رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

عندما تفرح مصر


16-7-2026 | 14:57

.

طباعة
بقلـم: طارق أبو السعد

مثلت مشاهد الاحتفال بفوز المنتخب المصرى فى كأس العالم، التى تناقلتها شاشات التلفزيون، رسالة أعمق من أن يحتويها مقال أو منشور على صفحات التواصل الاجتماعي، رسالة تتجاوز السياسة بتناقضاتها المحيرة، وتتجاوز المواقف الرسمية إلى حقيقة الوجدان الشعبى العربى غير المؤدلج وغير المسيس، رسالة تستحق التأمل والتوقف أمامها كثيرًا، لأنها كشفت عن مشاعر ظلت كامنة تحت ضجيج الخلافات السياسية والإعلامية، وأثبتت أن الشعوب كثيرًا ما تكون أكثر صدقًا فى التعبير عن مواقفها من النخب، وأن الروابط التى تجمعها لا تزال أقوى من محاولات التفريق بينها.

 

فمن بغداد إلى دمشق، ومن غزة إلى صنعاء، ومن طرابلس إلى أبوظبي، ومن تونس العاصمة إلى جدة، أظهر آلاف العرب فرحتهم بانتصار المنتخب المصري، وهو مشهد يطرح سؤالًا مهمًا، لماذا يكون انتصار مصر، حتى فى كرة القدم، انتصارًا للعرب جميعًا، ولماذا يشعر المواطن العربى بأن فوز المنتخب المصرى يعنيه كما يعنى المصريين أنفسهم، حتى وإن لم تكن بينه وبين مصر أى مصلحة مباشرة سوى ذلك الانتماء الوجدانى الذى صنعه التاريخ.

الإجابة ليست فى المستطيل الأخضر، إنما الإجابة فى قلوب الشعوب العربية التى احتلتها مصر بالمحبة عبر عقود طويلة، فمصر كانت حاضرة فى وجدان كل بيت عربي، بجامعاتها التى تخرج فيها عشرات الآلاف من أبناء العرب، وبفنها الذى دخل كل منزل، وبأدبها وصحافتها وإذاعتها وتلفزيونها، وبأزهرها الذى ظل قبلة للعلم والدين، وبجيشها الذى ارتبط فى الوعى العربى بالدفاع عن قضايا الأمة، كما كانت حاضرة فى الأفراح والأزمات، وفى الذاكرة المشتركة للأجيال العربية، حتى أصبحت بالنسبة لكثيرين جزءًا من تكوينهم الثقافى والوجداني، وهو رصيد لا تصنعه الدعاية ولا تخلقه الحملات الإعلامية، وإنما تبنيه سنوات طويلة من الحضور والتأثير والعطاء.

لقد صنعت مصر عبر تاريخها ما يسمى بـ«القوة الناعمة»، قبل أن يصبح هذا المصطلح متداولًا فى العلوم السياسية، وهذه القوة لا تُقاس بحجم الاقتصاد ولا بعدد السكان بل بمقدار الحضور والتوغل فى وجدان الشعوب، فالعراقيون لا ينسون أبدا أن شابا مصريا رفع علم العراق بعد هزيمة منافسه العراقي، وقالها بكل حب «علم بلادى مرفوع ولكنى أرفع العلم العراقى حبها فى أهلها»، هذا الموقف ليس سياسيا ولا عسكريا ولا نخبويا بل موقف بسيط من مواطن بسيط، لكنه ينم عن حب كبير، كما لا ينسى الأشقاء السوريين محبة المصريين التى منحتهم دفئا اجتماعيا طول وجودهم فى مصر، ولا ينسى الأشقاء المغاربة احتفالات المصريين فرحا بانتصاراتهم سواء الرياضية أو غيرها، كما كانت درة الأفراح تلك التى ظهرت فى غزة الجريجة التى تعانى من اعتداءات يومية من جيش الاحتلال، وهذه الاحتفالات أكبر إثبات بدور مصر ومكانتها من القضية الفلسطينية وتكذيبا لكل ادعاءات الجماعة الإرهابية، لهذا لم يكن غريبًا أن يشعر العربى بأن انتصار المنتخب المصرى يمثله شخصيًا، حتى وإن لم يكن مصريًا.

لا أحب أن أستخف بتلك المشاعر التى تظهر غالبًا فى مجال كرة القدم، فهى ليست مجرد لعبة كما يتصور البعض، لأن الملاعب أصبحت المكان الوحيد الذى تظهر فيه آراء الشعوب بعيدًا عن النخب، وبعيدًا عن سيطرة الحسابات السياسية المعقدة، وبعيدًا عن المجاملات الدبلوماسية التى تحكم العلاقات الرسمية، ففى المدرجات والشوارع ومواقع التواصل يعبر الناس عن مشاعرهم الحقيقية دون تكلف أو حسابات.

لقد كشفت كرة القدم حقيقة قد تغيب أحيانًا وسط ضجيج السياسة والإعلام، وهى أن العلاقات بين الشعوب تختلف كثيرًا عن العلاقات بين النخب، فقد تنشب خلافات سياسية بين الحكومات، وقد تتبادل وسائل الإعلام الاتهامات، وقد ترتفع حدة الخطابات الرسمية، لكن حين يلعب المنتخب المصري، تتراجع هذه الخلافات أمام مشاعر الانتماء والود التى لا تزال تربط قطاعات واسعة من الشعوب العربية بمصر، فتخرج مشاعر التأييد بصورة عفوية لا يمكن توجيهها أو فرضها، وهو ما يؤكد أن ما يجمع الشعوب العربية أكبر بكثير مما تفرقه الخلافات السياسية، وأن الوجدان الشعبى يحتفظ بمساحته الخاصة التى لا تخضع بسهولة للاستقطاب أو الاستقطاب المضاد.

الفرحة التى ظهرت، ومشاهد الاحتفال العفوية التى شهدتها عواصم عربية عديدة، جاءت لتنسف رواية المنصات الإعلامية التابعة لجماعة الإخوان، التى لا تكف عن الترويج بأن مصر فقدت مكانتها العربية، وأن الشعوب العربية لم تعد تنظر إليها كما كانت فى السابق، فما لا تدركه الجماعة الإرهابية أن المحبة الشعبية لا يمكن صناعتها عبر الحملات الإعلامية، ولا يمكن تزويرها عبر آلاف المنشورات على مواقع التواصل الاجتماعي، لأنها تنبع من وجدان الشعوب ومن ذاكرتها الجمعية، وتظهر تلقائيًا عندما يفرح الناس لفرحك، ويحزنون لحزنك، ويشعرون بأن نجاحك جزء من نجاحهم، وهى مشاعر لا تستطيع غرف الدعاية ولا الجيوش الإلكترونية أن تصنعها أو أن تمحوها.

ومن اللافت أيضًا أن التعاطف مع مصر لم يكن مرتبطًا بالفوز وحده، فعندما خرج المنتخب المصرى بعد ذلك أمام المنتخب الأرجنتيني، امتلأت منصات التواصل برسائل المواساة والدعم من مختلف الدول العربية، وهو ما يؤكد أن العلاقة ليست علاقة تشجيع رياضى عابر، وإنما علاقة وجدانية متجذرة، وأن هذا التعاطف لم يكن نابعًا من نتيجة مباراة، وإنما من مكانة راسخة فى الوعى العربي، تجعل المصرى يشعر بأن أشقاءه يشاركونه الفرح كما يشاركونه خيبة الأمل.

إن الرياضة، رغم بساطتها، كثيرًا ما تكشف حقائق عميقة يصعب على استطلاعات الرأى أو التحليلات السياسية أن تكشفها، ففى لحظات الفرح الصادق تسقط الأقنعة، وتظهر المشاعر الحقيقية بعيدًا عن الحسابات والمواقف الرسمية، وما شهدناه مؤخرًا أثبت أن الرصيد الشعبى لمصر لا يزال حاضرًا بقوة، وأن الشعوب العربية ما زالت ترى فى مصر دولة قريبة منها، تتأثر بانتصاراتها، وتتضامن معها فى إخفاقاتها، وهو رصيد معنوى لا يقل أهمية عن أى رصيد سياسى أو اقتصادي، لأنه يمثل الثقة والمحبة التى تراكمت عبر عقود طويلة من التاريخ المشترك.

إنها المحبة التى لا تُفرض بالسلاح، ولا تُشترى بالمال، ولا تصنعها الدعاية، وإنما يصنعها التاريخ، وتغذيها الثقافة، وتحفظها قلوب الشعوب، وهذا هو الرصيد الحقيقى الذى يجعل انتصار مصر، حتى فى كرة القدم، يبدو فى أعين الملايين انتصارًا للعرب جميعًا، أو ربما هذا ما اختصره الكبير صلاح جاهين عندما كتب:

على اسم مصر التاريخ يقدر يقول ما شاء.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة