نادرة هى اللحظات التى يتحقق فيها إجماع على هذا النحو، يتجاوز الخلافات السياسية والأزمات الاجتماعية والفكرية والثقافية، وأن يتم التعبير عن هذا الإجماع علنا وبشكل مباشر. فى سنوات الأربعينيات وحتى نهاية الستينيات، كانت حفلات أم كلثوم، فى الخميس الأول من كل شهر، تحقق إجماعًا، وتجاوز الأمر الإجماع الوطنى المصرى إلى أن يكون إجماعا عربيا شاملا. أحد المعلّقين قال -وقتها- إن مساء الخميس الأول من كل شهر يتوقف المواطنون العرب من المحيط إلى الخليج، أمام جهاز الراديو لسماع صوت وحفلة أم كلثوم.
قد يكون مفهومًا للكثيرين أن الأحداث الكبرى تجذب الإجماع الوطنى، موقف رفض الهزيمة والإصرار على تحقيق النصر يومى 9، و10 يونيو سنة 1967 ولحظة حرب أكتوبر 1973؛ نموذج لمَن عاشوها ومرّوا بها، ولحظة 30 يونيو 2013، حيث تحرك إلى الشارع أكثر من 30 مليون مواطن ومواطنة وطرد جماعة السطو على الدولة، لكن الجديد الذى يبدو أمامنا الإجماع مع وخلف المنتخب الوطنى المصرى فى كأس العالم سنة 2026.
مشاهد ملايين المواطنين فى سائر المدن والمحافظات، فضلا عن تجمعات المصريين فى الخارج، ومشاهد المقاهى فى القاهرة والإسكندرية، فضلا عن الاحتشاد الضخم، أمام الشاشة العملاقة فى العاصمة الجديدة، منطقة الفان زون؛ هؤلاء الذين انتقلوا من مواقعهم بالمحافظات والقاهرة إلى منطقة المشاهدة فى العاصمة، تكشف عن رغبة فى التواجد الجماعى، نحن أمام لعبة جماهيرية ليست فردية، جزء من متابعتها والاهتمام بها أن تكون جماعية، يمكن أن تجلس فى غرفتك بالمنزل ونتابع المباراة على شاشة إحدى القنوات، لكن المتعة لن تكون كاملة، المشاركة سوف تكون ناقصة، المتعة تتحقق وسط الناس وبين الجماهير.
ويمكن أن تتوقف عند طريقة وخطط المدرب فى المباريات، وأداء كل لاعب وكذلك النتائج غير المسبوقة، للمنتخب الوطنى، منذ مشاركتنا الأولى سنة 1934، أى منذ 92 عامًا، هذه كلها تناولها المحللون والنقاد الرياضيون، لكن الجديد هو ذلك الاحتشاد الجماهيرى والإجماع الوطنى.
لدينا فى مصر العديد من المناقشات والخلافات السياسية والفكرية، ويتحول الأمر فى بعض الحالات إلى ما يشبه النقاش البيزنطى، أى أنه مقصود لذاته وبذاته، وليس بهدف البحث عن نقاط اتفاق أو تلاقٍ ومحاولة تفهم نقاط الخلاف، الأمر نفسه بالنسبة لبعض القضايا الاقتصادية، حول مدى أولوية الإنفاق العام، ننفق الميزانية بالكامل على المرتبات والطعام، أم نتجه إلى التنمية إلى جوار ذلك...؟ ثم النقاش حول بعض المشاريع، وجدنا مَن يغضب لأن الدولة اهتمت بسكان العشوائيات، ونقلتهم إلى أحياء وأماكن حضرية، فاعتبروا ذلك الاهتمام، تهجيرا قسريا، والبعض اعتبره إنفاقًا كبيرًا لا عائد منه، ورأى آخرون مثل بعض أساتذة الجامعات وبعض الأطباء والإعلاميين أنهم كانوا الأحق والأولى بتلك الأموال التى أُنفقت على سكان العشوائيات.
هذا الخلاف فى جانب منه إيجابى ويكشف حيوية فى المجتمع، إنه تفكير بصوت عالٍ فى العديد من القضايا التى تمر بنا ونتعرض لها، فضلاً عن الكوارث التى عمت المنطقة فى السنوات الأخيرة، حروب هناك وأزمات حولنا من كل جانب، ويبدو أن هذه الأزمات سوف تطول، بل مرشحة للتوسع فى بعض المناطق.. يضاف إلى ذلك الجوائح العالمية، مثل «كوفيد – 19» وغيرها.
وسط هذا كله يحتاج المجتمع إلى استراحة إنسانية، واهتمام آخر، يجعلنا نرى وراءنا تلك الخلافات والأزمات، ونعود إلى لحظة وفاق وإجماع وطنى وإنسانى، فكانت كرة القدم، ومونديال سنة 2026.
وفى مصر كرة القدم، رياضة ذات وضع خاص، يرتبط بالحالة الوطنية.. فى طفولته البعيدة شاهد نجيب محفوظ مع شقيقه الأكبر، مباراة بين فريق كرة قدم مصرى فى مواجهة فريق إنجليزى، وكانت المفاجأة للطفل –الذى سيصبح عميد الرواية العربية- أن الفريق المصرى انتصر، بل اجتاح الفريق الإنجليزى. يقول محفوظ إنه قبل تلك المباراة لم يكن يتصور إمكانية هزيمة الإنجليز أو التغلب عليهم، لم يكن ذلك تصور نجيب محفوظ وحده وقتها، كان شعورًا عامًا. يومها أدرك المصريون أنه من الممكن مواجهة الإنجليز والتغلب عليهم، وقد فعلوها فعلا فى ثورة سنة 1919، ما أجبر بريطانيا على أن تعترف من جانب واحد فى 28 فبراير سنة 1922 باستقلال مصر، فكرة الندية مع المحتل ثم الدخول فى مواجهة حادة معه والتغلب عليه بدأت من مباراة كرة القدم.
قد يتصور البعض أن كرة القدم مجرد لعبة للتسلية وتضييع الوقت، وكان البعض يضيقون بالأطفال وهم يلعبون الكرة فى الشارع، مما يحدث إزعاجًا، وقد تصيب الكرة زجاج نافذة فتحطمه، وقد أمكن التغلب على هذه المشكلة بإنشاء الساحات الشعبية ومراكز الشباب لتستوعب الشباب الراغبين فى ممارسة هذه اللعبة أو الاستمتاع بها، وتوسعت الدولة فى إنشاء مراكز الشباب، حتى صارت تغطى معظم قرى مصر تقريبا.
وذهب بعض المغرضين بفكرة المؤامرة إلى أن كرة القدم مقصود بها إلهاء المأزومين عن أزماتهم، وسحب الفقراء بعيدًا عن همومهم، رغم أن اللعبة تشغل الغنى مثل الفقير.. الغفير والوزير.. التلميذ وأيضًا الأستاذ والمعلم، كتاب ومفكرون كبار أغرموا بها، مثل الفيلسوف الألمانى هايدجر والفرنسى ألبير كامو، الذى اعتبر ملعب الكرة إحدى جامعتين تعلم فيهما، الجامعة الثانية هى المسرح.. عندنا كان نجيب محفوظ لاعبًا قبل أن يحترف الكتابة، وربما لو استمر لصار نجمًا فى مجاله، محمود درويش له قصيدة حول نجم الأرجنتين «مارادونا».
الكرة تشغل اهتمام المواطن فى إفريقيا، وكذا المواطن الألمانى والفرنسى والإيطالى والبرازيلى والأرجنتينى، وهكذا.
