى واضح يحمى المصلحة العامة ويحفز الإنتاج المحلى. وقد تكون هذه الصفقات خطوة على طريق التكامل العربى الاقتصادى وإمكانية تحقيق السوق العربية المشتركة.
فالصفقات الثنائية (مصر-دولة خليجية) تمثل خطوة عملية نحو التعاون الاقتصادى، لكنها ليست بديلًا عن آليات مؤسساتية للتكامل الإقليمى، ولتحقيق سوق عربية مشتركة فعلية نحتاج إلى:
1- توافق مؤسسى إقليمى: من خلال اتفاقيات تجارة واستثمار موحدة لتعزيز التكامل التجارى والمالى. 2- بنية تحتية لوجستية واتفاقيات نقل ومالية: تسهيل حركة البضائع، تخفيف الحواجز غير الجمركية، وتوحيد معايير السلامة والبيئة. 3- تطوير أسواق رأس المال المشتركة: ربط البورصات وتشجيع أدوات مالية عبر-حدودية. هذا يتطلب إصلاحات تنظيمية وشفافية. 4- تنسيق سياسات صناعية: تجنب التنافس على الحوافز الضريبية فيما يقوض التكامل؛ بدلًا من ذلك، توجيه الحوافز نحو قطاعات تكاملية إقليمية، مثل: الأغذية، والتجميع، والطاقة المتجددة.