عقد صالون نفرتيتي الثقافي، فعالية جديدة بعنوان «ثورات غيّرت وجه مصر الحضاري» بمركز إبداع قصر الأمير طاز، بحضور نخبة من المثقفين والمهتمين بالتاريخ والحضارة المصرية.
ودار النقاش حول مفهوم الثورة باعتبارها أحد محركات التغيير الاجتماعي والسياسي والحضاري، مستعرضا أبرز الثورات والحركات والانتفاضات التي شهدتها مصر عبر تاريخها.
أهم الثورات التي اندلعت على أرض مصر
في البداية استعرض الدكتور ناصر مكاوي، أستاذ الآثار المصرية بجامعة القاهرة، أهم الثورات التي اندلعت على أرض مصر وتأثيرها على المجتمع والدولة،وقال: «إن أول ثورة بمفهومها الاجتماعي الشامل اندلعت في أواخر عصر الدولة القديمة عندما تفاقمت الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، مما أدى إلى انهيار السلطة المركزية ودخول مصر عصر الانتقال الأول.
وتناول «مكاوي» بالشرح لعدد من الاضطرابات التي عاشت مصر القديمة في عصور مختلفة والتي يرى أن بعضها لا ينطبق عليها اسم «ثورة» إنما هي مطالبات فئوية وبعضها نزاعات عقائدية.
أول إضراب في التاريخ.. المطالبات الفئوية لعمال منطقة «دير المدينة» بالأقصر
وقال: « أول إضراب في التاريخ هو المطالبات الفئوية لعمال منطقة «دير المدينة» بالأقصر الذين طالبوا بأجورهم المتأخرة، و قاد الملك إخناتون تمردا وقرر الرحيل عن طيبة إلى مدينته الجديدة «أتون»، و لم تكن ثورة بالمفهوم الحقيقي. لكنه جاء نتيجة ارهاصات قام بها والده الملك «أمنحوتب الثالث » قبله، واندلعت ثورات شعبية خلال العصرين اليوناني والروماني ضد الاحتلال وسياسات القهر.
محمد عفيفي: كل الثورات التي اندلعت وانتشرت كانت أشبه بكرة الثلج التي تكبر وتنتشر عبر المدن والقرى
ورفض الدكتور محمد عفيفي، أستاذ التاريخ الحديث فكرة «الخضوع» عند المصريين مؤكدًا أنهم شعب صبور ويحتمل الصعاب من أجل الاستقرار ، لكن لا يسكت عن الظلم أو القهر أو عن كل ما يمس كرامته
وقال: كل الثورات التي اندلعت وانتشرت كانت أشبه بكرة الثلج التي تكبر وتنتشر عبر المدن والقرى حتى تشمل مصر كلها إذا شعر المصريون بالخطر على بلدهم وأرضهم واستقرارهم.
محمد عفيفي: «الثورة» مفهوم ينطوي على التحركات الشعبية الواسعة
وأوضح أن هناك استخدام مفرط لكلمة «ثورة»، ثورة تكنولوجيّة، ثورة صناعية، ثورة خضراء، وغيرها من الاستخدامات التي لا تمت بصلة بالمفهوم الحقيقي للثورة، و «الثورة» مفهوم ينطوي على التحركات الشعبية الواسعة والتي من شأنها تحقيق تغييرات على أرض الواقع وعلى مستوى الدولة.
محمد عفيفي: القرن العشرين لم يشهد ثورة بالمفهوم الحقيقي لها سوى ثورة 1919 م
وقال موضحا:«القرن العشرين لم يشهد ثورة بالمفهوم الحقيقي لها سوى ثورة 1919م نظرًا لامتدادها لجميع أنحاء القطر المصري، و كان لها تأثيرات على المجتمع والدولة، ولها دورها الكبير في ترسيخ مفهوم الوحدة الوطنية وعودة الزعيم سعد زغلول من المنفى وتشكيله للحكومة المصرية، في حين وصف ثورة أحمد عرابي بأنها لم تكن ثورة حقيقية بل كانت نوع من أنواع التمرد أو الاعتراض الذي لم يحقق تغييرات على المستوى الشعبي».
الدكتور محمد عفيفي: هناك أشكال مختلفة من التحركات أو المواقف تحولت فيما بعد إلى ثورة
وأكد الدكتور محمد عفيفي: «هناك أشكال مختلفة من التحركات أو المواقف تحولت فيما بعد إلى ثورة، خاصة تلك الحركات التي انخرط فيها الشعب والتفاف حولها مثل حركة الضباط الأحرار التي تحولت إلى ثورة 23 يوليو، وهي التي أعادت تشكيل الدولة المصرية وقضت على الملكية وأسست الجمهورية».
ووصف الدكتور محمد ما حدث في يناير 2011 بالثورة برغم عدم توقع استمرارها في البداية ، لكنها أسفرت عن التحام شعبي وحدثت بسببها تغييرات سياسية.
الدكتور فكري حسن: الثورات الشعبية تخلق نظام جديد قادر على إعادة صياغة الدولة
شارك في الحوار عدد من أساتذة الآثار والتاريخ الذين حضروا الفعالية ومنهم الدكتور فكري حسن أستاذ الآثار والتراث الحضاري وتحدث قائلا: «الثورات الشعبية تخلق نظام جديد قادر على إعادة صياغة الدولة ويضرب مثال بالثورة الشعبية الأولى التي بنت أسس قوية خلال عصر الدولة المصرية الوسطى كواحدة من أهم نقاط التحول في التاريخ المصري القديم».
وهو ما أيده الدكتور خالد سعد أستاذ الآثار ما قبل التاريخ، مؤكدا أن المصري القديم كان يهتم باستقرار الأوضاع من حوله كي يستمر في حياته اليومية، وقال: «إن العامل الاقتصادي الذي كان له دور كبير في تحريك الشعب وإثارة حفيظته في بعض الأوقات خاصة مع انحسار الفيضان وحدوث المجاعات».
دكتور خالد سعد: الثورات ترتكز على ثلاثة أركان رئيسية
وأوضح الدكتور خالد سعد: «الثورات ترتكز على ثلاثة أركان رئيسية : من المنفذ، وقامت ضد من ، ولماذا قامت؟، وعندما تنجح تحمل لقب ثورة وإذا فشلت يطلقون عليها اضطرابات أو تمرد».
وتابع: « الميديا ووسائل الاتصال القادرة على نقل المعلومات قد تكون سبب في نجاح الثورات وتنفيذ مخططاتها، بداية من الأوستراكا، ورق البردي، البصاصين، حتى وسائل الاتصال الحديثة».
وشارك الدكتور حسين الهنداوي أستاذ الفلسفة وأمين عام مساعد جامعة دول العربية متحدثا عن بلده العراق وتجربة شعبه مع الثورة، وقال : إن حضارة بلاده رسخت مفهوم الثورة في أسطورة الخلق البابلية.
المشاركون: تاريخ مصر يكشف عن قدرة استثنائية على تجاوز الأزمات وتحويل لحظات التغيير إلى فرص لإعادة البناء
وفي الختام أكد المشاركون والحاضرون أن تاريخ مصر يكشف عن قدرة استثنائية على تجاوز الأزمات وتحويل لحظات التغيير إلى فرص لإعادة البناء، وهو ما جعل الحضارة المصرية واحدة من أعرق الحضارات وأكثرها استمرارية. مشددين على أن الثورات الحقيقية هي تلك التي تعزز استقرار الدولة وتحافظ على هويتها وتراثها، وتفتح آفاقًا جديدة للمستقبل.
تعزيز الوعي بتاريخ مصر وحضارتها
وتأتي هذه الفعالية ضمن البرنامج الثقافي لصالون نفرتيتي، الهادف إلى تعزيز الوعي بتاريخ مصر وحضارتها، وإحياء الحوار حول قضايا الهوية والتراث، ويقوم بالإشراف عليه كل من الكاتبات وفاء عبد الحميد ومشيرة موسى وكاميليا عتريس وأماني عبد الحميد.