رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

«خُدوا بالكم من بلدكم»

22-1-2026 | 16:26
طباعة

فى تاريخ الأوطان أيامٌ فارقة، وأحداثٌ فاصلة، ووقائعُ مصيرية، تزداد بريقًا بمرور السنوات وتعاقب العقود وتتابع الأجيال، وتتحول إلى قبس من نور الكفاح الوطنى، ودرة من عقد أمجاده العظيمة، ومن هذه الأيام المشهودة فى عمر وطننا الغالى، ذكرى يوم الخامس والعشرين من يناير 1952 الذى جسَّد فيه رجال الشرطة المصرية ملحمة فى الفداء والتضحية دفاعًا عن كرامة المصريين، وانتصارًا لهيبة دولتهم الأبيَّة، فقد تحدوا فى موقعة الإسماعيلية الخوف، وكسروا جبروت الاحتلال، وهزموا مؤامرة فرض الهيمنة على الشعب المصرى، فكانت دماؤهم الذكية، وأرواحهم الطاهرة مدادًا لا ينفد، وميراثًا لا ينقطع فى معركة حفظ الكبرياء الوطنى، وحماية أمن البلاد جيلًا بعد جيل.

 
 
 

إن أبطال شرطة مصر على العهد باقون، وبالوعد ملتزمون، وعلى الحق ثابتون، يواصلون مسيرة العزة وملحمة الشرف مهما اشتدت المخاطر، وتعاظمت التحديات، مستعدون لدفع الثمن مهما كان غاليًا، ولا غاية ولا وسيلة لهم إلا وجه الله واستقرار الوطن وتأمين شعبه العظيم من كل المؤامرات الهدامة، وجميع المخططات الخبيثة، وكما صمد بعزيمة لا تلين وإرادة لا تنكسر أصحاب معركة الإسماعيلية منذ 74 عامًا فى مواجهة تهديدات المحتل الإنجليزى، وضربوا بتحذيراته عُرض الحائط، وعلَّموه دروسًا فى الثبات على المبدأ، والتمسك بالوطنية، والتحصن بالشجاعة، فإن أحفادهم خير خلفٍ لخير سلفٍ، على النهج سائرون، وبنفس الحزم ماضون، لا ترهبهم مكائد أهل الشر، ولا تنال من همتهم القوية أسلحة الأعداء مهما كانت قدرتها، وعند الضرورة يتصدى حراس أمننا الداخلى البواسل لوقاية الوطن من كل الدسائس، وإفشال جميع المؤامرات مهما تعددت الصعوبات، وتنوعت العواقب؛ لتظل مصر واحة للأمن والأمان، وما أجملها من نعمة يحظى بها المصريون فى الجمهورية الجديدة؛ رغم اضطراب دول عدة وعواصم شتى.

ولا يختلف أحد على أن أبناء الشرطة المصرية، يقفون بشجاعة تامة، وإصرار كامل فى مقدمة صفوف الجبهة الداخلية، من أجل الدفاع عن أمن واستقرار البلاد، وهم درع صلب تتحطم عليه كل التهديدات الأمنية، وتتفتت أمامه كل المخاطر التى تستهدف الأمن القومى على المستويات كافة، بداية من الوقوف بالمرصاد للتنظيمات الإرهابية على مدى أكثر من 10 سنوات، وخصوصًا خلال الفترة من 2011 وحتى 2022، قدم خلالها رجالنا فى القوات المسلحة والشرطة المصرية تضحيات لا يمكن تصورها، ولا تعويضها؛ لأنهم افتدوا الوطن بالدماء والأرواح، ومن المؤكد أن هذه البطولات ستظل دائمًا تتصدر لوحة الشرف فى كل المناسبات الوطنية جيلًا بعد جيل، ومن حقهم علينا أن نواصل مسيرة بناء الجمهورية الجديدة فى كل القطاعات وجميع المجالات لوضع مصر فى المكانة اللائقة بين الأمم، كما كان يحلم هؤلاء الرجال وهم يدافعون عن بقائها غير عابئين بأية مكاره، مع تنفيذ الوصية الدائمة للرئيس السيسى، وهى التكريم المستمر لأبناء وأسر الشهداء، وتقديم كل الدعم والرعاية لهم، في مختلف مناحى الحياة، لتعويض جزء مما كان يقدمه الأبطال الشهداء نحوهم.

