رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

عودة الروح لــ« الكرة المصرية»


10-7-2026 | 11:51

.

طباعة
علاء محجوب يكتب:

لأول مرة منذ سنوات عديدة، ينجح المنتخب الوطنى الكروى فى عودة الروح للمصريين لا لمجرد الفوز فى مباريات، أو تألق فى بطولة، بل لأنها صفحة جديدة، تُكتب فى تاريخ الكرة المصرية، بمداد وطنى خالص، هيبةٌ استُعيدت، وروحٌ بُعثت، وشعب عظيم استعاد هيبته، ليكون السند، نهضة حقيقية قوامها مدرب مصرى، ولاعبون مخلصون، وتخطيط واعٍ، وجمهور مؤمن وإيمانٌ بأن مصر قادرة دائماً على استعادة هيبتها.

مرت الكرة المصرية بفترة ركود، كان المنتخب الوطنى يخوض فيها المباريات وهو مرتعش، ويدخل خصومه وهم واثقون، فكنا نخسر قبل أن تبدأ المنافسة، أما اليوم، فقد تغيرت المعادلة كلياً، وتبدلت الأوضاع، واستعاد المنتخب هيبته، فلم يعد المنتخب ينهار عند التأخر بهدف، بل يعود ويقاتل، أصبح لديه رد فعل، ورد كرامة، وإصرار على أن تكون الكلمة الأخيرة له، بدا للمنتخب بشكل واضح وملامح فنية محددة، خطط مدروسة، وأدوار ثابتة لكل لاعب، وانضباط تكتيكى يحترمه الخصم، ويحسب له ألف حساب، وحين تطلب منتخبات مصنفة عالمياً مواجهتنا ودياً، وحين تتحدث وسائل الإعلام الدولية عن «صعوبة مواجهة مصر»، فلا بد أن نعلم أن الهيبة قد عادت إلى مكانها الطبيعى، الهيبة ليست شعاراً، بل هى أن تصبح فريقاً يتمنى الجميع تجنبه فى الأدوار الإقصائية، وهذا ما أصبح عليه منتخبنا الوطنى.

وإذا كانت الهيبة هى الشكل، فإن الروح هى الجوهر، وهذه الروح رأيناها فى كل كرة مشتركة، وفى كل التحام، وفى كل قطرة عرق سقطت على أرض الملعب، ولكن من أين جاءت هذه الروح؟ من مدرب مصرى يفهم نفسية اللاعب المصرى، إن تولى مدير فنى وطنى مثل حسام حسن دفة القيادة كان نقطة تحول، هو ابن الملاعب المصرية، عاش ضغط الجمهور، وذاق مرارة الهزيمة وحلاوة الانتصار، فخاطب اللاعبين بلغة القلب قبل لغة التيكتيك، وغرس فيهم أن تمثيل الوطن شرف لا يقدر بثمن، ومن مبدأ العدالة والاستحقاق انتهى زمن المجاملات، أصبح المعيار الوحيد هو الجاهزية والعطاء، من يستحق القميص يرتديه، هذا خلق حالة تنافس صحى داخل معسكر المنتخب، فالروح تولد عندما يتحرر اللاعب من فوبيا الخطأ، لقد زرع الجهاز الفنى فكرة «اللعب بشخصيتك»، فظهرت الجرأة فى المراوغة، والمخاطرة فى التمريرة الحاسمة، والشجاعة فى التسديد، تحول المنتخب إلى أسرة واحدة، وهذه الأسرية هى أبلغ من أى خطة فنية.

وكان هناك وقتٌ خلت فيه المدرجات وابتعد فيه الجمهور عن المتابعة، واكتفى بالمشاهدة من خلف الشاشات، أما اليوم، فقد عاد الجمهور بقوة، سافر خلف المنتخب، وعبر معه الحدود، واثقا من عزيمة الأبطال، الجمهور المصرى يميز بفطرته اللاعب الذى يخوض المنافسات، ليضحى من أجل القميص، من اللاعب الذى ينزل ليقضى وقتاً، وعندما تابع تضحيات اللاعبين، عاد ليؤازرهم.

أصبح هناك حلم مشروع، وهناك هدف واضح، وهناك إيمان بمشروعية تحقيق الآمال، والأحلام، أصبح اللاعبون بعد كل مباراة يتوجهون إلى المدرجات، يشكرون الجمهور، ويقبلون شعار الوطن على صدورهم، والجمهور عندما يشعر بالتقدير، يتحول الى سلاح لا يقهر، إن عودة المدرج هى عودة الروح الحقيقية لكرة القدم.

الإنجاز الذى ادركه المنتخب، لم يأتِ من فراغ، بل هو نتاج عمل تراكمى ومنظومة متكاملة، ومقومات فاعلة، قوامها الأول الثقة فى المدير الفنى المصرى

لقد كانت هذه الخطوة مفصلية، لسنوات طويلة، كانت هناك سياسة الاعتماد على المدربين الأجانب بتكاليف باهظة، ومع أول كبوة كانوا يرحلون، حتى حسمها الرئيس «السيسى» بنفسه، وطلب الاعتماد على المدرب الوطنى، لأنه يعمل بحافز مختلف تماما، يدرك طبيعة اللاعب المصري، ويعرف كيف يتعامل معه نفسياً وفنياً، يختار اللاعبين بناءً على الكفاءة المطلقة، لا على الاسم أو النادى، يعمل من أجل التاريخ ومن أجل الوطن، لا من أجل الشرط الجزائى.

أما المؤازرة الجماهيرية فهى اللاعب رقم اثنى عشر فلا يمكن لأى منتخب أن يحقق المجد دون سند جماهيري، الجمهور المصرى كان ولا يزال الوقود الحقيقى لأى إنجاز، الهتاف المتواصل لمدة تسعين دقيقة، والضغط على المنافس، وحملات الدعم على وسائل التواصل الاجتماعى، كل ذلك تحول إلى طاقة إيجابية هائلة للاعبين بالإضافة إلى المباريات الدولية الودية مع كبار المنتخبات، وقد أحسن الجهاز الفنى صنعاً بإقامة معسكرات ومباريات ودية مع مدارس كروية متنوعة، مع إسبانيا تعلم المنتخب كيفية الخروج بالكرة تحت الضغط العالى، وكيفية الصبر على الاستحواذ وبناء الهجمات.

ومع البرازيل اكتسب الفريق خبرة التعامل مع السرعات الفائقة والمهارات الفردية والتحولات الهجومية الخاطفة،ومع منتخبات أوروبا وإفريقيا وفر ذلك تنوعاً بدنياً وتكتيكياً صقل شخصية اللاعبين.

لقد كانت هذه الوديات بمثابة جامعة كروية، من تعثر فيها اكتسب الخبرة، ومن صمد فيها تأهل ليكون جاهزاً للاستحقاقات الرسمية.

وأحسن الجهاز الفنى اختيار العناصر، فقد ولى زمن اختيار «نجم الجماهير» لمجرد شعبيته، وحل محله زمن «لاعب المنظومة»، تم الاستعانة بعناصر من أندية مختلفة، وتم استدعاء المحترفين المميزين بغض النظر عن مشاركتهم، وتم منح الفرصة للمواهب الصاعدة، والمعيار كان واضحاً وصارماً، ومعيار الاختيار هو القدرة على العطاء، وهذه العدالة هى التى خلقت التنافس الشريف، وأجبرت اللاعبين على تقديم أقصى ما لديهم.

مصر بلد الأبطال، كلما ضعفت نهضت أقوى مما كانت، وهذا الإنجاز هو الإعلان الرسمى عن أن الفراعنة قد استعادوا هيبتهم، وأن التاريخ القادم سيكون من صنع أيديهم.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة