من جانبه قام الرئيس عبدالفتاح السيسى بالرد على رسالة ترامب بأنه يقدر ويثمن تلك الكلمات من الرئيس الأمريكى، وأعاد الرئيس السيسى التذكير بموقف مصر من هذه القضية والذى يقوم على عدة محاور رئيسية، هى أن مصر ليست ضد أى خطة تنموية تقوم بها أى دولة من دول المنبع، بل إن مصر على استعداد لأن تساعد وتتعاون مع الأشقاء فى القارة بهذا الشأن.
ولكن هذا كله شريطة عدم المساس بحصة مصر فى مياه النهر وحقها المقرر باتفاقات دولية، تعود إلى سنة 1898، وتم التأكيد عليها وتجديدها، خاصة حين شرعت مصر فى بناء السد العالى.
والحق أن الرئيس دونالد ترامب سبق له أن تعرض لهذه القضية، منذ فترته الرئاسية السابقة، وقد أبدى تفهما لموقف مصر، خاصة أنه موقف قائم على اتفاقيات ويحترم القوانين الدولية، فضلا عن أنه منطقى.
وهنا يكون السؤال أين تكمن المشكلة؟
دولة المنبع قررت أن تستفيد من مياه النيل فى بناء سد، يولد لها طاقة كهربائية، وهذا مشروع على أن يتم بالتفاهم مع دول المصب، لكن دولة المنبع تعاملت مع المشروع وكأنه سر حربى وعمل مخابراتى تخفيه عن الجميع، وعادة الإخفاء يحمل أنه إما أن صاحب المشروع يقدم على عمل غير مشروع أو أنه يريد إيذاء أطراف أخرى، الواضح أن هناك رغبة فى مكايدة مصر والمصريين.
حين أرادت مصر فى نهاية القرن التاسع عشر بناء خزان أسوان، كان المشروع معلنا وعرض على كل الأطراف بما فيها دول المنبع، وتمت مراعاة القواعد والقوانين الدولية المتعلقة بالأنهار العابرة للحدود، وحدث الشيء نفسه مع مشروع مصر فى بناء السد العالى وتمت دراسة العديد من جوانبه مع دول المنبع، كان الهدف هو التعاون وليس المكايدة ولا نية الإضرار بأى من دول حوض النيل.
كان يجب أن تحيط دولة المصب بكافة التفاصيل، لأن أى خطأ فى الحسابات والتقديرات أو التعميم يمكن أن يؤدى إلى غرق بعض مناطق السودان بالكامل ويمكن أن يصل الخطر إلى حدود مصر جنوباً، وقد حدث ذلك قبل شهور حين تعطلت بعض توربينات سد إثيوبيا، الأمر الذى أدى إلى تهديد عدة مدن سودانية، ولأن مصر لديها مفيض توشكى أمكن فتح المفيض واستقبل فائض المياه.
تاريخيا حاولت بعض الأطراف استخدام مياه النيل كورقة للضغط على مصر لأسباب سياسية وأحيانا عقائدية، حتى إن هناك من تصور فى وقت ما قبل أكثر من عشرة قرون، أن بإمكانه منع مياه النهر عن مصر، وتناسى هؤلاء أن الطبيعة أقوى من المكائد البشرية ولها قوانينها الخاصة، ومن تلك القوانين أن يجرى النهر فى أرض مصر، طوال التاريخ، ولما ثبت العجز عن منع المياه، جاء من يحاول ابتزاز مصر والمصريين بمياه النيل، وهم هنا لا يدركون جيداً طبيعة وتكوين المصريين والشخصية المصرية التى تواجه أعتى التحديات، ثم تخرج وهى أصلب عودا.
البداية من المقولة المغلوطة التى أطلقها المؤرخ اليونانى «هيرودوت» قبل عشرين قرناً.. مصر هبة النيل، وقد أثارت هذه المقولة حقد البعض ورغبتهم فى المكايدة السياسية والاجتماعية، الصواب هو كما قال المؤرخ الراحل شفيق غربال «مصر هبة المصريين، ويمكن أن نقول إن النيل هبة المصريين وليس العكس».
دول حوض النيل عددها تسع دول، الدولة الوحيدة التى صار فيها النيل مصدراً للحضارة هى مصر، وذلك بفضل جهد المصريين، هم وحدهم الذين أصروا على ترويض النهر، وتحويله إلى ترع عديدة وفروع كثيرة، بحيث تمر المياه فى ربوع مصر ولا تقف عند حدود المجرى فقط.
لم يترك المصريون النهر ليتحول إلى تفاريع جانبية تمتلئ تماسيح وتنطلق إلى الصحراء، دون عائد، وفى سبيل ذلك تعرض العديد من المواطنين للبلهارسيا وأمراض أخرى عديدة، كان ذلك جانبا من الثمن الذى تحملوه لترويض النهر، وجعله مصدراً للخير والنماء وللتحضر.
الفهم المغلوط لعلاقة النيل بمصر، هو الذى سمح للبعض أن يتصوروا أن بإمكانهم محاربة مصر والمصريين بمنع مياه النيل عنهم، قوى استعمارية على مر التاريخ فكرت على هذا النحو، وحاولت أن تستعين بطرف أو أكثر فى دول المنبع، لكن فشلت المحاولات، لأن قانون وحكم الطبيعة أقوى، فضلا عن أن مصر ونيلها محروسة بعناية الله سبحانه وتعالى.
فى العصور الوسطى حين كان الصراع بين البحرية المصرية والبحرية البرتغالية فى مدخل البحر الأحمر، حاولت البرتغال العبث بماء النيل وأصابهم الفشل الذريع.
والحق أنه فى الأزمة الأخيرة، التى بدأت سنة 2011، تحلت مصر والرئيس عبدالفتاح السيسى شخصياً، بأرفع درجة من التعامل الهادئ، والصبر الاستراتيجى كما أطلق عليه بعض المحللين تعرضت مصر لاستفزازات كثيرة وسخافات عديدة، لكنها كانت تحمل نظرة بعيدة المدى، فى العلاقة مع دول المنبع ومع مصلحة مصر العليا.
ولابد من القول إن بعض الأطراف فى الداخل من المراهقين سياسيا والممتعضين خلطوا عمدا الأوراق وأرادوا تحويل هذه القضية إلى ورقة للمزايدة السياسية على الدولة، وهناك قضايا وملفات قد تحتمل ذلك، لكن القضايا التى تتعلق بالأمن القومى لا يجوز تحويلها إلى ورقة مزايدة ولا إلى ملف للابتزاز السياسى، لأن ذلك تدنيا بالعملية السياسية وترخصا فى التعامل مع ملفات حساسة، لكن الدولة تجاوزت ذلك.
وهناك بعض الأطراف فى المنطقة، رغبة فى مناكفة مصر، تدخلوا فى هذا الأمر بطرق مختلفة، هناك أيضا الأعداء التقليديون للدولة المصرية ولمصر كلها هؤلاء جميعا ظهروا فى المشهد، ومصر كانت تتابع وترصد، ولديها الخطوط الحمراء ولديها أيضا أوراق الضغط.
وربما كان ظهور الرئيس الأمريكى دونالد ترامب فى المشهد مفاجئا للكثيرين، كانت المفاجأة حين أعلن أن إدارة سابقة ساعدت ومولت إنشاء سد إثيوبيا، فعلت ذلك ليس حبا فى إثيوبيا، بل مكايدة لمصر ومحاولة ابتزاز سياسى للمواقف المصرية، ثم تكتشف الأمور كلها، ولعل هذا ما دفع الرئيس ترامب أن يقوم بمبادرته بالتدخل، هو يدرك أن الخطوط الحمراء المصرية إذا تم تجاوزها فإن رد الفعل المصرى لن يتأخر، وهذا ما لن تحتمله الأطراف التى دخلت العملية بمنطق المزايدة والمناكفة.
حصة مصر من مياه النيل تقدر بـ55 مليار متر مكعب مياه سنويا، وهو رقم محدود جداً قياسيا على المياه المتوافرة فى مناطق المنبع، فى بعض التقديرات هناك 480 مليار متر مكعب مياه، وبعض التقديرات ترتفع بالرقم إلى أكثر من 500 مليار متر، حصة مصر هذه منذ أن كان عدد سكان مصر أقل من ربع العدد الحالى، ومع ذلك فإن مصر تحاول تدبير موارد أخرى، بتحلية مياه البحر، سواء المتوسط والأحمر، والبحث عن مياه جوفية فى أعماق الصحراء، لم نطالب بزيادة حصتنا وإعادة النظر فى الاتفاقيات النهرية، لكن هناك من لا يحبون هذا البلد الآمن ويصرون على المكايدة باستمرار.
وفى السنوات العشر الأخيرة قامت مصر بتطوير علاقاتها بدول القارة، وأثبتت حرصها على تنمية القارة، فقد قام المهندسون المصريون ببناء سد فى تنزانيا، وكانت الرسالة أننا لسنا ضد بناء السدود ولا ضد عملية التنمية فى دول القارة لكن الرسالة لم تصل إلى أهل الكيد، لأن الغرض مرض.
لم تصدر مبادرة الرئيس ترامب من فراغ، بل لأن المعلومات كاملة لديه والتفاصيل واضحة أن القصد هو الكيد والضغط على مصر والمصريين، لأسباب عديدة تكشف معظمها وسقطت أوراق التوت عن الجميع.
عامل آخر دفع ترامب إلى التدخل، لقد أدرك الرئيس الأمريكى أن الدور الذى قامت به مصر فى وقف عملية الإبادة الجماعية فى غزة، وأنه لولا مصر لما توقفت المجزرة باختصار الدور والحضور المصرى مهم فى سلام المنطقة برمتها، وليس لمصر وحدها.
تطورات مسألة مياه النيل على هذا النحو، تجعلنا نثق بأداء الدولة فى هذا الملف وسائر القضايا الأخرى، استعملت الدولة كل الوسائل الحكيمة من هدوء عميق وفعل مستمر، فانكشفت الأطراف الأخرى أمام العالم وأن مصر كانت طوال الوقت جادة، تطالب فقط بحقها، وما كان للدولة أن تقوم بهذا الدور، لولا الدعم والتفهم والثقة التى أولاها المواطن للدولة.
أيا كان الأمر وبغض النظر عن التفاصيل الكثيرة، فإن الحقيقة واضحة وثوابت التاريخ باقية، ليس فى مقدور أحد أن يمنع مصر حقها فى مياه النيل، ببساطة لا نيل دون مصر.. النيل صار هكذا بفضل مصر والمصريين.