مثلًا كوبرى أكتوبر، بدأ العمل فيه بعد يونيو 1967 زمن الرئيس عبدالناصر، وانتهى العمل فى السنوات الأخيرة لحكم الرئيس مبارك، كان توجه الرئيس السيسى أن طول فترة العمل فى المشروع يحد من عوائده ويضاعف التكلفة؛ لذا كان السقف الزمنى لأى مشروع أربع أو خمس سنوات على الأكثر.
هناك فريق هم خصوم الدولة ونظامها السياسى على طول الخط، وهم أنصار جماعة حسن البنا (الإرهابية) ودعاة الفوضى والعبث، هؤلاء يناصبون الدولة العداء فى كل خطوة نخطوها أو مشروع تقدم عليه، ولعلنا نتذكر موقفهم من مشروع ازدواج قناة السويس صيف سنة 2014، هؤلاء لن نتوقف عندهم، فأمرهم معروف، هم فى النهاية أعداء للوطن كله وليس الدولة.
لكن هناك فريقاً آخر، ليسوا أعداء للدولة، ولا يمكن القول إنهم خصوم للنظام، هؤلاء أبدوا اعتراضهم على كل هذه المشاريع بمنطق أن الأولوية لا يجب أن تكون لهذه المشروعات، والتى يمكن تأجيلها والتركيز على أمور أخرى، وسوف نلاحظ أن الأمور الأخرى تتركز فى مطالب الحياة اليومية من طعام وشراب وخفض أسعار المواد البترولية وغيرها.
باختصار نعود إلى دولة ما قبل سنة 2011، تأجيل المشروعات الكبرى والتركيز على خفض أسعار المواد الأساسية، هؤلاء سوف نجد فيهم شخصيات عامة، صحفيين وكتابا وأساتذة جامعة وغيرهم؛ أى أفراد ومجموعات من النخبة المتعلمة، قد صار موقفهم يُعبَّر عنه فى الأدبيات السياسية الحالية بمصطلح «فقه الأولويات».
هذا الموقف وتلك الهجمة ليست جديدة، ولا هى تُعلن للمرة الأولى مع مشاريع الدولة منذ سنة 2014، بل كانت موجودة طوال الوقت منذ بدء تأسيس الدولة الوطنية فى عصر محمد على باشا.
دون الدخول فى تفاصيل كثيرة، يمكن أن نتوقف مثلًا عند تأسيس جامعة الإسكندرية سنة 1942 أثناء الحرب العالمية الثانية، وكان اسمها «جامعة فاروق الأول»، كانت الدولة قررت التوسع فى التعليم الجامعى، ولما كان طلاب الإسكندرية يأتون إلى القاهرة ويتحملون عناء السفر والإقامة، جرى التفكير فى بناء جامعة هناك.
كان عدد طلاب الإسكندرية وقتها يتجاوز 250 طالبًا وطالبة، وكان التقدير أن وجود جامعة فى الإسكندرية سوف يخدم سكان محافظة البحيرة ويشجعهم على إلحاق أبنائهم بالجامعة، فضلًا عن عدة مناطق أخرى قريبة من الإسكندرية، بل وأن يزداد إقبال أبناء الإسكندرية على التعليم الجامعي، ويزول عن الأسر عبء سفر الأبناء والعيش فى القاهرة.
كان التوقع أن يصل العدد فور افتتاح الجامعة إلى أكثر من خمسمائة طالب، لكن القيامة قامت ضد الحكومة وقتها، واعتبر ذلك سفهًا فى الإنفاق وإهدارًا للأولويات، وأن الدولة تقيم مبانى فخمة وو...! وصلت الاعتراضات إلى نواب البرلمان وبعض الأحزاب، لكن فى النهاية أُقيمت الجامعة وافتُتحت وازدادت أعداد الملتحقين بها عن الأرقام المتوقعة، وصارت منارة علمية كبرى فى مصر.
تكرر نفس الأمر بعد سنوات مع إنشاء جامعة عين شمس، وهى فى القاهرة، وكانت الاعتراضات أكثر وشديدة، على عكس نخبة «فقه الأولويات»، كان مطلب أبناء المحافظات إنشاء جامعات لديهم على غرار القاهرة والإسكندرية، فى صيف سنة 1951 جمع أعيان المنصورة مبلغ 80 ألف جنيه، وقدموه لوزير المعارف د.طه حسين كى تقيم الوزارة كلية طب فى المنصورة، تكون نواة لجامعة خاصة فى مدينة المنصورة، وهو ما تحقق بعد ذلك بأكثر من عشر سنوات.
الجامعة مجرد نموذج، لكن كل المشروعات التى أُقيمت فى العصر الحديث قوبلت بنفس الاعتراضات، حتى بناء السد العالى نفسه لم يسلم من ملاحظات مشابهة.
بالمعيار الاقتصادى ثبت أن عددًا من المشروعات تدر سريعًا عوائد تفوق ما أُنفق عليها. مشروع ازدواج القناة فى سنة واحدة من العمل غطى تكلفته، التقديرات المبدئية تقول إن عوائد المتحف ستفوق ما أُنفق عليه، وحتى الآن فإن العائد السياسى والدعائى لمصر من جراء هذا الافتتاح يفوق التكلفة.
فى التاريخ المصرى أيضًا نجد أن هناك مشروعات كبرى استجابت الدولة وأجلت القيام بها بزعم أن ترتيب الأولويات لا يسمح بإقامتها، لكننا فى النهاية أقمناها بعد فترة.
لدينا مترو الأنفاق، اقترح إنشاؤه فى عهد الملك فؤاد الأول، وكانت تكلفته حوالى مائة ألف جنيه، لكن تم ترجيح عدم الإنشاء، وأخيرًا فى الثمانينيات، أى بعد نصف قرن، بدأنا فى بنائه بتكلفة تجاوزت عدة مليارات من الدولارات، وحتى عندما بدأ التنفيذ كان هناك نفس الاعتراض بأن الظروف المالية لا تسمح.
وإذا استسلمنا لمقولة «فقه الأولويات»، سوف ينتهى بنا الأمر إلى أن الدولة لن تقيم مشروعًا استراتيجيًا واحدًا، لن يكون لديها جيش قوى لأن الإنفاق لن يسمح، ولا جامعات حديثة لأنها من باب الرفاهية، ولا أى منشأة ثقافية، ناهيك عن نظرة الازدراء للمشروعات السياحية، أى مشروع مهما عظمت قيمته وأهميته سوف يتراجع ويختفى بمقولة «فقه الأولويات».
الغريب أن أكثر موقف طُرحت فيه مسألة الأولويات لمنع إقامة مشروعات كبرى كان على لسان لورد كرومر المندوب السامى البريطانى فى مصر فى مطلع القرن العشرين، حين أرادت القوى الحية فى مصر تأسيس جامعة حديثة على غرار جامعة السوربون يتعلم فيها أبناء مصر العلوم الحديثة، كان كرومر هو الذى وقف ضد هذا المشروع بزعم أن الأولويات لا يجب أن تكون لإقامة جامعة يتعلم فيها المصريون، ويفضل الاكتفاء بالكتاتيب وفى أفضل الأحوال المدارس الأولية.
لكن تصدى له المواطنون المصريون وتأسست الجامعة المصرية سنة 1908.
ولما طلبت مصر فى منتصف الخمسينيات المساندة الدولية من الولايات المتحدة والبنك الدولى لإنشاء السد العالى، قيل إنه لا توجد له أهمية كبرى، وأنكم فقراء لن تتحملوا تكلفة بناء مشروع ضخم على هذا النحو.
الغريب أن يتبنى بعضنا الآن منطق المستعمر القديم فى النظر إلى إقامة مشروعات كبرى استراتيجية يمتد أثرها وعائدها لأجيال قادمة.
واقع الحال أننا بإزاء تصورين لدور الدولة وواجباتها الكبرى تجاه الوطن والمواطن.
هناك أصحاب «فقه الأولويات» يرون أن دور الدولة الأول والأهم هو توفير الاحتياجات اليومية للمواطنين، فتصبح الدولة أشبه بمقاول أنفار، دوره أن يدبر الطعام والشراب والأجر اليومى لعمال التراحيل، وما دون ذلك لا يدخل فى اهتمامه ولا اختصاصه.
إذا تبنت الدولة هذا المنطق، فإن المطالب اليومية لا سقف لها ولا نهاية، أى أنه لن يأتى وقت يُقال فيه هذا هو الحد الأقصى للمواطن، توفير الطعام وخفض الأسعار اليومية، لكن ماذا عن تهيئة الأمور الأخرى؟ نوعيات الطعام سوف تتبدل فى الحياة، نوعية المياه، نوعية السكن، شقة متوسطة أو كبرى، ثم الانتقال إلى مرحلة الفيلات والقصور، وهكذا أمور سوف نعرف ونرى بداياتها لكن لا نهاية لها ولا تتوقف عند حد.
دول من هذا النوع يمكن أن تنهار مع أى تحدٍ كبير، تهديد لحدودها أو مطامع الجيران وفوضاهم أو وباء كبير وهكذا، هناك عدة تجارب من هذا النوع فى التاريخ القديم والحديث والمعاصر، فى منطقتنا وبقية مناطق العالم.
السلطان قنصوة الغورى، سلطان مصر والشام، لم يهتم بتحديث جيشه وتقويته توفيرًا للنفقات، فتكالب عليه الأعداء، وسقطت مصر فى الاحتلال العثمانى سنة 1517 ميلادية.
وجهة النظر الأخرى ترى أن دور الدولة لا يجب أن يتوقف عند تدبير الاحتياجات اليومية للمواطن، بل هناك أمور وقضايا تتعلق بالأمن الوطنى والقومى للبلاد، وتأمين الحدود، وبناء قوة كبيرة للردع، ومنع سوء التقدير وسوء النوايا لدى من يحاولون المساس بحدود البلاد وسيادتها، على غرار ما كان يراد لمصر بعد يوم 7 أكتوبر سنة 2023، كان الهدف ترحيل 2 مليون فلسطينى من غزة ليستوطنوا سيناء أو أى مكان آخر داخل مصر، جيش مصر القومى وسياسة الدولة حالت دون ذلك.
حين قامت مصر بتحديث وتوسعة ميناء العريش، صاح أصحاب «فقه الأولويات»: لماذا كل هذا الإنفاق وما ضرورته؟ ولما جرى تحديث مطار العريش قالوا ذلك، ومع الأحداث تبين بُعد نظر القيادة السياسية وأن الدولة وضعت منطق الاحتمالات، فى أن المنطقة ملتهبة، ومع أى أزمة يصبح الميناء ضروريًا وكذا المطار، ثم جاءت الأحداث لتجعل الاحتمال واقعًا ماثلًا أمام أعيننا.
هذا على مستوى حدودنا فى الشمال الشرقى فقط، أى مع فلسطين المحتلة، لكن ماذا عن حدودنا الغربية ثم الجنوبية؟ وماذا عن البحر الأحمر؟! هذه هى مهام الدولة ودورها، باختصار حماية الحدود من هجمات وأطماع البرابرة.
هناك كذلك المشروعات القومية فى مجال التنمية المستدامة، لدعم الاقتصاد الوطنى وتوفير فرص العمل والحياة الكريمة للمواطن، هذه المشروعات قد تحتاج تكلفة عالية، ولابد من توفيرها، وفوق ذلك واجب الدولة أن تقوم بحماية الهوية الوطنية للشعب، وذلك يعنى بناء مشروعات كبرى فى هذا الجانب، بدءًا بصيانة الآثار والتراث وحمايته من اللصوص أو الاعتداء عليه بما يغير طبيعته أو هويته.
ويدخل فى ذلك تأسيس المتاحف الوطنية، المتحف المصرى الكبير يضم الآثار المصرية فى حقبة واحدة، هى تاريخنا القديم فقط، لكن هناك مراحل أخرى ومتاحف أخرى، لذا لدينا المتحف الإسلامى والمتحف القبطى والمتحف اليونانى - الرومانى فى الإسكندرية، فضلًا عن المتاحف المتخصصة التى تقدم بانوراما كاملة للهوية المصرية: المتحف الحربى فى القلعة، متحف السكك الحديدية، متحف البريد، فضلًا عن متاحف زعماء مصر – سعد زغلول، مصطفى كامل، جمال عبدالناصر، وأنور السادات.
هذه المنشآت ليست للترفيه ولا للمتعة أو التسلية، بل هى تحمل تراث وتاريخ هذا الوطن ورموز الأمة المصرية، لا يعنى هذا بأى حال من الأحوال أن تتغاضى الدولة عن توفير المطالب اليومية للمواطنين، ولا أن تتجاهل أى مطلب، ولكن فى المقابل لا يكون ذلك هو كل دورها وما تقوم به.
والحق أنه لا تضارب بين الجانبين، كل منهما يكمل الآخر، المواطن الذى يحصل على متطلباته الحياتية بيسر وسهولة ينتج ويعمل أكثر، ويتحمس لما هو فى صالح الوطن من مشاريع.
مع كامل التقدير والاحترام للآراء المختلفة والأفكار المتباينة، لكن الدولة ليست مقاول أنفار يرتب شئون كل يوم بيوم، ولنتذكر جيدًا أن الدولة المصرية قبل سنة 2011 تبنت منطق الاستقالة من بعض المهام، تركت العشوائيات للجماعات المتشددة، وتركت الزوايا وبعض المساجد للأصوليين، وتركت أنفاق سيناء للمهربين، فماذا كانت النتيجة؟ المهم أننا جميعًا رفضنا ذلك وقتها ورفضنا منطق «فقه الأولويات».
دور الدولة وطنى وقومى بامتياز، تؤسس المشروعات الكبرى التى تحفظ التقدم والنهوض للوطن، الذين أسسوا الجامعة المصرية كانوا يعملون للمستقبل، وكذلك الذين أقاموا القناطر الخيرية على النيل وخزان أسوان ثم السد العالى وصولًا إلى مفيض توشكى الذى تبين لنا أهميته الشهر الماضى.
وهذا هو حال الدولة المصرية اليوم مع العاصمة الجديدة، وشبكة الطرق والمواصلات الحديثة فى كافة أنحاء الدولة وتأسيس المتحف المصرى الكبير.
لنلاحظ التسمية: لم يحمل المتحف اسم شخص بعينه ولا مرحلة بذاتها، بل يحمل مسمى «المصرى الكبير».
ولعل الإقبال الكبير من المصريين على المتحف يؤكد ثقتهم بدور الدولة وما تقدمه من مشروعات كبرى.