رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

مصر عاصمة الحضارة الإنسانية


5-11-2025 | 15:37

.

طباعة
بقلـم: محمد الشافعى

تؤكد كل وثائق المؤرخين.. وحقائق التاريخ.. أن مصر أول دولة مركزية فى هذا الكون.. دولة امتلكت منذ لحظة ميلادها عبقرية المكان والمكانة.. فاستنفرت كل ملكات التجديد والتجويد والإبداع لدى مواطنيها.. فامتلكوا عبقرية التحضر والابتكار.. وامتزجت العبقريتان.. عبقرية المكان والمكانة مع عبقرية التحضر والابتكار.. لتولد عبقرية التاريخ.. ومن رحم هذا المثلث الذهبى للعبقريات الثلاث.. وُلدت الحضارة المصرية.. خفاقة الرايات.. عملاقة التأثير.. بهية عفية.. منيرة ومستنيرة.. وراح الإنسان المصرى يضع بصماته واضحة جلية.. فى كل ركن وفى كل زاوية.. من أركان وزوايا هذا الوطن العظيم.

 
 

فانتثرت آثار مصر مثل النجوم اللامعة فى سماء الإنسانية.. وانتظمت هذه الآثار عقودًا وتيجانًا من أقصى جنوب مصر إلى أقصى شمالها.. فمن معابد أبو سمبل فى أقصى جنوب مصر.. ومعها كل آثار النوبة العظيمة.. التى تم إنقاذها من الغرق عند إنشاء السد العالى فى ستينيات القرن الماضى.. مرورًا بمعابد كلابشة وفيلة فى أسوان.. ثم معابد الكرنك والأقصر وحتشبسوت ووادى الملوك والملكات فى الأقصر.. ثم معبد دندرة فى قنا.. ثم معبد أبيدوس فى سوهاج.. ثم آثار رحلة العائلة المقدسة فى أسيوط.. ثم تل العمارنة وبنى حسن فى المنيا.. ثم هرم ميدوم المدرج فى بنى سويف.. وصولًا إلى أهرامات الجيزة.. وميت رهينة فى الجيزة.. وبعد ذلك تنتشر آثار المصريين القدامى فى كل محافظات الدلتا.. فمن آثار الرعامسة فى صان الحجر بالشرقية.. إلى منطقتى أتريب وتل اليهودية فى القليوبية.. وصولًا إلى الإسكندرية بكل ما تحويه من الآثار الإغريقية والرومانية.. وأينما وجد الإنسان المصرى عبر هذه الآلاف السبعة من السنين.. وجدت آثاره فى الواحات البحرية.. وفى واحة سيوة.

وقد عمد الغرب خلال سنوات الاحتلال الاستعمارى إلى إعمال كل وسائل الاحتيال والنهب.. لسرقة الآثار المصرية.. وعرضها فى ميادينه ومتاحفه.. فالمسلات المصرية العملاقة.. تقف شامخة فى ميادين إيطاليا وفرنسا وأمريكا.. ومئات الآلاف من قطع الآثار المصرية.. تمثل أهم الحوافز لإقبال الناس على متاحف الغرب.. فالجناح المصرى فى متحف اللوفر فى باريس.. يمثل عنصر الجاذبية الأهم لهذا المتحف العريق.. ونفس الشيء فى متحف لندن.. وفى متحف برلين الذى ينفرد بعرض رأس الملكة نفرتيتى.. وهى قطعة متفردة فى كل الآثار المصرية.. ونفس الشيء فى متحف متروبول فى أمريكا.. بل إننى زرت مدينة صغيرة فى ألمانيا تقع قريبًا من مدينة هانوفر.. ووجدت بها متحفًا كبيرًا (خمسة أدوار).. أكثر من 99 فى المائة من الآثار الموجودة به مصرية.

وقد انتبهت الدولة المصرية خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر إلى أهمية إنشاء المتاحف، فأنشأت متحف التحرير فى عام 1835.. ذلك المتحف الذى ظل عقودًا طويلة.. قبلة السائحين من كل دول العالم.. وذلك لتفرّده فى عرض مجموعات من القطع الأثرية غير الموجودة فى متاحف الغرب.

وبعد ثورة يوليو 1952، حظيت الآثار المصرية باهتمام كبير من كل مؤسسات الدولة.. وذلك بعد الجهد الكبير والخلاق.. الذى بذلته مجموعة من الرواد، وفى مقدمتهم د. سليم حسن، والذين عملوا بكل الإخلاص والوطنية.. حتى نجحوا فى تمصير علم المصريات.. وكسر احتكار علماء الغرب لهذا العلم المصرى الأصيل.. حيث مكنهم هذا الاحتكار على مدى سنوات طويلة.. من سرقة ونهب الكثير من الآثار المصرية.. ونقلها إلى بلادهم فى أوروبا وأمريكا.

ولأن تثبيت كل أركان القوة الناعمة.. كان مشروعًا مصريًا واضح المعالم لثورة يوليو 1952.. مما جعل كل روافد الفكر والثقافة والفنون تزدهر وتزدهر.. وحظيت الآثار بنصيب عادل وواضح فى تلك النهضة الثقافية.. فانتشرت المتاحف فى كل محافظات مصر تقريبًا.. المتاحف العامة والمتاحف المتخصصة.. واستطاعت هذه النهضة أن تبنى على كل الجهود التى سبقتها.

وعلى مدى أكثر من نصف قرن لمع اسمان كبيران.. من خلال مجموعة من الأفكار المستنيرة والكبيرة.. وهما د. ثروت عكاشة أول وزير للثقافة فى مصر.. والفنان فاروق حسنى.. صاحب أطول مدة لوزير على رأس وزارة الثقافة.. ويكفى د. ثروت عكاشة نجاحه فى جمع كل دول العالم من خلال منظمة اليونسكو.. لكى تشارك فى إنقاذ آثار النوبة.. وعلى رأسها معابد أبو سمبل بكل ما تحمله من تفرد حضارى.. وإعجاز إنشائى وفلكى.. ويكفى الفنان فاروق حسنى إنشاؤه عددًا من المتاحف النوعية.. وعلى رأسها متحف النوبة فى أسوان.. ومتحف الحضارة فى منطقة الفسطاط.. وقبل أكثر من عشرين عامًا.. طرح الفنان فاروق حسنى فكرة إنشاء متحف مصرى يكون الأهم والأكبر على مستوى العالم.. ليكون مرآة كاشفة لعظمة وقيمة وقامة الحضارة المصرية.. وقد احتشدت كل مؤسسات الدولة خلف تلك الفكرة الرائدة.. وتم اختيار مكان عبقرى.. يجعل من أهرامات الجيزة خلفية مبهرة لهذا المتحف العملاق.

وبدأت عمليات حصر وفرز وتصنيف القطع الأثرية.. التى سيتم عرضها فى هذا المتحف.. وسارت هذه العمليات بالتوازى.. مع عملية استكمال الإنشاءات واللمسات الأخيرة.. حيث يضم المتحف 12 قاعة عرض.. تم الاستقرار على أن يعرض فيها أكثر من مائة ألف قطعة أثرية.. تمثل كل مراحل الحضارة المصرية على مدى سبعة آلاف سنة.. وستكون درة تاج هذا المتحف.. القاعة التى ستضم كل مقتنيات الملك الذهبى توت عنخ آمون.. فلأول مرة منذ اكتشاف مقبرة هذا الملك الشاب فى عام 1922.. سيتم عرض كل مكوناتها فى قاعة خاصة بالمتحف المصرى الجديد.. ومقبرة توت عنخ آمون.. هى المقبرة الوحيدة التى تم وجود محتوياتها كما هى منذ لحظة دفن الملك فيها.. حيث تعرضت بقية مقابر الملوك والملكات.. فى البر الغربى لمدينة الأقصر.. إلى عمليات نهب وسرقة على مر العصور والأزمنة.

ومن المؤكد أن المتحف المصرى الكبير.. والذى تم افتتاحه فى احتفالية دولية مهيبة مساء السبت الماضى.. سوف يتحول إلى قاطرة عملاقة.. ورافعة جبارة.. تعمل كل منهما على إعادة الترويج للآثار المصرية.. بكل ما تعبر عنه من حضارة وإبداع.. بطرق جديدة ومبتكرة.

وفى النهاية فإن أهم ما يؤكده هذا المتحف العملاق هو أن مصر كانت وستظل هبة البنائين والمبدعين.

 

أخبار الساعة

الاكثر قراءة