رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

التجرد فريضة وطنية

12-7-2026 | 15:33

عمرو سهل

طباعة
عمرو سهل

في حديثه خلال تكريم المنتخب القومي أكد الرئيس عبد الفتاح السيسي أهمية البحث عن المواهب في الدولة بمنتهى التجرد وهي رسالة تتجاوز حدود الرياضة لتلامس جوهر بناء الدول وإدارة مؤسساتها فالموهبة ليست حكرا على ملعب أو مختبر أو مصنع بل هي ثروة وطنية أينما وجدت والبحث عنها واكتشافها وتمكينها مسئولية لا تقل أهمية عن بناء الطرق أو إقامة المصانع أو تشييد المدن فالدول تبنى بالعقول قبل الموارد وبالكفاءات قبل الإمكانات إن التجرد في اختيار من يتولى الوظائف العمومية ليس فضيلة إدارية فحسب بل هو مبدأ من مبادئ العدالة وشرط أساسي لتحقيق الكفاءة والإنجاز والتجرد يعني أن تكون المعيار الوحيد في الاختيار هو القدرة على العطاء وأن يستبعد أي اعتبار آخر يتعلق بالمجاملة أو القرابة أو المصالح الشخصية أو الانطباعات المسبقة فالمؤسسات التي تتبنى هذا النهج تنجح في استقطاب أفضل العناصر بينما تدفع المؤسسات التي تحيد عنه ثمنا باهظا يتمثل في ضعف الأداء وإهدار الموارد وتراجع الثقة  ولا يقف الأمر عند حدود الاختيار بل يمتد إلى البحث النشط عن أصحاب المواهب والكفاءات فالموهبة لا تعلن عن نفسها دائما وقد تبقى حبيسة مكانها إذا لم تجد من يكتشفها ويمنحها الفرصة ومن هنا يصبح من واجب كل مسئول أن ينظر إلى من يعملون معه بعين الباحث عن الإمكانات لا بعين الباحث عن الأخطاء فقط فكم من فكرة عظيمة ظلت مجهولة لأن صاحبها لم يجد من يستمع إليه وكم من كفاءة استثنائية غادرت موقعها أو تراجعت همتها لأنها لم تجد من يقدرها وإن التفريط في الموهبة ليس خسارة لفرد بل خسارة للوطن كله فكل موهبة لا تجد مكانها الصحيح هي فرصة ضائعة للتنمية وكل كفاءة تهمش أو تستبعد دون سبب موضوعي هي مورد وطني لم يستثمر كما ينبغي ولهذا فإن التكاسل عن البحث عن الأكفاء أو القبول باستمرار غير المؤهلين في مواقع المسئولية لا يمكن اعتباره مجرد خطأ إداري بل يمثل إخلالا بالأمانة التي تقتضي وضع الشخص المناسب في المكان المناسب  وتزداد أهمية هذا المبدأ في الوظائف العمومية لأن آثار القرار فيها لا تتوقف عند المؤسسة نفسها بل تمتد إلى المواطنين وإلى جودة الخدمات العامة وإلى كفاءة تنفيذ السياسات فالموظف الكفء لا يؤدي عمله بإتقان فحسب وإنما يطور الأداء ويبتكر الحلول ويحسن استغلال الموارد ويعزز ثقة المواطنين في مؤسسات دولتهم وعلى العكس فإن غياب الكفاءة يضاعف تكلفة العمل ويؤخر الإنجاز ويخلق مشكلات كان يمكن تجنبها كما أن توطين الكفاءات في مواقع العمل والإنتاج يبعث برسالة إيجابية إلى المجتمع مفادها أن الاجتهاد والإبداع هما الطريق الحقيقي للتقدم وعندما يوقن الشباب أن فرصهم ترتبط بما يمتلكونه من علم وخبرة وقدرة على الإنجاز تتعزز قيم العمل والاجتهاد وتضعف ثقافة الاتكال أو انتظار الفرص التي لا تقوم على الاستحقاق وبهذا يتحول معيار الكفاءة إلى ثقافة عامة لا إلى مجرد إجراء إداري  وليس المقصود بالكفاءة المؤهلات العلمية وحدها وإنما تشمل النزاهة والانضباط والقدرة على العمل الجماعي والاستعداد لتحمل المسئولية والرغبة في التعلم والتطوير المستمر فالمؤسسات الناجحة هي التي تنظر إلى الإنسان باعتباره مشروعا قابلا للنمو وتوفر له التدريب والتأهيل وتفتح أمامه مسارات واضحة للتقدم وفقا لما يحققه من نتائج إن الدول التي حققت قفزات تنموية كبرى لم تفعل ذلك لأنها امتلكت موارد أكثر من غيرها وإنما لأنها أحسنت اكتشاف طاقاتها البشرية واستثمرت فيها وأقامت أنظمة تضمن وصول الأكفاء إلى مواقع التأثير لذلك فإن البحث عن الموهوبين وتمكينهم ليس ترفا إداريا بل سياسة وطنية تعظم من قيمة رأس المال البشري وهو المورد الأكثر استدامة في أي دولة وفي هذا الإطار يصبح حب الوطن ممارسة عملية قبل أن يكون شعورا وجدانيا ومن أصدق صور هذا الحب أن يحرص كل مسئول على اكتشاف الكفاءات فيمن حوله وأن يفسح لها المجال وأن يقاوم أي محاولة لإقصائها أو تعطيلها كما أن من مقتضيات الانتماء ألا يقبل أحد بأن تدار مؤسسة عامة بغير الأكفأ أو أن تضيع موهبة كان يمكن أن تسهم في خدمة الوطن إن التجرد في اختيار الكفاءات هو الضمان الحقيقي لاستمرار التنمية وتحقيق العدالة ورفع كفاءة مؤسسات الدولة وكل مسئول يلتزم بهذا المبدأ يضيف لبنة جديدة في بناء وطن قوي قادر على المنافسة أما إهمال المواهب أو التهاون في البحث عنها أو إبعادها عن مواقعها المستحقة فهو إهدار لثروة وطنية لا تقدر بثمن ومن ثم فإن اكتشاف الموهبة ورعايتها وتمكينها ووضعها في المكان الذي تستحقه هو أحد أنبل صور الوفاء للوطن وأحد أهم الواجبات التي يجب أن تتحول إلى ثقافة راسخة في كل مؤسسة وموقع عمل حتى تظل الكفاءة هي الطريق الطبيعي إلى المسئولية ويظل الوطن هو المستفيد الأول من طاقات أبنائه.

 

أخبار الساعة

الاكثر قراءة