الكرة استراحة إنسانية عميقة، لاحظ اندماج أهل غزة وتشجيعهم المنتخب المصرى خاصة، فضلًا عن سائر المنتخبات العربية، هؤلاء تعرضوا لمذابح وعملية إبادة كاملة، بيوتهم مهدمة، مستقبلهم غير واضح، فقدوا نحو ربع مليون مواطن ما بين شهيد وجريح ومفقود، ومع ذلك بقيت فيهم روح الإنسانية.. ما أروع هذه اللعبة!
لكن كرة القدم فى مصر، كانت باستمرار لها البُعد والجانب الوطنى، وليس فقط البُعد الرياضى، وقد حقق المنتخب المصرى إنجازات عديدة على المستويين العربى والإفريقى أيضًا، لكن تعثرنا فى جانبها الدولى أو المونديال الذى تنظمه الفيفا، كل أربع سنوات.. فقد شاركنا سنة 1934 ثم انقطعت المشاركة حتى سنة 1990، واقتصرت المشاركة على مجرد اللعب فى الدور الأول فقط.. طوال هذه السنوات، لم تكن تنقصنا الكفاءات ولا المهارات فى تاريخنا أسماء لاعبين كبار، شهد لهم الكثيرون، والدليل أن عددًا من الأندية الكبرى فى أوروبا تستعين بهم وتتعاقد مع بعضهم.. وكان السؤال: لماذا لا نتقدم فى المونديال؟
ويبدو لى أن الفوز فى المونديال، وربما المشاركة ذاتها لفترة طويلة، لم تكن حلمًا يراودنا، ولا كانت ضمن أولويات القائمين على الرياضة فى مصر، كما أنها لم تكن أولوية كبرى بالنسبة للرأى العام وصُناع القرار، ورسخت لدينا التركيز فقط على المنافسات المحلية فى الدورى العام وعلى المنافسات فى الساحة الإفريقية والعربية.. ولم يشغلنا كثيرا الجانب الدولى، لذا مضت سنوات طوال دون أن نشارك، ولما شاركنا سنة 1990 لم يكن لدينا حلم كبير، اعتبرنا مجرد المشاركة أو ما يُقال عنه «الحضور المشرف» كافيًا، غير أن الأجيال الجديدة لم تعد تكتفى بذلك، والرأى العام يتطلع للفوز، فضلاً عن أن الساحرة المستديرة باتت شأنا عالميا، تحرص كبريات الدول على أن تستضيف المونديال، لأنه يمنحها ثقلاً دوليًا، فضلا عن أنه يعد موردًا سياحيًا وماليًا ضخمًا، يكفى أن الولايات المتحدة نفسها بذلت جهدًا كبيرًا كى تستضيف المونديال، على أرضها رغم أن كرة القدم، حتى ذلك قريبا، لم تكن الرياضة المفضلة ولا البارزة لدى الشعب الأمريكى.
حالة الاحتشاد الوطنى والإجماع خلف المنتخب، ليست فقط بسبب البعد الوطنى تاريخيا لهذه اللعبة فى مصر، وأنها مع رياضات أخرى أسهمت فى رفع اسم مصر فى المحافل الدولية، ولكن لأن المنتخب وطنى «بالفعل وليس فقط بالاسم ولا بالوصف».
يمكن لبلد ما أن يشكل منتخبا، بأن يشترى أو يتعاقد مع عدد من اللاعبين الأجانب، حتى لو وصل الأمر منحهم الجنسية، ويمكن كذلك التعاقد مع مدرب أجنبى، وخبراء أجانب، ويحمل اسم المنتخب الوطنى، لكنه فى حقيقته لن يكون كذلك بالنسبة لنا، لكن المنتخب المصرى وطنى بالكامل، حتى الذين يلعبون فى أندية بالخارج، مثل النجم محمد صلاح وزميله عمر مرموش، هما فى النهاية ابنا الكرة المصرية ونتاج الدورى العام المصرى، ومهارة كل منهما كانت سببًا للطلب عليهما فى الخارج، لكنه يبقى ابن المدرسة الوطنية فى الكرة، وحتى المدرب العام وطنيًا، النجم حسام حسن ابن النادى الأهلى ثم انتقل إلى نادى الزمالك، ومنه صار مدربًا، وهنا يجب التوقف أمام المدرب الوطنى، فى بعض السنوات كان تتم الاستعانة بمدرب أجنبى للمنتخب الوطنى، وتبين أن أى أجنبى لا يحقق النتائج المتوقعة ولا المرجوة منه، دعنا الآن من المبالغ الطائلة التى كانوا يتلقونها، وشروط التعاقد التى كانت فى بعض الحالات مجحفة بحقنا، لكن بالخبرة تبين أن المدرب الوطنى يكون الأفضل، خاصة زمن الراحل محمود الجوهرى ثم الكابتن حسن شحاتة -أمد الله فى عمره-، وكانت صيحة الرئيس السيسى منذ عدة سنوات، بأن الأفضل هو المدرب الوطنى، شرط أن يحصل على فرصته كاملة، وها هى التجربة تثبت نجاحها، مع المدرب الوطنى، تجاوزنا عتبة المرور وصعدنا إلى دور الـ32 ثم دور الـ16.. ولأن المنتخب وطنى، شكلا ومضمونا، جاء الارتباط الجماهيرى به أقوى وأعظم.
المفاجأة أن المنتخب الوطنى لم يجمع المصريين فقط، لكنه جمع العرب أيضا، فى لحظة المباراة وتفوق المنتخب المصرى، وجدنا المشاعر العربية الصافية والصادقة تجاه مصر والمصريين، بعيدا عن بغضاء السياسة وتنطع بعض السياسيين، عمت الفرحة جماهير فلسطين والمملكة العربية السعودية والإمارات وغيرها من الدول الشقيقة.
الملاحظ أن القوة الناعمة تحقق غالبًا الإجماع الوطنى، وتعلو على الخلافات والمشاكل الآنية واليومية، هل نتذكر لحظة الفخر والاعتزاز الوطنى يوم أن فاز نجيب محفوظ بجائزة نوبل فى أكتوبر سنة 1988، ومن قبله حفلات أم كلثوم، خاصة حين دعيت للغناء على أكبر مسارح فرنسا بعد هزيمة يونيو 1967، وهكذا الحال مع شخصيات ورموز كبيرة وأحداث عديدة.. وآخرها مشهد الفخر المصرى والعربى بالمنتخب الوطنى وإنجازه الكبير.
مفاجأة هذا المونديال أيضًا، هو حالة التوحد العربى، الذى أحدثته الفرق العربية المشاركة، خاصة المنتخب المغربى والمنتخب المصرى. أزمات الحروب والصراعات داخل الدول وبين بعضنا بعضًا لعبت دورًا كبيرًا فى تمزيق المشاعر العربية، وضعت المواطن البسيط فى حيرة من أمره، وجاءت المباريات لتكنس تلك الخلافات وتزيح ركام الصراعات الأيديولوجية والفكرية.. ويبقى الوجدان العربى بخير.. سليمًا ومعافى، بلا رتوش وبلا ثقوب.
قبل مباراة مصر وأستراليا، قال السفير الأسترالى فى القاهرة: إن أفراد فريق بلاده يتميزون بالطول الفارع؛ متوسط الطول 190 سنتيمترًا وصغر السن، وكان معنى هذا أن فرص الفوز لديهم أكبر، بل مؤكدة، وكان عدم الفوز قدرًا مكتوبًا علينا، لكن الأبطال المصريين تحدوا هذه المقولة.. الفوز من حقنا ويمكن أن يكون قدرنا أيضا.
المهم أن نعمل جاهدين على أن تبقى القوة الناعمة المصرية مصدر إجماع وطنى، نقاوم التشرذم والتشتت الذين يحاول البعض فرضه علينا وزرعه فينا.