احتفاء عالمى شهدته محطة الضبعة النووية، ولم يكن هذا الاحتفاء مرتبطا فقط بالتسارع فى معدلات التنفيذ والانتقال بأعمال أول محطة نووية مصرية من مرحلة الإنشاءات إلى مرحلة التركيبات، بل جاء أيضا تعبيرا عن إشادة دولية باستراتيجية الدولة المصرية فى قطاع الطاقة ورؤيتها الهادفة إلى امتلاك برنامج نووى سلمى يخدم أهداف التنمية المستدامة، فمن موسكو إلى القاهرة وصولا إلى فيينا، عكست رسائل الإشادة العالمية أن هذا الإنجاز ما كان ليتحقق لولا الإرادة السياسية الداعمة والتكامل المؤسسى بين مختلف أجهزة الدولة، بما أسهم فى تحقيق حلم امتلاك أول محطة نووية مصرية للاستخدامات السلمية وتوليد الكهرباء.
ويعد تركيب وعاء ضغط المفاعل للوحدة الثانية بمحطة الضبعة النووية إحدى أبرز المحطات التنفيذية فى مسار المشروع، لما يمثله من مؤشر واضح على انتقال المشروع إلى مرحلة أكثر تقدما فى أعمال إنشاء أول محطة نووية لتوليد الكهرباء فى مصر، ولم تكن الاحتفالية التى واكبت هذا الإنجاز مجرد مناسبة للاحتفاء بتركيب أحد المكونات الرئيسية للمفاعل، بل كانت تأكيدا على رؤية استراتيجية واعية بأهمية تنويع مصادر الطاقة وتعزيز أمن الطاقة، إلى جانب ما بذلته فرق العمل المصرية من مهندسين وفنيين وعمال من جهود متواصلة على مختلف المستويات فى إطار شراكة استراتيجية ممتدة أعيد تجديدها لتتوج بإنجاز تاريخى يتمثل فى امتلاك مصر لأول محطة نووية للاستخدامات السلمية.
ويعكس هذا التقدم فى تنفيذ مشروع الضبعة النووى حجم الإشادة الدولية التى حظى بها المشروع من مختلف الأطراف المعنية، حيث أكد أليكسى ليخاتشوف، المدير العام لمؤسسة روساتوم الحكومية الروسية، أن وتيرة العمل فى المحطة تسير بمعدلات متميزة، حيث إن تركيب وعاء ضغط المفاعل للوحدة الثانية تم بعد سبعة أشهر فقط من تركيب وعاء ضغط مفاعل الوحدة الأولى، والحفاظ على هذه الوتيرة فى التنفيذ يمثل إنجازا مهما للمشروع بأكمله، ويفتح الطريق أمام الانتقال إلى المرحلة الثانية من الأعمال الرئيسية بالمحطة، فهى تعد أكبر مشروع للتعاون النووى السلمى فى القارة الإفريقية ومنطقة الشرق الأوسط، وتتميز بأعلى مستويات الأمان والسلامة النووية، باعتبارها تعتمد على مفاعلات الجيل الثالث المطور، التى تضم أنظمة أمان متقدمة قادرة على العمل فى حالات الطوارئ دون تدخل بشرى، بما يضمن توافقها مع أعلى المعايير الدولية.
ومن جانبه، وصف رافائيل جروسى، المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، مشروع الضبعة النووى بأنه «إنجاز استراتيجى لمصر»، وهذا الوصف يستند إلى ما حققه المشروع من تقدم ملحوظ حيث تجاوزت وتيرة التنفيذ المعدلات الزمنية المخطط لها، كما أن مصر التزمت بتطبيق قواعد الأمان والسلامة النووية وفقا للمعايير الدولية، والوكالة الدولية للطاقة الذرية نفذت مهام المراجعة والتقييم الأولية للأنشطة النووية بالموقع من خلال بعثتى التشغيل والأمان النووى والبنية التحتية الرقابية، مع استمرار المتابعة الفنية الدولية للمشروع واستعداد الوكالة لتقديم مختلف أشكال الدعم الفنى لضمان التشغيل الآمن والمستدام للمحطة.
أما الدكتور مصطفى مدبولى، رئيس مجلس الوزراء المصرى، فقد أكد أن مشروع الضبعة النووى يمثل مشروعا قوميا ذا بعد استراتيجى واقتصادى يرتبط بمستقبل الأجيال القادمة، فالمشروع أثبت للعالم قدرة الدولة المصرية على تنفيذ مشروعات قومية كبرى وتأمين احتياجاتها من الطاقة وتعزيز الاعتماد على مصادر نظيفة ومتنوعة، بما يدعم مسيرة التنمية الشاملة، وتركيب وعاء ضغط المفاعل خطوة جديدة فى مسار التنفيذ المتواصل للمحطة، موجها التهنئة للقيادة السياسية التى سعت لتحقيق مشروع الضبعة الذى كان واحداً من أحلام المصريين، وأن تشغيل المرحلة الأولى من المحطة النووية فى 2028 سيكون محطة تاريخية فى مسيرة خطة الدولة المصرية التنموية.