ومن المعلوم بالضرورة، أن المؤامرة على الأمن القومى المصرى مستمرة، وتتوالى جولاتها، وتتعاقب محطاتها، فالأعداء يغيِّرون جلودهم كالأفاعى من حقبة لأخرى، ويتلوَّنون كالحرباء من مرحلة إلى التالية لإخفاء أحقادهم الشريرة، والتغطية على نياتهم الحقيرة ضد المصريين، ولا مانع لديهم من رفع الشعارات الرنانة والتخفى وراء الهتافات الشعبية وارتداء ثوب الوطنية؛ لتمرير مخططات الفوضى وترويج الأجندات الهدامة، والوسيلة الأساسية لديهم هى الضرب بضراوة فى مؤسسات الدولة الوطنية، ونشر الأكاذيب حولها، وبالطبع الغاية تبرر الوسيلة لدى جماعة الإخوان الإرهابية ومن لفَّ لفَّهم الخبيث من الأجهزة الاستخباراتية وفى مقدمتها الموساد الإسرائيلى، فهم يدبرون ليل نهار، ويعملون مع سبق الإصرار والترصد ضد الدولة المصرية لإسقاطها بذرائع عدة وشائعات شتى، وهو ما حدث بالضبط فى يناير 2011 عندما قفز تنظيم الإخوان وحلفاؤه من الكيانات المصنوعة فى الخارج على مطالب المواطنين بالعيش والحرية والعدالة الاجتماعية، وجعلها تحالف الأشرار معولًا لهدم الدولة، وكانت البداية الشيطانية بالمنظومة الأمنية، لكن يقظة المصريين ووعيهم الشعبى أنقذ مصر من الاستمرار فى هذه الحلقة الجهنمية، وسارعوا بتصحيح مسار الوطن الذى اختطفه الإخوان، وذلك بإسقاط حكمهم البغيض فى ثورة 30 يونيو العظيمة، ووضع مصر على الطريق الصحيح.

ولعل ما يحدث فى كثير من الدول التى وقعت فى فخ ما يسمى بـ«الربيع العربى» من مآسٍ ومهالك على مدى سنوات متتابعة فى كل الملفات وجميع المستويات، بمثابة دليل واضح وبرهان ساطع على أهمية نجاح الدولة المصرية فى الخروج من هذا المأزق وتلك المكيدة المدبرة، فقد كان هدف أهل الشر هو اختطاف هوية مصر، و»أخْوَنة» مؤسساتها، وتقزيم دورها لصالح قوى إقليمية من جهة، وحتى تظل على مقاس جماعة الإخوان الإرهابية من جهة أخرى للبقاء فى الحكم نصف قرن، كما توعد بغلظة خيرت الشاطر نائب المرشد وقتها - الحاكم الفعلى للبلاد بالتنسيق مع المرشد محمد بديع خلال رئاسة المعزول محمد مرسى ـ ومن المعروف أن الجماعة الإرهابية كانت تخطط لتشكيل كيانات موازية من الأهل والعشيرة لكل أجهزة الدولة الرئيسية ومنها الشرطة؛ حتى تضمن الولاء الكامل والاستمرار الأبدى فى الحكم، فقد وصلوا بسلم الديمقراطية ثم قرروا ركله للسقوط أرضًا لمنع الآخرين من الوصول إليه.

لكن مصر هى الوحيدة التى نجَّاها الله من ويلات الانقسام، وحماها من نيران الحرب الأهلية، لأن الإخوان إقصائيون بالسليقة، ولذلك فشلوا فى الوصول إلى صيغة تتوافق عليها القوى السياسية فى البلدان كافة من اليمن إلى ليبيا والسودان وصولًا إلى سوريا، وها هم حلفاؤهم يفشلون فى تحقيق أى استقرار نسبى بالدول التى سيطروا على مقدراتها، مع تواصل السقطات التاريخية من التفريط فى السيادة إلى الاستقواء بالخارج والتعاون مع الميليشيات المسلحة والمرتزقة ضد شعبهم وصولًا إلى جريمة إشعال فتيل الحرب الأهلية، وما خفِى كان أعظم، ومع استمرار الأوضاع المضطربة فى المنطقة، وتعدد اللاعبين الدوليين وبحث كل قوة عن مصالحها الذاتية ومكاسبها الاقتصادية والسياسية والعسكرية، تزداد الأوضاع تعقيدًا، وتتوه بوصلة الحل فى دوامة الصراعات بين الأطراف المتنازعة فى أى دولة غاب عن أهل السياسة والحكم فيها الحكمة، وافتقدوا لرجل رشيد يُعيد دفة الأمور فيها إلى جادة الصواب، ويوحد كلمتها، ويُعلى رايتها.

وهنا أجد نفسى مدفوعًا إلى التذكير بمقولة الرئيس السيسى خلال كلمته فى عيد الشرطة 2016 والتى قال فيها نصًّا: «خلوا بالكم من مصر، خلوا بالكم من بلدكم، لأجل خاطر الدم والشهداء اللي راحوا، الناس دى سقطت عشان إحنا نعيش.. لن نسمح بضياع دم الشهداء، واستقرار الدول مش لعبة في إيد حد، كله يخلى باله، إحنا اتفقنا إننا لازم كلنا نخلى بالنا».. وكرر الرئيس هذه الرسالة فى مناسبات مختلفة لتوعية المواطنين بأن المؤامرة على أمن مصر لم تنتهِ، وأن الأعداء مختلفون، والقاسم المشترك بينهم هو إسقاط الدولة المصرية؛ لأنها ضمانة الاستقرار فى المنطقة، وعلى صخرتها تتحطم كل المؤامرات المدبرة لتنفيذ المخططات الصهيونية، والمثال الواضح هو إفشال مخطط تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة ثم الدوران على الضفة الغربية، بهدف تصفية القضية الفلسطينية وكتابة شهادة وفاة حل الدولتين إلى الأبد.

ولستُ فى حاجة لإعطاء براهين على التعاون الإسرائيلى الإخوانى لتحقيق هذا الغرض؛ لأن مظاهرات فرع الجماعة فى تل أبيب ومهاجمة القاهرة بتعليمات مجرم الحرب نتنياهو كله موثق بالصوت والصورة، وسيظل نقطة سوداء جديدة فى تاريخ الإخوان، ولتذهب افتراءاتهم الملفقة عن غلق معبر رفح إلى الجحيم، فالعالم أجمع يعلم منذ يوم 7 أكتوبر 2023 أن المعبر مفتوح على مدار 24 ساعة، وآلاف الشاحنات من المساعدات المصرية تنتظر الدخول لكن يعوقها تدمير جيش الاحتلال للجزء الفلسطينى من معبر رفح، وجهود مصر على كل المستويات عصيَّة على الحصر.

الدور المصرى فى دعم القضية الفلسطينية باعتبارها القضية العربية الرئيسية ملء السمع والبصر، ولا يُقلل منه أو يشوِّش عليه إلا جاحد، أعمى البصر والبصيرة معًا؛ لأن القاهرة منذ بدء العدوان الإسرائيلى الغاشم على غزة فى أكتوبر 2023، قادت جهودًا جبارة، وتحركات فى مسارات عدة لوقف الحرب، وبدء الإعمار والسعى فى طريق العودة للمباحثات من أجل تمهيد الأجواء لحل الدولتين، باعتباره السبيل الوحيد للاستقرار والسلام المستدام فى المنطقة، وقد نجح المفاوض المصرى ببراعة فى التغلب على الصعوبات كافة، وعبور المطبات جميعًا؛ سواء من حكومة دولة الاحتلال بقيادة عصابة المتطرفين التى لا تكلّ ولا تملّ من المماطلة والتهرب من التزاماتها، أو من ألاعيب حركة حماس الصبيانية خلال فترة الهدنة، أو أثناء تقريب وجهات النظر على غرار الشو الإعلامى والمنظَرة خلال تسليم المحتجزين الإسرائيليين، ورغم ذلك نجحت القاهرة فى الوصول إلى قمة شرم الشيخ للسلام، وتوقيع وثيقة إنهاء الحرب بحضور أهم رؤساء العالم برئاسة مصرية أمريكية، والدخول فى المرحلة الأولى من الاتفاق، ثم واصل المفاوض المصرى مسار العمل الدءوب على كل المستويات وبين كل الأطراف المعنية، وها هى المرحلة الثانية تدخل حيز التنفيذ ومن ضمنها إعادة إعمار غزة، تأكيدًا على صواب الرؤية المصرية، وتجسيدًا لدورها المحورى فى استقرار الشرق الأوسط كله.

ويبقى فى الختام، أن أهمس فى أذن كل المصريين، «خُدوا بالكم من بلدكم»، وعلينا بالاصطفاف الوطنى، فهو فريضة لاستقرار وطننا الغالى؛ لأن المؤامرة الصهيو إخوانية مستمرة، ولن ينسى الطرفان أن الدولة المصرية شعبًا وقيادة أفشلت مخططهما فى تقزيم دورها، مع تحقيق إنجازات شتى ونجاحات متنوعة فى معركة التنمية الشاملة التى جعلت الجمهورية الجديدة عصيَّة على الكسر، عفيَّة فى مواجهة كل المخططات الهدامة.

حمى الله مصر وشعبها وقيادتها

ومؤسساتها الوطنية من كل سوء

أخبار الساعة

الاكثر قراءة