رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

المواجهة الأمريكية الإيرانية تدخل مرحلة جديدة.. مضيق هرمز يتقدم على النووي في حسابات الحرب والمفاوضات

12-7-2026 | 15:27

طيران مقاتل

طباعة
محمود غانم

يبدو أن آمال التهدئة التي حملتها مذكرة التفاهم الأخيرة بين واشنطن وطهران بدأت تتلاشى، مع تجدد المواجهات العسكرية في أجواء المنطقة خلال الأيام الأربعة الماضية، على خلفية التوتر المتصاعد حول مضيق هرمز، لتدخل المفاوضات بين البلدين مرحلة جديدة تختلط فيها الحسابات الدبلوماسية بضغوط الميدان، في مشهد يتجاوز كل السيناريوهات المتوقعة.

وجاءت الضربات الأمريكية، منذ الأربعاء الماضي، على خلفية ما وصفته واشنطن بعدم التزام إيران بحرية الملاحة في مضيق هرمز، واتهامها بمواصلة استهداف السفن العابرة لهذا الممر الحيوي، فيما توالت الهجمات الإيرانية في إطار ما تصفه طهران بـ «حق الرد».

وفي أحدث فصول التصعيد، أعلنت القيادة المركزية الأمريكية، صباح اليوم، تنفيذ ضربات استهدفت نحو 140 هدفاً بهدف تقويض قدرات الحرس الثوري الإيراني، وبالمقابل، قامت طهران بإعلان إغلاق مضيق هرمز وشن هجمات بمسيّرات وصواريخ باليستية، مما دفع منظومات الدفاع الجوي في ست دول عربية إلى حالة استنفار قصوى للتعامل مع أي تهديدات محتملة.

ويعكس هذا التصعيد تحولاً جديداً في طبيعة الصراع بين البلدين، انتقل فيه إلى أنماط جديدة، فيما فرضت الحرب ونتائجها ترتيباً جديداً لأولويات الملفات، حيث أصبح مضيق هرمز الشغل الشاغل لواشنطن لا الملف النووي، كما كان الحال في السابق، حسبما يقول خبراء.

طبيعة الصراع تتغير

ومن جانبه، أكد الدكتور علاء السعيد، خبير الشؤون الإيرانية، أن تجدد الضربات الأمريكية على إيران، وما تبعها بالطبع من ردود إيرانية متبادلة بين الطرفين، وطالت بعض الدول العربية، لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد جولة عسكرية جديدة، بل لا بد من النظر إليه على أنه انتقال واضح في طبيعة الصراع نفسه.

وأوضح السعيد، في تصريح خاص لـ «دار الهلال»، أنه في المراحل الماضية كان الملف النووي هو مركز التوتر الرئيسي بين واشنطن وطهران، أما اليوم فقد أصبحت حرية الملاحة في مضيق هرمز وأمن الممرات البحرية هما العنوان الأبرز للمواجهة.

وأضاف أن الضربات الأمريكية الأخيرة استهدفت بالطبع بصورة أساسية القدرات الإيرانية المرتبطة بالسيطرة على المضيق، بما فيها من رادارات ساحلية، ومنصات صواريخ، والزوارق واللنشات السريعة التابعة للحرس الثوري، وهذا يعكس أن واشنطن أصبحت ترى أن الخطر الأكثر إلحاحاً لم يعد يقتصر على البرنامج النووي فقط، بل يمتد إلى قدرة إيران على التأثير المباشر في حركة التجارة والطاقة العالمية وفي حركة الملاحة في مضيق هرمز.

في المقابل، تحاول طهران بالطبع أن تؤكد أنها ما زالت قادرة على فرض تكلفة مرتفعة على خصومها عن طريق الرد العسكري أو استمرار الضغط في الممرات البحرية الحيوية، وأقصد بها هنا مضيق هرمز.

وفيما يتعلق بإعلان إيران غلق مضيق هرمز، يرى السعيد أن هذه الخطوة تمثل أخطر ورقة ضغط تملكها طهران منذ بداية الأزمة؛ فالمضيق ليس مجرد ممر مائي عادي، بل هو شريان رئيسي يمر عبره جزء كبير من تجارة النفط والطاقة الدولية، ولذلك فإن التهديد بإغلاقه أو فرض قيود على حركة السفن يمنح إيران قدرة على نقل الصراع من المستوى العسكري إلى المستوى الاقتصادي الدولي.

ولكن بالطبع في الوقت ذاته، تحمل هذه الورقة مخاطر كبيرة جداً على إيران نفسها، بمعنى أن استمرار إغلاق المضيق لفترة طويلة يعني ردوداً دولية واسعة، ويضر بالمصالح الاقتصادية الإيرانية، ويضع طهران في مواجهة مباشرة مع القوى المستفيدة من حرية الملاحة الدولية، ولذلك أعتقد أن إيران تنظر لملف هرمز باعتباره أداة ضغط وتفاوض أكثر من كونه هدفاً نهائياً بحد ذاته.

