رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

رائعة «الخواجة عبد القادر».. رسالة محبة من الله


16-7-2026 | 15:00

.

طباعة
بقلـم: أحمد النبوى

هناك أشخاص يصعب الكتابة عن مجمل أعمالهم؛ لأنك، مهما كتبت، ستجد نفسك قد ظلمتهم، فما زالوا يستحقون الكثير والكثير من الثناء والإشادة بعظمة ما قدموه. فشخصية مثل العبقرى صلاح جاهين تحتاج إلى مجلدات للكتابة عنها، لما امتلكه من عبقرية متفردة فى مجالات عديدة. والأمر نفسه يتكرر مع العبقرى الجميل، الفنان القدير يحيى الفخراني.

إنه يحتاج إلى مجلدات للكتابة عنه، سواء عن أعماله فى السينما، أو الدراما، أو المسرح، أو الإذاعة، أو حتى تجربة الفوازير، أو الأداء الصوتى والدوبلاج، أو صوته الراوي، كما فى فيلم «عمارة يعقوبيان»، أو حتى عن يحيى الإنسان البسيط، والعاشق المحب لزوجته.

 

جوانب كثيرة جدًا لا يستطيع أى عاشق ليحيى الفخرانى أن يجمعها فى مقال واحد، لأن ذلك سيكون ظلمًا لهذا الفنان الكبير، خاصة أننا ننتمى إلى جيل كان الفن فيه عنصرًا أساسيًا فى التربية، وكانت الأسر جميعها تلتف حول شاشة التلفاز لمشاهدة الأعمال الفنية فى وقت واحد، فارتبط المجتمع بالفن والفنانين، وكان يحيى الفخرانى أحد هؤلاء الذين ارتبط بهم الوجدان المصرى والعربي، وما زال هذا الرابط مستمرًا حتى اليوم.

وعندما تجلس لتفكر: ما أفضل عمل قدمه يحيى الفخراني؟ ستجد نفسك تتذكر عشرات الأعمال التى لا حصر لها، مثل: سليم البدرى فى «ليالى الحلمية»، و«زيزينيا»، و«أوبرا عايدة»، و«جحا المصري»، و«للعدالة وجوه كثيرة»، و«حمادة عزو»، و«شرف فتح الباب»، و«شيخ العرب همام»، و«ابن الأرندلي»، و«ونوس»، ولا أستطيع أن أغفل «أبنائى الأعزاء... شكرًا».

ولا يمكن أن أذكر كل أعماله، لأن مساحة المقال لن تكفي، والأمر نفسه ينطبق على أفلامه ومسرحياته، لكن اللافت للنظر، عندما راجعت قائمة أعماله، أننى لم أجد شخصية تشبه الأخرى؛ فجميعها مختلفة ومتباعدة تمامًا، وهنا تكمن عبقرية «الفخراني»، سواء فى اختيار الأدوار أو فى كيفية تقديمها.

وأشعر أن هناك أدوارًا لها مساحة خاصة من العشق داخل وجدانى أكثر من غيرها، وليس هذا تقليلًا من بقية أدواره، وإنما هو أمر طبيعى يختلف من مشاهد إلى آخر. فمثلًا، شخصية «مبروك» فى فيلم «مبروك وبلبل» لا أستطيع أن أمحوها من ذاكرتي، وأرى فيها عبقرية استثنائية فى الأداء.

ورغم عشقى للفخراني، فإننى أجد، بالنسبة لى شخصيًا، أن هناك حالة وجدانية خاصة ارتبطت بها مع شخصية الخواجة عبدالقادر، ليس لأنها شخصية صوفية فحسب، بل لأن الفنان الكبير قدم أداءً عالميًا فى هذا المسلسل، بسهولة ويسر كعادته، لكنه هذه المرة تفوق على نفسه، وجعل المشاهد يعيش التجربة بكل تفاصيلها، ويشعر بالحالة الروحية البديعة التى تسرى فى النفس، فتجعلك تتأمل بديهيات نرددها دائمًا ونحفظها، لكننا لا نتدبرها ولا تستشعرها أرواحنا.

وهنا تكمن، بالنسبة لي، عظمة تجسيد شخصية الخواجة عبدالقادر.

فعلاقتنا بالله تحتاج إلى كثير من التدبر، وليست مجرد كلمات نرددها. وأعظم علاقة بين العبد وربه هى علاقة الحب، وما يترتب عليها من خوف ألا يغضب الإنسان محبوبه، فتجد قلبك وروحك معلقين بمحبة الله، وهو ما ينعكس على تصرفاتك وأفعالك، ليس من خلال العبادات وحدها، وإنما من خلال الأخلاق والرحمة وحسن التعامل مع الجميع.

لذلك، لم يكن «الخواجة عبدالقادر» بالنسبة لى مجرد عمل درامي، بل استطاع يحيى الفخراني، بصدق أدائه وإحساسه، أن يغسل أرواحنا من الداخل. لقد كان العمل رسالة محبة إلى الجميع، مهما اختلفت دياناتهم، فالله واحد، وهو رب العالمين، والمحبة لا تتغير باختلاف الدين.

ومَن يعتقد أن هذا المسلسل عمل دينى إسلامى فقط، فهو يظلمه؛ لأنه ناقش المعتقدات الخاطئة، ونبذ التعصب، وواجه الفكر الجامد، وطرح رؤية إنسانية راقية تتجاوز حدود الانتماءات الضيقة.

وهنا لا يمكن أن أغفل دور الكاتب الكبير عبد الرحيم كمال، ولا المخرج شادى الفخراني.

وأتذكر حوارًا سابقًا للفنان الكبير، تحدث فيه عن المسلسل، وقال إن عبد الرحيم كمال عرض عليه الفكرة قبل سنوات، لكنها كانت أقرب إلى قصة حب، فاعتذر عنها، لأنه لم يجد نفسه، فى هذا العمر، مناسبًا لتقديم عمل محوره قصة حب مع «زينب».

وبعد ثلاث سنوات عاد المؤلف مرة أخرى، وقد اكتملت لديه فكرة «الخواجة عبد القادر» بكل تفاصيلها، فوافق يحيى الفخرانى عليها من اللحظة الأولى.

وهنا أتخيل: ماذا لو لم يقدم يحيى الفخرانى هذه الشخصية؟ كيف كانت ستخرج إلى النور؟ ومَن الفنان الذى كان سيؤديها؟ وهل كانت ستحقق النجاح نفسه؟

إجابتى قاطعة: لا أستطيع أن أتخيل ممثلًا آخر فى هذا الدور.

لم يكن يحيى الفخراني، فى شخصية الخواجة عبد القادر، مجرد ممثل يؤدى دورًا دراميًا، ولا مجرد أداء عبقرى لفنان كبير، بل كان، بالنسبة لي، رسالة محبة من الله، تدعونا إلى إعادة اكتشاف علاقتنا به، وكيف نحبه، وكيف نحب أنفسنا، وكيف نحب الآخرين.

وكما جاء على لسان الشيخ عبد القادر، وليس الخواجة عبدالقادر:

«إن الحب هو سبب الوجود، وإن المحبة تحكم، والمحبة تستر، والمحبة سر. وكل شيء يريد أن يأخذك من حبيبك. نفسك تغار منك، وتريدك أن تحزن وتموت. وجسدك يعصاك، ويريدك أن تموت، لكن عليك أن تعيش. أما الروح فلا تحزن، ولا تخون، ولا تمرض، ولا تموت؛ لأنها نفخة من الحى الذى لا يموت».

 
 

أخبار الساعة

الاكثر قراءة