وكانت خطوات التنفيذ المتسارعة فى محطة الضبعة النووية محورا رئيسيا فى تصريحات الدكتور محمود عصمت، وزير الكهرباء والطاقة المتجددة، الذى أكد أن المشروع يواصل تحقيق معدلات إنجاز متقدمة، قائلا: «بالأمس تم تركيب وعاء ضغط المفاعل للوحدة الأولى، واليوم تم تركيب وعاء ضغط المفاعل للوحدة الثانية، وغدا سيتم استقبال الوقود النووى»، موضحا أن قطاع الكهرباء والطاقة المصرى شهد خلال السنوات الماضية إنجازات غير مسبوقة باستثمارات تجاوزت 4 تريليونات و200 مليار جنيه، وأسهمت فى انتقال مصر من مرحلة عجز الطاقة إلى تحقيق فائض فى الإنتاج وتعزيز قدراتها فى مجالات تصدير الطاقة وتنويع مزيج الطاقة، والتوسع فى الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة والنظيفة بما يدعم مكانتها كمركز إقليمى لتبادل الطاقة بين قارات العالم.
وأكد «عصمت» أن محطة الضبعة النووية ستسهم فى رفع كفاءة الشبكة الكهربائية القومية وتحقيق الاستقرار الترددى، باعتبار ذلك أحد العوامل المهمة لجذب الاستثمارات الصناعية الكبرى، فالمشروع كان له دور محورى فى إعداد وتأهيل كوادر مصرية متخصصة تجاوز عددها 2000 مهندس وفنى للمشاركة فى تشغيل وإدارة هذا المشروع الحيوى، ويمثل وعاء ضغط المفاعل أحد أهم المكونات الهندسية فى المرحلة الرئيسية لإنشاء المفاعل النووى إذ يعد الحاوية التى تحتضن قلب المفاعل، ويعقب تركيبه تنفيذ مجموعة من الأعمال الهندسية والفنية المعقدة، تشمل لحام الأنظمة وخطوط التبريد المرتبطة بدائرة التبريد النووية، فى إطار الاستعدادات المتتابعة لاستكمال مراحل تنفيذ وتشغيل وحدات محطة الضبعة.
وفى دقائق معدودة، أعلن الدكتور حلمى الشريف، رئيس مجلس إدارة هيئة المحطات النووية، عن بدء عملية تركيب وعاء ضغط المفاعل، قائلًا: «باسم الله نبدأ تركيب الوعاء»، لتنتقل الكاميرا بعدها إلى داخل مبنى المفاعل بالوحدة الثانية حيث رصدت عملية إنزال الوعاء باستخدام رافعة مجنزرة عملاقة بقدرة تصل إلى 1350 طنا، ليتم تثبيته بدقة هندسية تصل إلى عُشر المليمتر فى مشهد يعكس حجم التعقيد والدقة التى تُطبق فى تنفيذ مشروع الضبعة النووى، ورغم أن لحظة التركيب لم تستغرق سوى دقائق فإنها جاءت تتويجا لجهود ضخمة امتدت لأشهر تضمنت سلسلة متكاملة من الخطوات التنفيذية، بدأت باستقبال المعدات الاستراتيجية فى ميناء الضبعة البحرى، مرورًا بالاستعدادات الفنية الخاصة بأعمال الرفع والتركيب ضمن منظومة دقيقة انتقلت بالمشروع من مرحلة التجهيزات اللوجستية إلى مرحلة تركيب المعدات النووية الرئيسية.
ويمثل الانتهاء من تركيب وعاء ضغط المفاعل للوحدة الثانية محطة فنية وهندسية بالغة الأهمية، إذ يعد الوعاء أحد أهم مكونات المفاعل النووى، حيث يحتضن قلب المفاعل ويبلغ وزنه نحو 340 طنا بارتفاع يصل إلى 11 مترًا، وقطر يقترب من 4.5 متر وسُمك فولاذى يتجاوز 20 سنتيمترًا، وقد تم تصنيعه فى روسيا وفق تقنيات متقدمة تضمن أعلى مستويات الأمان والسلامة النووية، وتضم محطة الضبعة النووية المصرية أربع وحدات نووية من طراز VVER-1200، بقدرة 1200 ميجاوات لكل وحدة، بإجمالى قدرات تصل إلى 4800 ميجاوات، بما يسهم فى توفير ما يتراوح بين 10 و12فى المائة من إجمالى إنتاج الكهرباء فى مصر عند اكتمال تشغيلها، وهو ما يعكس الدور الاستراتيجى للمشروع فى دعم منظومة الطاقة المصرية خلال السنوات المقبلة، ومن المقرر أن تدخل أولى وحدات المحطة مرحلة التشغيل الفعلى عام 2028، على أن يتوالى التشغيل التدريجى للوحدات الأربع حتى عام 2030، لتصبح محطة الضبعة إحدى الركائز الرئيسية فى تنويع مصادر الطاقة وتعزيز أمن الطاقة فى مصر.
ويعد مشروع محطة الضبعة النووى واحدا من أبرز نماذج التعاون الاستراتيجى بين مصر وروسيا فى مجال الطاقة النووية، وهو ما وصفه الرئيس عبدالفتاح السيسى بالشراكة الاستراتيجية، من خلال شركة روساتوم التى تتولى الجانب التنفيذى والفنى، وهيئة المحطات النووية لتوليد الكهرباء، لكن هذه الشراكة لا تقتصر على الإنشاءات فقط، بل تمتد إلى بناء القدرات والتدريب ونقل الخبرات وتأهيل الكوادر بالإضافة إلى التشغيل والصيانة فى المرحلة النهائية.
وفى مشهد جسد حجم الإنجاز وعراقة التاريخ استهلت احتفالية تركيب الوعاء بالفيلم الوثائقى الذى يحمل عنوان «طاقة تصنع المستقبل» ليسرد خطوات الإنجاز المصرى وعملية التحول من حلم راود المصريين على مدار عدة سنوات إلى واقع ملموس على أرض الواقع، حيث سرد الفيلم مراحل البناء المصرى مجتمعة منذ أول محطة للطاقة الذرية فى موقع «إنشاص» إلى محطة الضبعة بمفاعلاتها النووية الأربعة لتوليد الكهرباء، باعتبارها عقوداً من العمل والجهد، لتأتى لحظة الفخر متمثلة فى تركيب وعاء ضغط المفاعل للوحدة الثانية ليعكس رؤية القيادة السياسية التى انتبهت إلى أهمية توفير الطاقة اللازمة مع تنوع مصادرها واعتمادها على الطاقات المتجددة والنظيفة، لتكن رؤيتها المسبقة أحد أهم أساليب الوقاية من أزمات الطاقة المتتالية التى عانى منها العالم على مدار السنوات الماضية.
ويمثل مشروع الضبعة أحد أبرز الاستخدامات السلمية للطاقة النووية فى مجال توليد الكهرباء النظيفة، وتجسيدا عمليا لفلسفة التحول الطاقى والتنمية المستدامة وتعزيز أمن الطاقة، من خلال إضافة قدرات كهربائية جديدة ودعم استقلالية القرار الطاقى وتوسيع قاعدة الاعتماد على مصادر الطاقة النظيفة والمتنوعة، وتكمن أهمية مشروع الضبعة النووى فى كونه مصدرا ثابتا وعالى الاعتمادية لإنتاج الكهرباء، وعنصرا محوريا فى تأمين احتياجات الطاقة على المدى الطويل، حيث تعمل المفاعلات النووية كمصدر توليد مستقر لا يتأثر بالتغيرات المناخية أو تقلبات الطقس، بما يعزز استقرار الشبكة الكهربائية القومية خاصة مع الزيادة المستمرة فى الطلب على الكهرباء نتيجة التوسع الصناعى والعمرانى.
ومع انتهاء أعمال تركيب وعاء ضغط المفاعل، دعا الحضور لالتقاط الصور التذكارية لتجتمع القيادات المصرية والروسية وممثلو الوكالة الدولية للطاقة الذرية فى مشهد يعكس حجم التعاون الدولى حول المشروع، فيما تقف وحدات المحطة النووية الأربع فى الخلفية تواصل مراحلها الإنشائية والتركيبية، وصولًا إلى الهدف الأكبر المتمثل فى بدء تشغيل الوحدة الأولى عام 2028، يليها التشغيل التدريجى لبقية الوحدات وفق الجدول الزمنى المستهدف، ويمثل مشروع الضبعة خطوة استراتيجية نحو تعزيز استقلالية الطاقة فى مصر وتحقيق أمن الطاقة، ليضاف إلى سجل الإنجازات الوطنية من خلال شراكة استراتيجية مصرية روسية، وتحت متابعة ودعم فنى من الوكالة الدولية للطاقة الذرية بما يرسخ مكانة مصر فى مجال الاستخدامات السلمية للطاقة النووية.