لا شك أن مآلات المشهد تأخذنا دائمًا إلى ذلك الممر المائي، حيث يلعب الاقتصاد الدور الأبرز فى إدارة الصراع بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، فواشنطن تستخدم سلاح العقوبات والحصار كورقة ضغط سياسية، بينما تستخدم طهران مضيق هرمز وورقة الطاقة لإحداث صدمات فى الأسواق العالمية.
لقد تحول الاقتصاد إلى درع وسيف فى يد الجميع، واعتمدت إيران على الممر المائي، واقتصاد المقاومة، والإنتاج المحلي، وكيفية الاعتماد عليه، وقد تحدثنا عن ذلك من قبل، كما أنشأت اقتصادًا موازيًا يُعرف بـ«اقتصاد الظل»، ليكون وسيلة واقعية لتصريف نفطها عبر هذا الأسطول إلى ما يُعرف بـ«مصافى أباريق الشاى» فى آسيا.
ولجأت طهران إلى تحالفات سياسية بديلة مع الصين وروسيا، بينما رأت الولايات المتحدة أن حلف الناتو أصبح عبئًا ثقيلًا، وأن التحالف معه لم يحقق ما كان مأمولًا منه، فى ظل تغير ديناميكيات القوة الحقيقية.
وحاولت الولايات المتحدة، من خلال مذكرات التفاهم، تقديم حلول مؤقتة للأوضاع الداخلية الأمريكية، ولا سيما مع ارتفاع أسعار الطاقة.
لكن مضيق هرمز عاد ليقول للأسواق: لا تتعجلوا، فحالة عدم اليقين لم تنتهِ بعد، والغد يحمل الكثير، فنهج الإدارة الأمريكية، فى عهد الرئيس ترامب، ما زال يقوم على سياسة «لف وارجع تاني».
صحيح أن الحرب المباشرة شبه توقفت، لكن المناوشات والضربات المتبادلة بين الولايات المتحدة وإيران ما زالت مستمرة، وما زلنا عالقين فى منطقة الردع الهرمزي.
إن خريطة المنطقة تعيد رسم نفسها، وحتى مع خفوت نيران الحرب، فإن ذلك لا يعنى عودة الأمور إلى ما كانت عليه قبل 28 فبراير.
فالحروب الإقليمية الكبرى لا تُغلق ملفاتها بانتهاء وقف إطلاق النار، بل تفتح ملفات جديدة أكثر تعقيدًا على مستوى التحالفات، وأكثر بطئًا فى التعافى الاقتصادي.
لقد راهنت دول المنطقة طوال الأزمة على الحياد، والحذر، وضبط الخطاب السياسى والدبلوماسي، لكنها تجد نفسها اليوم فى موضع تفاوضى مختلف تمامًا على أرض الواقع.
وأصبح تقييم أطراف هذا الصراع يتم على أنهم صناع توازن، يُعاد حساب أدوارهم فى كل عاصمة كبرى.
كما أن التحالفات التى كانت تبدو ثابتة قبل الحرب، يعاد اليوم تشكيلها بهدوء، بينما تسارعت أو تجمدت العلاقات الاقتصادية وفقًا لموقع كل دولة من الأزمة.
فهل غيّر الردع الهرمزى كل شيء؟ وهنا يبرز السؤال العالق: ماذا بعد؟
إن الفاتورة العالمية، على المستوى الاقتصادي، لم تُسدَّد بعد. فقد أضافت الأزمة موجة جديدة من التضخم إلى فواتير الاستيراد حول العالم، ولم تعد أسعار الشحن والتأمين البحرى كما كانت.
كما تعرضت ثقة المستثمرين فى منطقة الشرق الأوسط، التى بُنيت بصعوبة على مدار سنوات، لهزة واضحة.
وأصيبت الصورة العالمية بشرخ كبير يحتاج إلى وقت أطول من توقف الحرب نفسها حتى يلتئم.
فالتعافى لا يأتى بضغطة زر، وحتى التحالفات السياسية والاقتصادية التى تشكلت أو تعمقت تحت ضغط الأزمة ستحتاج إلى وقت طويل لإزالة آثارها.
وهل تتجه الدبلوماسية الإقليمية نحو معادلة جديدة كليًا لا تشبه ما كانت عليه قبل الحرب؟ ومن سيتحمل اقتصاديًا تكلفة هذه المرحلة الانتقالية: الحكومات، أم المستهلك، أم الأسواق نفسها؟
لقد أصبحت المنطقة غير ما كانت عليه قبل هذه الحرب، والسؤال الآن: إلى أين تتجه؟
فليس بالقرار السياسى وحده يتحدد مصير هرمز، وإنما بالمقاربة الواقعية التى تختصر المسافات.
وكما تقول «كبلر»، فإن قرار فتح المضيق سياسيًا لن يعيد السفن إلى مساراتها الطبيعية كما كانت قبل الحرب، وإنما يحتاج الأمر، قبل كل شيء، إلى عودة الثقة.
ويبقى «هرمز» الأسئلة الكبرى حاضرة، فيما يقف العالم بين أسئلة مفتوحة واحتمالات متسارعة.
لقد أُعيد تعريف مضيق هرمز، فلم يعد مجرد ممر مائي، بل أصبح جغرافيا معقدة، محاطة بمخاطر استراتيجية.
وبات المضيق يبتسم بحذر شديد للسفن العابرة، وفى الوقت نفسه يمثل ورقة ضغط سياسية واستراتيجية فى توازن الاقتصاد العالمي، وحتى بعدما أعلنت الإدارة الأمريكية إلغاء الاتفاق، ظلت القبضة الجغرافية لهرمز تميل لصالح طهران.
ولذلك، لا يمكن الفصل بين أمن الطاقة والجغرافيا السياسية، فى ظل تصاعد حالة عدم اليقين الاستراتيجى التى تفرضها هذه الورقة الردعية.
لقد عادت الجغرافيا لتكون عاملًا حاسمًا فى حسابات الطاقة العالمية، وعادت الممرات المائية لتؤكد أهميتها فى تحديد أمن الطاقة العالمي، وأثبت الموقع الجغرافى أنه لا يقل أهمية عن القيمة التجارية، بل يتجاوزها تأثيرًا، وهو ما أثبته الردع الهرمزي.
وهذا يدفعنا إلى طرح سؤال إجباري: ما شكل العالم خلال الساعات والأيام المقبلة؟ وهل تصل قصة هرمز إلى فصلها الأخير بعد مرحلة التسعير الدبلوماسى لأسعار النفط؟
إن فخر إيران بهذه الورقة سيظل يطارد الاقتصاد العالمى لسنوات، كما أن الإدارة الأمريكية اعتادت أن تُبقى العالم فى حالة ترقب للمفاجآت، بعدما أصبح الاقتصاد سلاحًا ضاغطًا وورقة ضغط سياسية بامتياز.
ومن هنا، يتقدم الردع الهرمزى على الردع النووي.
وإلى حديث آخر.