وعن التحول من التركيز على الملف النووي إلى التركيز على مضيق هرمز، يرى السعيد أن هذا أحد أهم التحولات الاستراتيجية التي أفرزتها الحرب؛ فقبل اندلاع المواجهة، كان الجدل يدور حول تخصيب اليورانيوم، وأجهزة الطرد المركزي، ومستقبل الاتفاق النووي، لكن الحرب بالفعل أوجدت واقعاً جديداً جعل الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة في قلب المعادلة.

ولذلك، انتقل مركز الثقل من السؤال الذي طالما طُرح: «هل تمتلك إيران القدرة النووية؟» ليتحول إلى سؤال آخر يطرحه العالم أجمع اليوم: «هل تستطيع إيران تعطيل أحد أهم الممرات البحرية في العالم؟».

وبالطبع، هذا التحول منح إيران ورقة تفاوضية جديدة أكثر تأثيراً على المدى القصير، لكنه في الوقت نفسه جعلها تواجه ضغوطاً دولية كبيرة جداً من دول كثيرة في العالم، لا سيما من أوروبا، تختلف عن تلك التي كانت تواجهها في ملفها النووي بمفرده، وفق السعيد.

ولذلك يرى السعيد أن مفاوضات المرحلة المقبلة لن تكون حول البرنامج النووي فقط، بل ستكون حول معادلة أشمل تتعلق بأمن الملاحة، وحرية التجارة الدولية، وحدود النفوذ الإيراني في الخليج، وهذه بالطبع كلها ملفات قد تكون أكثر تعقيداً وحساسية من الملف النووي نفسه.

مرحلة تتجاوز الحسابات

وفي السياق ذاته، أكد الدكتور محمد عبد الحميد الزهار، الخبير في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية، أن إعلان إيران إغلاق مضيق هرمز يمثل تحولاً استراتيجياً بالغ الخطورة في مسار المواجهة الحالية مع الولايات المتحدة؛ لأن الأزمة لم تعد مرتبطة فقط بالبرنامج النووي الإيراني، وإنما أصبحت مرتبطة بأحد أهم الممرات البحرية التي يعتمد عليها الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة الدولي.

وأشار الزهار، في تصريح خاص لـ «دار الهلال»، إلى أن الضربات الأمريكية الأخيرة، وما تبعها من ردود إيرانية متبادلة، نقلت الصراع من مرحلة الردع العسكري التقليدي إلى مرحلة جديدة تتداخل فيها الحسابات الأمنية مع المصالح الاقتصادية الدولية، وهو ما جعل مضيق هرمز يتصدر المشهد السياسي والعسكري خلال الفترة الأخيرة.

وأوضح أن التحول من التركيز على الملف النووي إلى التركيز على مضيق هرمز يكشف عن تغير جوهري في طبيعة المفاوضات بين واشنطن وطهران، إذ أصبحت حرية الملاحة الدولية، وأمن خطوط التجارة والطاقة جزءاً رئيسياً من أي تسوية سياسية محتملة.

وأكد أن القوى الكبرى باتت تدرك أن أدوات النفوذ الإيرانية لم تعد تقتصر على القدرات النووية أو الصاروخية، وإنما امتدت إلى التأثير المباشر في حركة التجارة العالمية وأسواق النفط والغاز.

وأضاف الزهار أن التطورات الأخيرة تؤكد أن مضيق هرمز تحول من ورقة ضغط تكتيكية إلى ملف استراتيجي مستقل يفرض نفسه على طاولة المفاوضات الدولية، خاصة في ظل تصاعد المواجهات العسكرية في المنطقة وما ترتب عليها من تداعيات سياسية واقتصادية واسعة النطاق.

وشدد الزهار على أن استمرار التصعيد الحالي يحمل مخاطر كبيرة على الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي؛ لأن أي اضطراب طويل الأمد في مضيق هرمز ستكون له انعكاسات مباشرة على أسواق الطاقة العالمية وعلى الاقتصاد الدولي بأسره.

وأكد أن المؤشرات الراهنة توحي بأن أي اتفاق مستقبلي بين الولايات المتحدة وإيران لن يقتصر على الملف النووي فقط، بل سيمتد إلى ترتيبات أمنية جديدة تتعلق بحرية الملاحة والتوازنات الإقليمية في الخليج والشرق الأوسط.

وفي المجمل، يقول الزهار إن المنطقة تقف حالياً أمام مرحلة جديدة تتجاوز الحسابات العسكرية التقليدية، إذ لم يعد السؤال المطروح هو مستقبل البرنامج النووي الإيراني فقط، وإنما مستقبل أمن الممرات البحرية الدولية وموازين القوى في الشرق الأوسط خلال السنوات المقبلة.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة